وطنية

الفخّار في نابل… حين تتحوّل الأرض إلى ذاكرة تقاوم النسيان

منذ قرون، لم تكن مدينة نابل مجرّد مدينة ساحلية هادئة، بل كانت وما تزال عاصمة للفخّار، وصورة حيّة عن ذاكرة الوطن القبلي. هنا، لا يُختزل الفخّار في أوانٍ وأصص، بل يتحوّل إلى هوية بصرية وثقافية ترافق الزائر قبل أن يدخل المدينة، وتظلّ عالقة في ذاكرته حتى بعد الرحيل.

ساحة “الجَرّة”، مثرد الفخّار في قلب المدينة، مجسّم الحرفي عند المدخل الشمالي، واجهات المحلات المزدحمة بأواني الطين الملوّنة، وحتى الجدران المزدانة بزخارف خزفية… كلها تفاصيل تشكّل لغة نابل الصامتة، لغة تقول إن هذه المدينة صُنعت من طين وماء وذاكرة.

من الطين تولد الحكاية… ومن اليد تُصاغ الهوية

في نابل، الفخّار ليس مادّة جامدة، بل حياة يومية. صناعة توارثتها العائلات جيلاً بعد جيل، فصارت جزءًا من الإيقاع اليومي للمدينة.
كاميرا “موزاييك” دخلت إحدى أقدم ورشات الفخّار، ورشة الحرفي محمد الغربي، حيث الزمن يبدو أبطأ، لكن المعنى أعمق.

داخل الورشة، تبدأ الحكاية بطين يُحضّر بعناية، تلتقطه يد الصانع ليصل إلى “المعلّم” الذي يعيده إلى الحياة على دولاب العمل. بين دوران الدولاب وهدوء الأنامل، تولد الآنية قطعة قطعة، قبل أن تستقرّ على الرفوف في انتظار الجفاف، ثم تدخل الفرن لتخرج أصلب، جاهزة لتحدّي الزمن والاستعمال.

ورشة عمرها أكثر من قرنين

يقول الحرفي محمد الغربي في تصريحه لـ”موزاييك” إن هذه الورشة إرث عائلي يعود إلى حوالي سنة 1800، انتقل من الأب إلى الابن، ومن الجدّ إلى الحفيد، دون أن ينقطع الخيط الرابط بين الماضي والحاضر.

ويضيف أن صمود هذه الصناعة لم يكن صدفة، بل اختيارًا واعيًا من العائلة، خاصة مع انفتاحها على الأجيال الجديدة، مثل ابنه سليم الغربي، الذي اختار دراسة الفنون الجميلة ليُدخل البعد الأكاديمي إلى مهارة الأجداد.

حين يلتقي التراث بالفن المعاصر

بيد سليم الغربي، تتحوّل القطعة الفخّارية من وعاء تقليدي إلى عمل فني معاصر. ألوان، زخارف، رؤى تشكيلية حديثة، لكنها لا تقطع مع الأصل، بل تحاوره.
الفخّار هنا لم يعد مجرّد إناء لحفظ الماء أو الزيت، بل لوحة فنية تزيّن البيوت والمكاتب والمداخل، وتحمل روح المكان إلى فضاءات جديدة.

هذا التزاوج بين المهارة التقليدية والمعرفة الأكاديمية منح الفخّار في نابل نفسًا جديدًا، جعله أقرب إلى متطلبات السوق الحديثة دون أن يفقد جذوره.

صناعة تصمد رغم الإهمال والبدائل الحديثة

رغم هذا الثراء، لا يخفي محمد الغربي مرارته من غياب الدعم الحقيقي لقطاع الفخّار، مؤكّدًا أن توفير حدّ أدنى من المساندة كفيل بأن يرفع هذا الفن إلى مصافّ التراث الإنساني العالمي.

ويشير إلى مفارقة لافتة:
رغم غزو البلاستيك والمواد الحديثة لحياتنا اليومية، يشهد الفخّار عودة قوية، خاصة لما يتمتع به من قيمة صحية في حفظ الماء والزيت، وهو ما أعاد الاعتبار لهذه الصناعة في وعي المستهلك.

الفخّار كعلاج… حين تداوي الأرض الإنسان

من جهته، يلفت سليم الغربي إلى بعد جديد لهذه الحرفة، حيث دخل الفخّار مجال العلاج النفسي. أطفال، متقاعدون، وشباب، يجدون في لمس الطين وتشكيله راحة نفسية وتخفيفًا للتوتر الذي تفرضه الحياة الحديثة.

“أديم الأرض”، كما يصفه، يمنح من يطوّعه بأنامله سكونًا داخليًا لا توفّره الشاشات ولا الآلات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى