وطنية

وليد بالحاج عمر يدق ناقوس الخطر: تونس تنزف كفاءاتها في صمت

دراسة ATUGE تكشف حقيقة موجعة عن هجرة العقول

أطلقت الجمعية التونسية لخريجي المدارس العليا (ATUGE) دراسة غير مسبوقة حول وضعية الكفاءات التونسية المقيمة بالخارج، فجاءت نتائجها صادمة بكل المقاييس: قرابة 60 في المائة من أصحاب الكفاءات العالية لا ينوون العودة إلى تونس.
هذا الرقم لا يمثل مجرد إحصائية، بل يعكس أزمة وطنية عميقة تهدد مستقبل البلاد الاقتصادي والاجتماعي.

الخبير الاقتصادي وعضو المكتب التنفيذي لـ ATUGE، وليد بالحاج عمر، اعتبر أن ما يحدث اليوم ليس مجرد هجرة، بل نزيف استراتيجي يطال أهم ما تملكه تونس: عقولها وخبراتها التي أنفقت الدولة والمجتمع سنوات وأموالًا طائلة في تكوينها، قبل أن تستفيد منها اقتصادات أجنبية.

جيل جديد من المهاجرين… بكفاءات عالمية وتوقعات أعلى

بحسب وليد بالحاج عمر، فإن صورة الهجرة التونسية تغيرت جذريًا. لم يعد المهاجر التونسي هو العامل البسيط الباحث عن وظيفة في مصنع أوروبي، بل أصبح مهندسًا في شركة تكنولوجية، أو طبيبًا في مستشفى جامعي، أو إطارًا في مؤسسة مالية دولية.

هذا التحول غيّر أيضًا طبيعة التوقعات. فالتونسي في الخارج لم يعد يقارن تونس فقط بذكرياته، بل يقارنها بما يعيشه يوميًا في فرنسا أو ألمانيا أو كندا: من حيث الأجور، الخدمات، المدارس، البيئة المهنية، واحترام الكفاءة.

وهنا يوضح وليد بالحاج عمر أن الرابط العاطفي مع الوطن لا يزال قويًا، لكنه لم يعد كافيًا وحده ليقنع الكفاءات بالعودة إذا لم تتوفر شروط حياة وفرص مهنية محترمة.

العودة قرار عقلاني قبل أن يكون عاطفيًا

تؤكد دراسة ATUGE أن التونسيين يغادرون بلدهم لأسباب اقتصادية، ولذلك فإن قرار العودة يخضع للمنطق نفسه.
فمن غادر بسبب ضعف الأجور وانسداد الآفاق المهنية، لن يعود إلا إذا تغيّر هذا الواقع.

يشرح وليد بالحاج عمر هذه المعادلة بوضوح:
الكفاءة التونسية في الخارج تسأل نفسها قبل العودة:
هل سأجد وظيفة تناسب خبرتي؟
هل سأحافظ على مستوى عيش كريم لعائلتي؟
هل أستطيع أن أؤمن تعليمًا جيدًا لأطفالي؟

وحين لا تكون الإجابات مقنعة، يصبح الحنين وحده عاجزًا عن حسم القرار.

أمل واقعي: أربعون في المائة ما زالوا قابلين للعودة

رغم قتامة المشهد، تبرز الدراسة جانبًا إيجابيًا مهمًا. فحوالي 20% من الكفاءات التونسية في الخارج لديهم مشروع واضح للعودة، بينما يرى 21% آخرون أن العودة ممكنة على المدى المتوسط.

يعتبر وليد بالحاج عمر أن هذا الرقم يمثل فرصة ذهبية يجب عدم تضييعها. فالرهان الحقيقي اليوم ليس على من حسم أمره بعدم العودة، بل على من لا يزال مترددًا أو مستعدًا، وهؤلاء يمكن استقطابهم إذا وُضعت السياسات الصحيحة.

لماذا تفشل تونس في جذب كفاءاتها؟

تكشف الدراسة عن ثلاثة أسباب رئيسية تتكرر في شهادات التونسيين بالخارج، وهي نفسها التي يعاني منها المواطن في الداخل، لكنها تصبح أكثر حدة عند المقارنة مع الخارج.

أول هذه الأسباب هو ضعف سوق الشغل، حيث لا تتناسب الأجور مع مستوى الكفاءة والخبرة، ولا توجد عروض عمل حقيقية قادرة على استيعاب خبرات دولية عالية.

