اقتصاد

إفريقيا جنوب الصحراء: رهان تونس الاستراتيجي بين الفرص الواعدة والتحديات المعقّدة

عمل تحت اشراف و تأطير الدكتورة حبيبة نصراوي بن مراد

في حوار إذاعي ثري على موجات الإذاعة الوطنية الدولية RTCI، استضاف الإعلامي منذر زيد الطالبتين الجامعيتين لينا ملولي وسلمى يفرني، وهما من طلبة الهندسة الاقتصادية والمالية بالمدرسة العليا للتجارة بتونس، للحديث عن موضوع بات اليوم في صلب النقاشات الاقتصادية والاستراتيجية: فرص وتحديات التوسع الاقتصادي التونسي في إفريقيا جنوب الصحراء. الحوار لم يكن مجرد عرض أكاديمي، بل مثّل قراءة معمّقة في واقع اقتصادي متحوّل، يفرض على تونس إعادة التفكير في خياراتها وشراكاتها خارج الإطار التقليدي.

إفريقيا… سوق المستقبل ولماذا لم يعد الخيار الإفريقي ترفًا

ينطلق النقاش من مسلّمة باتت شبه إجماع لدى الخبراء: إفريقيا جنوب الصحراء تمثّل سوق المستقبل بامتياز. فالقارة تسجّل نسب نمو اقتصادي مرتفعة مقارنة ببقية مناطق العالم، إلى جانب ثقل ديمغرافي متزايد يجعل منها أحد أكبر الأسواق الاستهلاكية الصاعدة. هذا المعطى، كما تؤكد سلمى يفرني، يكتسي أهمية مضاعفة في ظل السياق العالمي الحالي المتسم بعدم اليقين، حيث لم يعد من الحكمة الاقتصادية أن تظل تونس معتمدة بشكل شبه كلي على شريك تاريخي واحد هو الاتحاد الأوروبي.

وتشير المتدخلتان إلى أن تنويع الشراكات الاقتصادية لم يعد خيارًا تكميليًا، بل أصبح ضرورة تتعلق بالمرونة والصمود الاقتصادي. فالانفتاح على إفريقيا جنوب الصحراء يفتح آفاقًا جديدة لتونس، سواء على مستوى التصدير أو الاستثمار أو نقل الخبرات.

علاقات قديمة… ولكن بحضور اقتصادي لا يزال دون الإمكانات

رغم أن العلاقات التونسية الإفريقية تعود جذورها إلى ستينات وسبعينات القرن الماضي، خاصة في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، فإن الحضور الاقتصادي التونسي في إفريقيا جنوب الصحراء ظل محدودًا مقارنة بالإمكانات المتاحة. فحسب المعطيات التي تم عرضها خلال الحوار، لم تتجاوز الصادرات التونسية نحو هذه المنطقة سنة 2023 حوالي 1.5 مليار دينار، أي ما يعادل 3.5% فقط من إجمالي الصادرات الوطنية.

هذا الرقم، وإن كان في تطور نسبي، يظل ضعيفًا أمام الوزن الكبير للشركاء الأوروبيين، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن هامش نمو واسع يمكن لتونس أن تستثمره إذا ما توفرت الإرادة والإصلاحات الضرورية.

مكامن الجاذبية: ديمغرافيا، موارد، وسوق موحّدة قيد التشكل

تعد إفريقيا جنوب الصحراء اليوم من أكثر مناطق العالم ديناميكية من حيث النمو السكاني، بمعدل زيادة سنوية يقارب 2.7%، وبعدد سكان تجاوز 1.1 مليار نسمة. هذا المعطى الديمغرافي يقترن بعملية تحضّر متسارعة، ما يخلق طلبًا متزايدًا على البنية التحتية، والخدمات، والمنتجات الصناعية والغذائية.

إلى جانب ذلك، تمتلك القارة نحو 30% من الموارد الطبيعية العالمية وقرابة 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة، وهو ما يفتح مجالات واسعة أمام الاستثمار في الفلاحة، والصناعات الغذائية، والطاقة.

كما شكّلت منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAf) نقطة تحوّل مفصلية، إذ تهدف إلى إنشاء سوق إفريقية موحدة، ما من شأنه تسهيل نفاذ المنتجات التونسية إلى عمق القارة وتقليص العوائق الجمركية تدريجيًا.

قصص نجاح تونسية: نماذج متعددة لاختراق السوق الإفريقية

بعيدًا عن التنظير، أبرزت لينا ملولي أن التجربة التونسية في إفريقيا ليست بيضاء أو سوداء، بل تتخللها قصص نجاح حقيقية تؤكد أن الاختراق ممكن عبر نماذج متنوعة. فمنها نموذج الاندماج الصناعي عبر الشراكات المحلية، كما هو الحال في القطاع الفلاحي، ومنها تصدير الخبرة التقنية كما فعلت مؤسسات عمومية تونسية في مجالات الطاقة والهندسة.

كما برز نموذج ثالث قائم على إقامة وحدات تجميع محلية داخل الأسواق الإفريقية للحصول على علامة “صُنع في إفريقيا”، بما يخفّض كلفة الجمارك ويعزّز التنافسية. ولا يمكن إغفال الدور المتنامي للقطاع البنكي التونسي في القارة، والذي ساهم في تسهيل التمويل وتأمين المعاملات وضمان تحويل الأرباح، وهو عنصر حاسم خاصة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة.

عراقيل حقيقية: كلفة أعلى، لوجستيك هش، وتمويل محدود

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن التوسع التونسي نحو إفريقيا جنوب الصحراء لا يخلو من تحديات هيكلية. فالرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات التونسية تتراوح بين 9 و15%، مقابل 4% فقط في السوق الأوروبية، ما يخلق فجوة تنافسية واضحة. كما أن آجال التخليص الجمركي في موانئ إفريقيا الغربية قد تصل إلى 12 يومًا، أي ثلاثة أضعاف ما هو معمول به في المتوسط.

يضاف إلى ذلك ضعف الربط البحري، إذ لا تمتلك تونس سوى ثلاث خطوط مباشرة نحو إفريقيا جنوب الصحراء، مقابل 18 خطًا لدى منافسين إقليميين. أما على مستوى التمويل، فلا تتجاوز نسبة المؤسسات الصغرى والمتوسطة القادرة على الحصول على تمويل أو تأمين صادراتها نحو إفريقيا 22%، في ظل غياب آليات ضمان فعالة.

ولا تقل العوائق غير الاقتصادية أهمية، مثل نقص المعلومات حول الأسواق، والحواجز اللغوية والثقافية، واختلاف أنماط الطلب الاستهلاكي، وهي عوامل تحدّ من قدرة المؤسسات التونسية على التفاوض والاندماج المحلي.

من التشخيص إلى الحل: ثلاثة روافع لإنجاح التوجّه الإفريقي

انطلاقًا من هذا التشخيص، تقترح الدراسة التي ناقشها الحوار تفعيل ثلاثة محاور أساسية بشكل عاجل. أولها المحور اللوجستي، عبر إرساء ممر بحري مباشر جنوب–جنوب يربط تونس بدول محورية مثل السنغال وكوت ديفوار، ما قد يقلّص آجال النقل بنحو 36%.

المحور الثاني هو التمويل، من خلال إنشاء صندوق ضمان مخصّص للصادرات نحو إفريقيا، يتقاسم المخاطر مع البنوك ويشجعها على تمويل المؤسسات، بهدف رفع نسبة المؤسسات الممولة إلى 45%.

أما المحور الثالث فيتمثل في المرافقة البشرية والمؤسساتية، عبر التكوين، والتشبيك، وتشجيع التصدير الجماعي، بما يعزّز حظوظ النجاح ويقلّص الكلفة.

2030: بين سيناريو الجمود وسيناريو القفزة النوعية

تخلص الدراسة إلى تصورين لمستقبل العلاقات الاقتصادية التونسية الإفريقية في أفق 2030. الأول، في حال غياب الإصلاحات، يقود إلى ركود وفقدان حصص سوقية. أما الثاني، في حال تفعيل الروافع الثلاث، فيتوقع مضاعفة الصادرات التونسية نحو إفريقيا تسع مرات، ورفع نسبة نجاح المؤسسات الصغرى والمتوسطة بشكل ملموس.

شراكة لا غزو اقتصادي: سؤال العقد القادم

في خاتمة الحوار، طرحت الطالبات سؤالًا جوهريًا يتجاوز الأرقام: هل تسعى تونس فقط إلى بيع أكثر، أم إلى بناء شراكات طويلة المدى قائمة على منطق رابح–رابح؟ فالمستقبل، كما أكدن، لا يُبنى على مكاسب سريعة، بل على حضور مستدام، واحترام خصوصيات الأسواق، وتعاون حقيقي يخلق القيمة للطرفين.

إنها معادلة دقيقة، لكن حسمها سيحدد ملامح الدور الاقتصادي لتونس في إفريقيا خلال العقد القادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى