وطنية

قيس الفقيه يفكك لغز الفاتورة الإلكترونية في قانون المالية 2026: حين تتحول الرقمنة من إصلاح إلى عبء

في خضم الجدل الذي أثاره قانون المالية لسنة 2026، برز اسم الخبير المحاسب قيس الفقيه كأحد أكثر الأصوات وضوحاً وجرأة في شرح ما يحدث داخل المنظومة الجبائية التونسية. في حواره الإذاعي على أمواج RTCI ضمن برنامج إيكوسفير، لم يقدّم الفقيه مجرد توضيحات تقنية، بل وضع المستمعين أمام صورة كاملة لما تعنيه الفاتورة الإلكترونية فعلاً، كتحوّل جذري في علاقة الدولة بالمؤسسات وبمقدمي الخدمات، وكمنظومة معقدة تم فرضها بسرعة أكبر بكثير من قدرة الواقع على استيعابها.

من فكرة قانونية سنة 2000 إلى مشروع مؤجل ربع قرن

ذكّر قيس الفقيه بأن الفاتورة الإلكترونية ليست وليدة قانون مالية 2026، بل هي امتداد لمسار انطلق منذ سنة 2000 مع الاعتراف القانوني بالتوقيع الإلكتروني. غير أن هذا الاعتراف بقي لسنوات طويلة دون ترجمة عملية في شكل منظومة فوترة رقمية. وفي 2016، أطلقت تونس – بالتوازي تقريباً مع فرنسا – أول تجربة للفوترة الإلكترونية، لكنها بقيت محصورة في المعاملات بين المؤسسات والدولة، دون أي إلزام أو عقوبات، وهو ما جعلها إجراءً شكلياً لم ينخرط فيه أحد تقريباً، لأن المنظومات الاختيارية والمعقدة لا تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي.

تجربة كبرى المؤسسات: فشل صامت قبل التعميم

مع قانون مالية 2022 توسعت دائرة المعنيين لتشمل الصناعات الدوائية والمحروقات وكبرى المؤسسات المتعاملة مع الدولة، لكن الفاتورة الإلكترونية بقيت مقتصرة فقط على العمليات مع الإدارة، لا على النشاط اليومي مع الحرفاء. هذا الوضع خلق ازدواجية داخل الشركات، بين فواتير إلكترونية للدولة وفواتير ورقية للسوق، ما زاد التعقيد بدل التبسيط. وحين جاءت عقوبات 2025 لتفرض خطايا مالية عن كل فاتورة غير إلكترونية، كان يُنتظر انفراج حقيقي، لكن قيس الفقيه كشف أن عدد المؤسسات الكبرى التي نجحت فعلاً في الاندماج في المنظومة لم يتجاوز حوالي اثنتي عشرة مؤسسة، وهو رقم صادم يؤكد أن الخلل بنيوي لا ظرفي.

صدمة 2026: تعميم فوري رغم عدم الجاهزية

رغم هذا الفشل المحدود، جاء قانون مالية 2026 بقرار أكثر جرأة وخطورة: تعميم الفاتورة الإلكترونية على كل مقدمي الخدمات ابتداءً من 1 جانفي 2026. بالنسبة لقيس الفقيه، هذا القرار يمثل عقوبة مزدوجة، لأنه لا يكتفي بالإلزام بل يفرضه فوراً دون فترة انتقالية حقيقية. وهو ما يعني أن مئات آلاف المهنيين، من مختلف القطاعات، مطالبون فجأة بالدخول في منظومة رقمية لم تستوعب بعد حتى الشركات الكبرى.

الفاتورة الإلكترونية ليست ورقة… بل منظومة مشفّرة

يشرح قيس الفقيه أن الفاتورة الإلكترونية ليست مجرد نسخة رقمية من فاتورة ورقية، بل هي وثيقة معلوماتية مشفّرة، مكتوبة بلغة خوارزمية تقرأها الأنظمة الجبائية لا الإنسان. في التجربة الفرنسية، تُرسل الفاتورة إلى الدولة أولاً، فتُسجَّل الضريبة فوراً ثم تُحال إلى الحريف، فتُغلق كل أبواب التلاعب. أما في تونس، فالمسار لا يزال ناقصاً: الفاتورة تُرسل إلى الدولة عبر منصة TTN، لكن الحريف غالباً غير مجهز لاستقبالها أو فهمها، فيجد نفسه أمام وثيقة رقمية بلا معنى عملي.

TTN وTunTrust: عندما تتعطل الرقمنة في دهاليز المؤسسات

أخطر ما كشفه قيس الفقيه هو أن منظومة الفاتورة الإلكترونية في تونس موزعة بين مؤسستين لا تتكلمان اللغة نفسها: TTN التي تستقبل الفاتورة، وTunTrust التي تمنح الهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني. غياب بروتوكول موحد بينهما يجعل كل محاسب أو صاحب مؤسسة مضطراً للبحث بنفسه عن حلول تقنية لتوقيع فواتيره. ويضاف إلى ذلك عبء مالي معتبر، من ثمن الـToken إلى الاشتراكات وكلفة التوقيع والأرشفة، ما يجعل الدخول في المنظومة مكلفاً ومعقداً في آن واحد.

من معني؟ تقريباً كل من يقدّم خدمة

حسب قراءة قيس الفقيه، فإن روح القانون لا تستثني أحداً: كل نشاط يقدّم خدمة سيكون معنيّاً، من الميكانيكي إلى المصمم، ومن المهندس إلى البنك وشركة التأمين. نحن أمام أكثر من 380 ألف نشاط اقتصادي مطالب فجأة بالاندماج في منظومة رقمية شديدة التقنية، في وقت ما تزال فيه البنية التحتية نفسها تخضع للاختبارات.

بين موقف الرئاسة وإصرار المالية: غموض التطبيق

يشير قيس الفقيه إلى التناقض القائم بين رئاسة الجمهورية التي أعلنت أن المؤسسات غير جاهزة، ووزارة المالية التي تصر على التطبيق مع وعود بالمرونة. لكن هذه المرونة، كما يقول، لا تزال مفهوماً غامضاً: هل ستكون هناك عقوبات؟ هل سيتم التأجيل؟ أم سيتم التطبيق تدريجياً؟ إلى اليوم، ينتظر الجميع مذكرة رسمية توضح كيف سيتم الانتقال من الورق إلى الرقمنة.

خلاصة قيس الفقيه: إصلاح ضروري لكن فرضه بهذه الطريقة شبه مستحيل

في خلاصة موقفه، يؤكد قيس الفقيه أن الفاتورة الإلكترونية ضرورة حقيقية لمكافحة التهرب الجبائي وتعزيز الشفافية، لكنه يرى أن فرضها بهذه السرعة، وبهذا التعقيد، وبدون تهيئة المنظومات المحاسبية وتكوين المهنيين وتنسيق المؤسسات، يجعل نجاحها في الآجال المعلنة أمراً شبه مستحيل. الأمل الوحيد، في نظره، هو أن تعتمد الإدارة الجبائية منطق التدرّج بدل الصدمة، لأن ما يحدث ليس مجرد تغيير في شكل الفاتورة، بل تحول كامل في طريقة اشتغال الاقتصاد التونسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى