
لم يعد صمت الليل في الأحياء التونسية علامةً على السكينة، بل صار نذيرًا لمأساة تتكرّر بانتظام.
دويّ الرصاص الذي يخترق هدوء البيوت لم يعد حادثًا معزولًا، بل ممارسة ممنهجة تُنفَّذ تحت غطاء “السلامة العامة”، لتتحوّل الشوارع إلى ساحات إعدام ميداني في حق كائنات لا تملك من السلاح سوى نظرات الاستعطاف.
تحت جنح الظلام، تنطلق حملات القنص لمطاردة أرواح ضعيفة، ذنبها الوحيد أنّها وُجدت في بلد لم يجد لها حلًّا سوى فوهة البندقية. ليست طلقات عشوائية، بل مذابح تُرتكب بدمٍ بارد، يتعالى معها نباح الألم، وتُخلّف خلفها كائنات تنزف لساعات قبل أن تُسلم الروح على قارعة الطريق.
الأزقة… ساحات إعدام مفتوحة
أن نستيقظ صباحًا على جثة كلبٍ ألفناه في الحي، اعتدنا وفاءه وحضوره الصامت، ممدّدًا وسط بركة من الدم، هو مشهد يفوق قدرة الضمير الإنساني على الاحتمال.
“كلب الحي” الذي أطلق عليه المتساكنون اسمًا، وأصبح جزءًا من يومياتهم، يُعدم في لحظة، أحيانًا أمام توسّلات الأهالي الذين لم يشفع لهم رجاؤهم ولا معرفتهم به.
مشاهد وثّقها المواطنون في فيديوهات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي:
أمّهات تُقنص أمام جرائها، وكلاب تُترك تنزف حتى الموت… فكيف استُبيحت الروح إلى هذا الحد؟ وكيف أصبح الدم على الإسفلت جزءًا من “روتين العمل البلدي”؟
هل الرصاص هو الحل الوحيد؟
تُبرّر الجهات المسؤولة القنص بخطر داء الكلب أو حماية المارّة، وهي مخاوف مشروعة بلا شك. لكن السؤال الجوهري يبقى:
هل الرصاص هو الحل الوحيد؟
في زمن تعتمد فيه دول عديدة، تحترم الحياة، سياسات التعقيم والتلقيح والسيطرة العلمية على الكثافة، لماذا نُصرّ نحن على البندقية كخيار أوّل وأخير؟
لقد أثبتت دراسات وتجارب عديدة أن القنص لا يُنهي الظاهرة، بل يخلق فراغًا بيولوجيًا يُعوضه ظهور أسراب جديدة، غالبًا أكثر عدوانية. فلماذا لا تُوجَّه ميزانيات “الرصاص” إلى دعم مراكز الإيواء، وبرامج التعقيم والتلقيح، وإعادة إدماج الكلاب في محيطها بشكل آمن؟
لماذا نتمسّك بممارسات عفا عنها الزمن، في حين تقدّم دول مثل تركيا نموذجًا حضاريًا في التعايش مع الحيوانات السائبة؟
الرحمة… معيار الرقي
تونس التي تغنّى شعراؤها بالحياة والرحمة، لا يليق بها أن تتحوّل إلى مقبرة للكائنات الضعيفة.
فرقيّ المجتمعات لا يُقاس بالبنية التحتية أو الأرقام الاقتصادية فقط، بل بطريقة تعاملها مع من لا صوت لهم ولا حول ولا قوة.
ما نريده اليوم ليس شوارع “نظيفة” من الحياة، بل مدنًا آمنة تنظّم الحياة بدل أن تُنهيها.
مدن تُبنى بالعقل لا بالرصاص، وبالسياسات المستدامة لا بالحلول السهلة الدموية.
صدقًا… لقد بلغت القلوب الحناجر، واشمأزّت الأرواح من هذه القسوة.
نحن بحاجة إلى شوارع تنبض بالحياة، لا إلى ليلٍ آخر يوقظنا على صوت الرصاص.



