حافظ الزريبي يدق ناقوس الخطر: الفاتورة الإلكترونية أخطر ما في قانون المالية وتونس مقبلة على صدمة مالية غير مسبوقة

في خضم الضجيج الذي رافق صدور قانون المالية الجديد، برز صوت الخبير الاقتصادي حافظ الزريبي كأحد أكثر الأصوات وضوحًا وحدّة في تشخيص الخطر الحقيقي الذي يتهدّد الاقتصاد التونسي. ففي تدوينته، لم يتوقف حافظ الزريبي عند الأرقام ولا عند نسب الضرائب، بل وضع إصبعه على أخطر إجراء تم تمريره بصمت تقريبًا: الفوترة الإلكترونية.
قد يبدو هذا الإجراء في ظاهره تقنيًا أو إداريًا، لكنه وفق تحليل حافظ الزريبي يمثل تحوّلًا جذريًا في بنية المعاملات الاقتصادية، وقد يتحول – في حال تطبيقه بهذه الطريقة المرتجلة – إلى قنبلة شلّ للاقتصاد الوطني بدل أن يكون أداة للشفافية.
حافظ الزريبي: 380 ألف مطالب بالضريبة في مرمى الفاتورة الإلكترونية
يكشف حافظ الزريبي أن أكثر من 380 ألف مطالب بالضريبة أصبحوا خاضعين مباشرة لمنظومة الفوترة الإلكترونية، دون أن يكونوا مهيئين تقنيًا أو إداريًا لهذا التحوّل. والأخطر أن الإجراء لا يقتصر على الشركات الكبرى، بل يشمل المؤسسات الفردية، والمهن الحرة، وحتى الخاضعين للنظام التقديري إذا تجاوزت الفاتورة 500 دينار.
بعبارة أخرى، وفق تحليل حافظ الزريبي، نحن لا نتحدث عن إصلاح قطاعي، بل عن إعادة تشكيل قسرية لكامل سوق الخدمات: من الطبيب والمحامي، إلى الحرفي والمصلّح والمصمم والمستشار، وصولًا إلى البنوك وشركات التأمين والنقل والسياحة والمطاعم.
إنها، كما يقول حافظ الزريبي ضمنيًا، شبكة جبائية رقمية شاملة أُلقيت دفعة واحدة فوق اقتصاد هش.
TTN و ANCE و التوقيع الإلكتروني: بيروقراطية رقمية تخنق السوق
يشرح حافظ الزريبي أن الفاتورة الإلكترونية ليست مجرد فاتورة رقمية، بل منظومة معقدة تتطلب:
-
الانخراط في منصة TTN
-
الحصول على Token من ANCE
-
إصدار فاتورة في صيغة XML تحترم مخطط XSD
-
المصادقة الآلية على كل فاتورة
وأي خطأ تقني، مهما كان بسيطًا، يجعل الفاتورة ملغاة قانونيًا.
الصدمة، حسب حافظ الزريبي، أن مؤسسة TTN لم تستطع في منتصف 2025 معالجة سوى 1000 مؤسسة، بينما يُطلب منها فجأة استقبال 380 ألف مؤسسة في بضعة أسابيع. هذا ليس إصلاحًا، بل مغامرة بيروقراطية عالية الخطورة.
حافظ الزريبي يقارن بتجربة فرنسا: نحن نُطبق في أسابيع ما حضّروا له أربع سنوات
في فرنسا، يذكّرنا حافظ الزريبي، انطلقت الاستعدادات للفوترة الإلكترونية سنة 2022 لتُطبق فعليًا في 2026. أربع سنوات من التحضير والتجريب والتدرّج.
أما في تونس، فقد صدر القانون في منتصف ديسمبر 2025، ودخل حيّز التنفيذ في 1 جانفي. أسبوعان فقط لفك شفرة منظومة رقمية معقّدة تمسّ مئات الآلاف من المتعاملين.
هنا يطرح حافظ الزريبي سؤالًا جوهريًا:
هل نحن أمام إصلاح، أم أمام قفزة في المجهول؟
شلل اقتصادي وكساد محتمل: حين لا يستطيع البائع أن يبيع ولا المشتري أن يدفع
أخطر ما يحذّر منه حافظ الزريبي هو ما سيحدث عمليًا في السوق:
مسدي الخدمة لا يستطيع إصدار فاتورة إلكترونية →
المنتفع بالخدمة لا يستطيع تسجيلها محاسبيًا →
لا يمكن طرح الـTVA ولا احتساب المصاريف →
فتتوقف عمليات الدفع.
بمعنى آخر، سلسلة التبادل الاقتصادي تنكسر.
ووفق حافظ الزريبي، قد نجد أنفسنا أمام مشهد عبثي:
الجميع يريد البيع، الجميع يريد الشراء، لكن النظام يمنع الطرفين.
من الفاتورة إلى الكاش: حافظ الزريبي يتوقع انفجار الكتلة النقدية
هنا يصل تحليل حافظ الزريبي إلى ذروته المالية. فحين يُشلّ الاقتصاد الرسمي، يكون البديل الطبيعي هو الاقتصاد النقدي (الكاش).
ويقدّم حافظ الزريبي أرقامًا صادمة:
-
2024: 22 ألف مليار دينار في التداول
-
2025: 26.5 ألف مليار
-
2026: أكثر من 30 ألف مليار
أي أن البنك المركزي، وفق هذا المسار، سيضطر إلى طباعة المزيد من الأموال لإنقاذ السيولة، وهو ما يعني تضخمًا أكبر، وانفلاتًا نقديًا، وتقويضًا لكل ما قيل عن رقمنة الاقتصاد.
وهكذا، كما يختم حافظ الزريبي بسخرية مريرة:
“يحيا الكاش في بلاد الديجيتال”.
حافظ الزريبي يرى ما لا يريد الكثيرون رؤيته
ليست تدوينة حافظ الزريبي صرخة في فراغ، بل تحليل اقتصادي استباقي لما قد يتحوّل إلى أزمة سيولة وتعطّل معاملات وانفجار تضخم.
الفوترة الإلكترونية ليست سيئة في حد ذاتها، لكن طريقة فرضها – كما يشرح حافظ الزريبي – تجعلها أداة خنق بدل أداة تنظيم.
وفي بلد يعاني أصلًا من ركود، وضعف استثمار، وتراجع ثقة، قد تكون هذه الخطوة المتسرعة هي الشرارة التي تشعل فوضى مالية واسعة.
والتاريخ، كما يعلمنا حافظ الزريبي، لا يرحم من يعبث بقواعد الاقتصاد دون استعداد.