ثانيًا، صعوبة بعث المشاريع، بسبب التعقيدات القانونية، وضعف التمويل، والبيروقراطية التي تخنق المبادرة الخاصة، في وقت يعيش فيه المهاجر التونسي في بلدان توفر بيئة ريادية سريعة وشفافة.

أما العائق الثالث، فيتمثل في ثقل الإدارة وقوانين الصرف والبنوك، التي تجعل تحويل الأموال أو الاستثمار من الخارج مسارًا مليئًا بالعقبات، وهو ما يزرع الشك والخوف لدى من يفكر في العودة أو الاستثمار.

وليد بالحاج عمر: تونس لا تستطيع الاستغناء عن نخبتها

يرفض وليد بالحاج عمر الاكتفاء بخطاب المجاملات حول “قيمة الجالية التونسية في الخارج”.
بالنسبة له، المسألة أكبر من ذلك:

“من دون مهندسين وأطباء وخبراء، لا يمكن لتونس أن تدخل اقتصاد القرن الحادي والعشرين.”

الهجرة حين تتحول إلى استنزاف دائم للكفاءات، تصبح خطرًا استراتيجيًا على الدولة، لأنها تضرب في العمق قدرتها على النمو، وعلى تحسين خدماتها، وعلى بناء اقتصاد تنافسي.

نحو نموذج اقتصادي جديد يحترم العمل والكفاءة

من أبرز ما تدعو إليه ATUGE، وفق ما عرضه وليد بالحاج عمر، هو تجاوز النموذج القائم على الأجور المنخفضة.
فالاقتصاد الذي يقوم على الرخص لا يستطيع استقطاب الكفاءات.

ويقترح في هذا السياق إدخال آليات تجعل العامل شريكًا في نجاح المؤسسة، مثل تقاسم الأرباح، وتحفيزات جبائية لتشجيع الشركات على تحسين الأجور، إضافة إلى إصلاحات تعزز العدالة داخل المؤسسات، بما في ذلك المساواة في الأجور بين النساء والرجال.

الهدف هو خلق سوق عمل يشعر فيه صاحب الكفاءة بأن جهده مقدَّر ومكافأ.

استثمار الجالية: فرصة مهملة بمليارات الدنانير

يرى وليد بالحاج عمر أن الدولة تخطئ حين تتعامل مع التونسي في الخارج كمستثمر أجنبي عادي.
فهذا المواطن، رغم إقامته بالخارج، يظل مرتبطًا وجدانيًا ببلده، لكنه يحتاج إلى سهولة، رقمنة، وضوح، وثقة.

وتشير الدراسة إلى أن مدخرات الجالية يمكن أن تتجاوز مليار دينار إذا وُفرت حسابات بالعملة الصعبة في البنوك التونسية بعوائد تنافسية وإمكانية سحب مرنة، وهو ما يمكن أن يمثل موردًا ماليًا استراتيجيًا للبلاد.

الجهات الداخلية… الرهان المنسي

تكشف تجربة ATUGE أن التونسي في الخارج لا يفكر فقط في تونس العاصمة، بل في مدينته وقريته.
لكن غياب منظومات ريادة أعمال قوية في الجهات الداخلية يحرم هذه المناطق من استثمارات الجالية.

ويقترح وليد بالحاج عمر ربط هذه الجهات بمنظومات الابتكار في الساحل والعاصمة عبر التكنولوجيا، لأن المسافة لم تعد عائقًا في عالم الشركات الناشئة والعمل عن بعد.

منصة وطنية لربط الكفاءات بالفرص

في خطوة عملية، تعمل ATUGE على إطلاق منصة رقمية تجمع بين الكفاءات التونسية بالخارج، والشركات المحلية، والمستثمرين، والشركات الناشئة.
هذه المنصة ستجعل فرص العمل، والشراكات، والاستثمار مرئية ومتاحة، بدل أن تبقى مبعثرة وغير منظمة.

تونس لم تُرفض… لكنها مطالبة بأن تتغير

رسالة دراسة ATUGE، كما يلخصها وليد بالحاج عمر، واضحة:
التونسي في الخارج لم يدر ظهره لوطنه، لكنه يريد وطنًا يمنحه فرصة حقيقية للعيش والعمل بكرامة.

والتحدي اليوم ليس في استجداء العاطفة، بل في بناء دولة واقتصاد يستحقان عودة أبنائهما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى