سكنٌ لمن لا يملك… الدولة تعود بقوة إلى قلب أزمة السكن.. رئاسة الحكومة ترسم ملامح سياسة سكنية جديدة

في خطوة تعكس تحوّلًا واضحًا في تعاطي الدولة مع واحدة من أعقد الملفات الاجتماعية، أشرفت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، يوم الثلاثاء 13 جانفي 2026 بقصر الحكومة بالقصبة، على مجلس وزاري مضيّق خُصّص لسياسة الدولة الاجتماعية في مجال السكن، وللمخطّط التنفيذي الخاص بإنجاز المساكن الاجتماعية والتفويت فيها لفائدة الفئات محدودة ومتوسطة الدخل.
الرهان هذه المرّة ليس إطلاق وعود جديدة، بل المرور إلى التنفيذ عبر آليات عملية مثل الكراء المُملّك والبيع بالتقسيط وتهيئة مقاسم اجتماعية، في محاولة جدّية لكسر معادلة “السكن حلم بعيد المنال” لآلاف العائلات التونسية.
من الحقّ الدستوري إلى بيت حقيقي
رئيسة الحكومة شدّدت منذ مستهل الجلسة على أنّ سياسة الدولة في السكن ليست مجرّد برنامج، بل ترجمة فعلية للحق الدستوري في السكن اللائق. وأكّدت أن الدولة ماضية في بناء سياسة سكنية عادلة تُراعي المقدرة الشرائية للفئات محدودة ومتوسطة الدخل، وتُعيد الاعتبار لدور الدولة الاجتماعي بعد سنوات من هيمنة السوق وارتفاع الأسعار.
وفي هذا الإطار، تمّ التأكيد على توسيع تدخّلات صندوق النهوض بالسكن، وتعزيز آلية الكراء المُملّك مع التحكّم في كلفة المشاريع حتى تكون في متناول أغلب التونسيين.
5000 مسكن في خمس سنوات… والأرقام هذه المرّة تتكلّم
وزير التجهيز والإسكان صلاح الزواري كشف خلال المجلس عن خطة طموحة تمتد على مخطّط التنمية 2026–2030، تقوم على إنجاز حوالي 5000 مسكن اجتماعي بكلفة تُقدّر بـ 750 مليون دينار.
القسط الأول ينطلق بداية من سنة 2026 بإنجاز 1213 مسكنًا في 11 ولاية بكلفة تناهز 212 مليون دينار، على أن تُبرمج مشاريع أخرى لتشمل بقية الجهات.
ولضمان تخفيض الكلفة، تمّ رصد أراضٍ دولية سيتم التفويت فيها بالدينار الرمزي لفائدة الباعثين العموميين، على غرار شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية والشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية.
منصّة رقمية لإنهاء عهد المحاباة
ومن بين النقاط التي لاقت اهتمامًا كبيرًا، الإعلان عن إحداث منصّة رقمية لتسجيل مطالب الترشّح للانتفاع بالمساكن الاجتماعية، مع اعتماد معايير واضحة وموضوعية لترتيب القائمات، في خطوة تهدف إلى وضع حدّ للوساطات والمحسوبية وضمان الشفافية في الإسناد.
كما سيتم العمل على توفير مقاسم اجتماعية عبر اقتناء أراضٍ بأسعار تفاضلية لفائدة العائلات محدودة الدخل في مختلف الجهات.
الدولة تعود إلى دورها الاجتماعي
الملامح الكبرى للسياسة الجديدة تقوم على إعادة بعث دور الباعثين العموميين، وإدخال آليات تمويل مرنة مثل الكراء المملّك والبيع بالتقسيط، إلى جانب توفير رصيد عقاري بأسعار مدروسة، وتسريع الإجراءات الإدارية التي كانت في السابق أحد أكبر عوائق النفاذ إلى السكن.
رسالة واضحة: المشروع سينطلق الآن وليس غدًا
في ختام المجلس، شدّدت رئيسة الحكومة على ضرورة الانطلاق الفوري في إنجاز هذه المساكن، بالجودة والسرعة المطلوبتين، مؤكدة أن الدولة لن تكتفي هذه المرّة بالتصريحات بل ستُحاسب على التنفيذ.
الرسالة السياسية والاجتماعية كانت واضحة:
الدولة تعود بقوة إلى ملف السكن… لا كشاهد، بل كفاعل أساسي في إنقاذ آلاف العائلات من جحيم الكراء وغلاء العقار، وإعادة الاعتبار لحقّ بسيط اسمه بيت يليق بكرامة التونسي.



