حين يصبح السرطان مادّة للفرجة: عمادة الأطباء تتحرّك قضائيا ضد برنامج يروّج للشعوذة

مرّة أخرى، يجد الإعلام التونسي نفسه في قلب جدل أخلاقي وعلمي خطير، بعد إعلان المجلس الوطني لعمادة الأطباء قراره التقدّم بشكاية رسمية ضدّ برنامج تلفزي، على خلفية بثّ حلقة روّجت لما اعتبرته العمادة ممارسات تدجيل وشعوذة في مجال علاج مرض السرطان.
التحرّك القضائي جاء عقب محتوى اعتبرته العمادة تهديدا مباشرا لصحة المواطن، خاصة أنّه أوحى بإمكانية علاج السرطان عبر التطبّب التقليدي والحشائش، من خلال شخص لا يمتّ بصلة لمهنة الطب أو الاختصاص العلمي.
السرطان ليس مجالا للتجريب أو التبسّيط
عمادة الأطباء شدّدت، في بيانها، على أنّ علاج مرض السرطان يخضع لبروتوكولات طبية دقيقة وأدوية ذات خصوصية، لا يصفها إلاّ أطباء مختصون، بعد سنوات من البحث والتجارب السريرية التي أثبتت نجاعتها.
واعتبرت أنّ الترويج لبدائل غير مثبتة علميا، في موضوع بهذه الخطورة، قد يدفع المرضى إلى التخلّي عن العلاج الطبي أو تأخيره، بما قد تكون له عواقب وخيمة.
بيان تحذيري بعد بثّ حلقة مثيرة للجدل
وتعود وقائع القضية إلى ما بُثّ مساء الأحد على قناة “الحوار التونسي” ضمن برنامج الوحش بروماكس الذي يقدّمه الإعلامي سمير الوافي، حيث أصدرت على إثره رئيسة هيئة الأطباء التونسيين بيانا شديد اللهجة.
البيان اعتبر أنّ البرنامج تضمّن محتويات تُقدّم الطبّ التقليدي كبديل أو تعويض للطب المبني على الأدلّة العلمية، دون أي تأطير علمي أو تنبيه للمشاهدين إلى المخاطر المحتملة.
تضليل للرأي العام… وخطر على المرضى
وجاء في نصّ البيان أنّ مثل هذه التدخّلات «تُضلّل الجمهور، وتُساهم في تبسيط ممارسات غير مثبتة علميا»، محذّرة من أنّها قد تُؤدّي إلى تأخير تشخيص أو علاج أمراض خطيرة، وفي مقدّمتها السرطان.
وأضافت عمادة الأطباء أنّ ما تمّ ترويجه يتعارض مع المبادئ الأساسية للطب المبني على البيانات العلمية، ويتناقض بوضوح مع مدوّنة أخلاقيات مهنة الطب، خاصّة الأحكام المتعلّقة بحماية الجمهور والتصدّي للشعوذة.
بين حرّية التعبير وحماية صحة المواطن
هذا التحرك يطرح من جديد سؤالا حساسا حول حدود حرّية التعبير الإعلامي، حين يتعلّق الأمر بصحّة المواطنين وحياتهم، ويعيد فتح النقاش حول مسؤولية البرامج التلفزية في تدقيق المحتوى الطبي قبل تقديمه للجمهور.
في انتظار ما ستسفر عنه المسارات القضائية، الرسالة التي توجّهها عمادة الأطباء واضحة: صحة التونسي ليست مجالا للتجريب، ولا منصّة للبحث عن نسب مشاهدة.




