عالمية

الدكتور عدنان الإمام: اختطاف مادورو ليس نهاية فنزويلا… بل إعلان موت النظام الدولي وبداية عصر الافتراس العالمي

لم يكن ظهور الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مكبّل اليدين داخل قاعة محكمة فيدرالية في نيويورك مجرد مشهد صادم، بل كان لحظة فاصلة في تاريخ العلاقات الدولية. فاختطاف رئيس دولة ذي سيادة، يتمتع بالحصانة وفق القانون الدولي، لا يمكن قراءته كعملية أمنية معزولة، بل كزلزال سياسي واستراتيجي يعلن دخول العالم طورًا جديدًا من الصراع الدولي، حيث لم تعد الحروب تبدأ بالدبابات، بل بخطف الرؤساء.

هذا ما أكده أستاذ القانون العام والخبير في العلاقات الدولية الدكتور عدنان الإمام في مداخلته التحليلية، التي اعتبر فيها أن ما جرى في فنزويلا لا يمثل نهاية النظام القائم، بل بداية مواجهة مفتوحة ستتحدد على ضوئها ملامح النظام العالمي القادم.

عندما يسقط الملك… ولا تنتهي اللعبة

يشرح الدكتور الإمام أن المنطق التقليدي للحروب كان يقوم على أن سقوط رأس النظام يعني انهيار الدولة، كما حدث في العراق بعد اعتقال صدام حسين أو في بنما بعد القبض على الجنرال نورييغا. لكن النموذج الفنزويلي كسر هذه القاعدة جذريًا.

في فنزويلا، تم اختطاف الرئيس، لكن الدولة لم تسقط:
الجيش ما زال قائمًا،
الميليشيات الموالية للنظام تسيطر على الأرض،
المحكمة الدستورية فعّلت آليات الخلافة،
ونائبة الرئيس تولّت الرئاسة المؤقتة بدعم المؤسسة العسكرية واعتراف دول إقليمية وازنة مثل البرازيل.

هنا يبرز الفرق الجوهري:

في فنزويلا، لم تنتهِ اللعبة بسقوط الملك، بل بدأت.

جيل جديد من الحروب: حين تحل الخوارزميات محل الجيوش

ما جرى في فنزويلا لم يكن غزوًا عسكريًا كلاسيكيًا، بل عملية خاطفة اعتمدت على جيل جديد من الحروب:

  • ذكاء اصطناعي

  • أقمار صناعية

  • شبكات تجسس داخلية

  • درونات

  • حرب سيبرانية وشبكية متكاملة

في غضون ساعات قليلة، تم اختطاف رئيس دولة، دون اجتياح بري أو قصف شامل. لكن رغم نجاح العملية التكتيكية، فشلت الولايات المتحدة حتى اللحظة في تحقيق الهدف الاستراتيجي: السيطرة على الدولة الفنزويلية وعلى نفطها.

فالوضع الميداني لا يزال خارج السيطرة الأميركية، والحصار البحري لم يترجم إلى هيمنة فعلية، ما يجعل كل السيناريوهات مفتوحة.

اغتيال القانون الدولي على الهواء مباشرة

يرى الدكتور الإمام أن أخطر ما في العملية ليس بعدها العسكري، بل نسفها الكامل للقانون الدولي.
اختطاف رئيس دولة يتمتع بالحصانة هو إعلان عملي عن انهيار المنظومة التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، والتي قامت على سيادة الدول وعدم جواز استخدام القوة إلا بضوابط صارمة.

إذا مرّ هذا الحدث دون ردع، فإن العالم سيدخل رسميًا مرحلة قانون الغاب:
القوي يفتك،
والضعيف يُفترس،
ولا مكان للقانون أو المؤسسات الدولية.

مجلس الأمن: مسرح بلا قدرة على الفعل

في هذا السياق، لا يعوّل الدكتور الإمام على مجلس الأمن.
أي مشروع قرار لإدانة الولايات المتحدة ستواجهه واشنطن بالفيتو. لكن الأهم ليس القرار، بل مواقف بقية الدول:
هل تقبل دول العالم بأن يصبح خطف الرؤساء سابقة مقبولة؟
أم تدافع، ولو سياسيًا، عن ما تبقى من النظام الدولي؟

الاختبار الحقيقي ليس في نيويورك، بل في عواصم العالم.

العقيدة الجديدة: حين يصبح العالم “فضاءً حيويًا” لواشنطن

يفتح الدكتور الإمام نافذة أخطر على ما يجري:
فالعملية ضد فنزويلا ليست معزولة، بل جزء من عقيدة أمن قومي أمريكية جديدة نُشرت في ديسمبر 2025، تُعرف بما يسمى “الملحق الترامبي لمبدأ مونرو”.

هذه العقيدة تعيد إنتاج مفهوم “الفضاء الحيوي” (Lebensraum) الذي تبناه النظام النازي، لكن بصيغة أمريكية حديثة:

النصف الغربي من الكرة الأرضية يجب أن يخضع بالكامل للهيمنة الأميركية، ويجب طرد أي قوة كبرى – خاصة الصين وروسيا – من هذا المجال، ولو بالقوة العسكرية.

بموجب هذه الرؤية، لم تعد الأمم المتحدة شريكًا، بل عدوًا، ولم يعد القانون الدولي مرجعًا، بل عائقًا يجب تجاوزه.

فنزويلا ليست الهدف… بل البداية

تصريحات ترامب حول كوبا، كولومبيا، المكسيك، وحتى غرينلاند، ليست تهديدات عابرة. إنها تطبيق عملي لهذه العقيدة الجديدة.
وفنزويلا، بما تملكه من نفط وموقع استراتيجي، ليست سوى أول اختبار.

إذا نجحت واشنطن في فرض إرادتها هناك، فإن سلسلة من التدخلات ستتبعها، وسيدخل العالم في مرحلة فوضى استراتيجية قد تقود إلى صدامات كبرى وربما حرب عالمية.
أما إذا فشلت، فسيكون لذلك أثر عميق في كبح هذا الاندفاع الأمريكي وإعادة التوازن الدولي.

إيران في قلب العاصفة… ولكن ليست لقمة سهلة

يرفض الدكتور الإمام الروايات التي تصور إيران كنظام هش على وشك الانهيار.
إيران دولة عقائدية ذات بنية عسكرية وأمنية معقدة، وقد أثبتت في حرب الأيام الاثني عشر مع الكيان الصهيوني أنها قادرة على إلحاق ضربات استراتيجية خطيرة.

توقف الحرب لم يكن بسبب ضعف طهران، بل لأن استمرارها كان سيؤدي إلى انهيار البنية التحتية الإسرائيلية، وهو ما لم تحتمله واشنطن وتل أبيب.

إيران مستهدفة، نعم.
لكن إسقاطها ليس سيناريوً سهلاً ولا قريبًا.

العالم عند مفترق طرق

فنزويلا اليوم ليست مجرد أزمة في أميركا اللاتينية.
إنها المرآة التي يرى فيها العالم مستقبله:
إما عالم تحكمه القوة العارية،
أو عالم يتمسك، ولو بصعوبة، بقواعد القانون.

وكما خلص الدكتور عدنان الإمام:

ما يجري في فنزويلا هو مسألة مفصلية ستحدد مصير النظام الدولي برمته، وليس مصير دولة واحدة فقط.

العالم لم يعد كما كان…
واللعبة، هذه المرة، بدأت من القمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى