وطنية

الدكتور صفوان بن عيسى: بنزرت مدينة عريقة… وحماية ذاكرتها مسؤولية مجتمع بأكمله

من موقعه كرئيس لجمعية صيانة مدينة بنزرت، يقدّم الدكتور صفوان بن عيسى رؤية عميقة لدور المجتمع المدني في حماية المدن التاريخية، مؤكداً أن بنزرت ليست مجرد مدينة ساحلية جميلة، بل هي خزّان متراكم للذاكرة، وفضاء حيّ يختزل قروناً من التاريخ والتراث المادي واللامادي. فمثلما تزخر تونس عموماً بثراء حضاري استثنائي، تتميّز بنزرت على وجه الخصوص بخصوصية بحرية جعلت منها مدينة يخترقها الماء ويطوّقها التاريخ من كل الجهات.

ويشدّد الدكتور صفوان بن عيسى على أن هذا الزخم الحضاري الهائل لا يمكن أن تُترك حمايته للدولة وحدها، بل إن المجتمع المدني مطالب بلعب دور أساسي في التثمين والصيانة والتعريف. من هنا وُلدت جمعية صيانة مدينة بنزرت، التي يعود نشاطها إلى أكثر من نصف قرن، فيما يتجاوز وجودها القانوني الأربعين سنة، لتكون شاهداً على التزام متواصل بحماية المدينة وذاكرتها.

جمعية صيانة مدينة بنزرت… تاريخ من التعاضد من أجل التراث

يستحضر الدكتور صفوان بن عيسى البدايات الأولى للجمعية، مؤكداً أنها لم تُؤسَّس كمجرد إطار إداري، بل كحركة تعاضد مدني هدفها تثمين التراث والتاريخ المحليين، مادياً كان أو لا مادياً. فبنزرت، بما تختزنه من مواقع أثرية، وعادات، وطقوس، وتقاليد، تمثل فضاءً مفتوحاً للبحث والتأمل والعمل الميداني.

ومن بين أهم المشاريع التي حملتها الجمعية منذ نشأتها، مشروع “دار الحوت”، أو متحف الحوت، الذي لم يكن فكرة عابرة، بل ثمرة رؤية مبكرة للجيل المؤسس في ثمانينات القرن الماضي، حين تقرر استثمار موقع أثري حساس وتحويله إلى فضاء ثقافي وتربوي حيّ.

دار الحوت بسيدي الحني… متحف يولد من قلب موقع أثري

يوضح الدكتور صفوان بن عيسى أن دار الحوت أُقيمت داخل موقع أثري بالغ الأهمية، يتمثل في برج دفاعي تحصيني يُعرف باسم “سيدي الحني”، كان في ما مضى يشرف على الميناء العتيق لبنزرت. هذا البرج لم يكن مجرد معلم حجري صامت، بل نقطة مراقبة استراتيجية ارتبطت بتاريخ المدينة البحري والعسكري.

في هذا الفضاء، ارتأى مؤسسو الجمعية إحداث أحواض للأسماك كوسيلة لتثمين الموقع، لا بهدف إنشاء أكواريوم تقليدي، بل لابتكار تجربة فريدة لا مثيل لها في العالم، حيث يلتقي التراث المعماري بالتنوع البيولوجي في صيغة ثقافية وتربوية متكاملة.

إحياء المبادرة… بين ترميم سيدي الحني وبعث دار الحوت بروح جديدة

يؤكد الدكتور صفوان بن عيسى أن الجمعية قررت اليوم إعادة إحياء مبادرة الجيل المؤسس، من خلال مشروعين متكاملين داخل نفس الموقع. يتمثل المشروع الأول في ترميم برج سيدي الحني، باعتباره معلماً أثرياً يتطلب صيانة دقيقة تحترم قيمته التاريخية، وذلك تحت إشراف المعهد الوطني للتراث.

أما المشروع الثاني، فهو إعادة بعث دار الحوت وإضفاء صبغة متجددة عليها، تجعل منها فضاءً جذاباً وحديثاً، قادراً على استقطاب الزائرين، وخاصة الأطفال. فدار الحوت، كما يصفها الدكتور صفوان بن عيسى، ليست مشروعاً ترفيهياً فقط، بل مشروع تربوي وتثقيفي بامتياز، يهدف إلى غرس روح الافتخار بالذات والتراث لدى الأجيال الجديدة.

عالم الأسماك… بوابة الطفل لاكتشاف “العالم السحري الصامت”

يتوقف الدكتور صفوان بن عيسى عند البعد الرمزي لعالم الأسماك، ذلك العالم الذي “يولد في صمت، يكبر في صمت، يمرض في صمت، ويموت في صمت”، ليشكّل بالنسبة للأطفال عالماً خارقاً للعادة، مليئاً بالدهشة والأسئلة. ومن خلال هذا العالم، تسعى دار الحوت إلى فتح نافذة على الطبيعة، وتحفيز خيال الطفل، وتعريفه بجغرافيا الكوكب وتنوّع بيئاته المائية.

فالأسماك المعروضة تنتمي إلى قارات مختلفة، من بحيرة الملاوي إلى الأمازون، مروراً بالبيئات البحرية، وهو ما يجعل من الزيارة رحلة معرفية متكاملة، تتجاوز حدود المشاهدة إلى الفهم والاكتشاف.

“صنع محلي” في دار الحوت… حين تتحول الإمكانيات المحدودة إلى مصدر فخر

من النقاط التي يعتز بها الدكتور صفوان بن عيسى، أن كل ما أُنجز داخل دار الحوت هو نتاج عمل محلي خالص، من الأحواض إلى التزويق والتجهيزات. هذا الخيار لم يكن اضطراراً، بل قناعة بأن النجاح الحقيقي يُقاس بالقدرة على الابتكار بالإمكانيات المتاحة.

ويُعدّ تكاثر الأسماك داخل الأحواض مؤشراً علمياً على نجاح التجربة، ودليلاً على احترام الشروط البيئية السليمة، وهو ما يمنح المشروع مصداقية أكبر على المستويين العلمي والتربوي.

دار الحوت والالتزام البيئي… علاج السلاحف وإعادتها إلى البحر

في بعده البيئي، يبرز مشروع دار الحوت كفضاء للتدخل الإيجابي، خاصة في ما يتعلق بالسلاحف البحرية المهددة بالانقراض. يوضح الدكتور صفوان بن عيسى أن الجمعية لا تحتفظ بالسلاحف في الأسر، بل تستقبل السلاحف المصابة التي يُحضرها البحارة بعد أن تتضرر بسبب الشباك، لتقوم بعلاجها ورعايتها، ثم إعادتها إلى البحر.

هذا العمل يتم بالتنسيق مع البحارة أنفسهم، الذين أصبحوا شركاء فاعلين في حماية البيئة البحرية، في نموذج يُجسّد التكامل بين المجتمع المدني والفاعلين المحليين.

أرقام الزوار… حين يتحول التراث إلى قوة جذب سياحي

يكشف الدكتور صفوان بن عيسى أن الموقع استقبل خلال العطلة المدرسية الأخيرة أكثر من 12 ألف زائر، قدم بعضهم من مدن بعيدة خصيصاً لاكتشاف ما أُنجز في سيدي الحني ودار الحوت. هذه الأرقام، في نظره، ليست مجرد إحصائيات، بل دليل على أن الاستثمار في التراث يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية وسياحية، ومحرّك للسياحة الداخلية، شبيهاً بما هو موجود في مدن عالمية كبرى، رغم محدودية الإمكانيات.

مشروع ثالث قادم… إعادة قراءة تاريخ تونس في 30 محطة

ولا تتوقف طموحات الجمعية عند هذا الحد، إذ يعلن الدكتور صفوان بن عيسى عن مشروع ثالث يتمثل في إحداث مسلك تاريخي داخل الموقع، يُعرف بـ“Chemin de ronde”، يضم ثلاثين مشكاة (نيش) تُقدّم من خلالها إعادة قراءة لتاريخ تونس عبر ثلاثين شخصية بارزة، من عليسة وديدون وحنبعل إلى يوغرطة، في تجربة تجمع بين التاريخ والعرض البيداغوجي.

“بنزرت… التاريخ والتراث” كتاب يوثّق ذاكرة مدينة

ويختتم الدكتور صفوان بن عيسى حديثه بالإشارة إلى أحدث إصدارات الجمعية، وهو كتاب “بنزرت: التاريخ والتراث”، الصادر سنة 2025، والذي يُعد عملاً جامعاً يضم أكثر من أربعين محاضرة علمية، في نحو أربعمائة صفحة، أشرف عليها الأستاذ نور الدين الدقي، وشارك فيها أكاديميون وباحثون متخصصون.

الكتاب، الذي عُرض في معرض دولي للكتاب، يغطي مختلف الحقب التاريخية، ويتناول أيضاً الجوانب الاجتماعية والديموغرافية والعادات والتقاليد والمواقع الأثرية، ليكون مرجعاً أساسياً لكل من يريد فهم بنزرت في عمقها التاريخي والإنساني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى