من تونس إلى عيادات النخبة في الدوحة مراد الجلاص… تونسي عالج الأجساد ورفع راية الوطن

مراد، الأخصائي في العلاج الطبيعي والطب الرياضي، لم يغادر تونس لينسى بلده، بل غادرها ليحملها معه حيثما ذهب. اليوم، يعمل في واحدة من كبرى المؤسسات الطبية والرياضية في دولة قطر، ضمن منظومة تضم عشرات الكفاءات التونسية، يشكّلون معًا شبكة خبرة عالية المستوى في قلب واحدة من أكثر البيئات تنافسية في العالم.
رحلة بدأت من السعودية… وتحوّلت إلى مشروع حياة
لم تبدأ قصة مراد في قطر، بل في المملكة العربية السعودية، حيث قضى خمس سنوات في المجال الرياضي، يخوض أول اختبار حقيقي للغربة والمنافسة الدولية. هناك، لم يكن مجرّد موظف، بل تونسي يحاول أن يثبت نفسه وسط مدارس علاجية متعددة، وخبرات من شتى الجنسيات.
في تلك المرحلة، اكتشف شيئًا سيظل يردّده لاحقًا:
“التونسي يمتلك مهارة نادرة… مهارة إيجاد الحلول.”
هذه القدرة على التأقلم، والابتكار، والتواصل مع الثقافات المختلفة، جعلته لا يكتفي بالاندماج، بل بالتميّز.
في قطر… حين يصبح التونسي مطلوبًا لا ضيفًا
عندما انتقل إلى قطر، لم ينتقل بوظيفة فقط، بل بمشروع ورؤية. وجد هناك بيئة تحتضن التعدد، وتقدّر الكفاءة، وتفتح المجال لبناء منظومات عمل حديثة. التونسيون الذين سبقوه، وعلى رأسهم أسماء مثل رياض الميلادي، شكّلوا شبكة دعم ومرافقة جعلت انتقاله ليس قفزة في المجهول، بل صعودًا محسوبًا.
داخل هذه المنظومة، يعمل مراد اليوم في مجال العلاج الطبيعي والطب الرياضي مع نخبة من الرياضيين، في مؤسسات تُعدّ من الأكبر في الدوحة. وهو لا يعمل منفردًا، بل ضمن منظومة تونسية متكاملة، حيث يشكّل التونسيون عنصرًا محوريًا في نجاحها.
الغربة ليست نسيانًا… بل حنينًا مضاعفًا
رغم النجاح، لا يخفي مراد ثمن الغربة:
“نحن نضحّي بأشياء لا تُعوّض… العائلة، الحومة، القهوة الصباحية، التفاصيل الصغيرة التي تصنع معنى الوطن.”
يصف نفسه حين يعود إلى تونس بأنه “طفل صغير”، يركض نحو ذكرياته، ثم يعود إلى الغربة بقلب مثقل بالحنين. هذا التمزّق الوجداني هو الوجه الآخر لنجاح المهاجر، وجه لا يراه كثيرون.
التونسي سفير لاجئ
في الحوار الذي بثّته إذاعة ديوان أف أم ضمن برنامج البرهان، لخّصت إحدى المتدخلات حقيقة عميقة بقولها:
“التونسي في المهجر هو سفير هويته.”
ومراد هو التجسيد الحيّ لهذا المعنى. لم يحمل معه فقط شهاداته وخبرته، بل لغة تونس، وروحها، وقيمها، وطريقتها في التفكير. وهو يؤمن أن سرّ تميّز التونسي ليس فقط في تكوينه الأكاديمي، بل في مرونته الذهنية وقدرته على إيجاد الحلول بدل البكاء على النواقص.
العودة ليست وهمًا… بل وعدًا
ورغم الاستقرار المهني في قطر، فإن مراد لا يرى الغربة نهاية الطريق. بل على العكس، يعتبر أن المرحلة القادمة من حياته ستكون للتكوين ونقل الخبرة. فهو مدرّب معتمد في القيادة الذاتية، ويخطّط لأن يكون جسرًا بين تجارب الخارج وأجيال تونس القادمة.
يريد أن يختصر عليهم الطريق، أن يمنحهم “زبدة” ما تعلّمه في أكثر من ربع قرن من العمل الدولي، حتى لا يبدؤوا من الصفر.
مراد الجلاصي… قصة وطن تمشي على قدمين
في النهاية، قصة مراد الجلاصي ليست مجرد مسيرة مهنية ناجحة، بل حكاية انتماء في زمن الاغتراب. حكاية تونسي لم يترك وطنه خلفه، بل حمله في قلبه، وفي عمله، وفي اسمه الذي صار يُنطق باحترام في قاعات العلاج الرياضي في الدوحة.
إنه مثال حيّ على أن تونس لا تُفرغ حين يهاجر أبناؤها،
بل تتمدّد حين ينجحون.


