وطنية

تونس بين الذكر العابر والاتهام غير المُثبت في قضية ابستين!

ظهرت تونس خلال الأسابيع الأخيرة في نقاشات متزايدة حول ما يُعرف بـ“ملفات إبستين”، وهي حزمة وثائق نُشرت تباعًا عبر جهات أمريكية رسمية وتشريعية، وأُعيد تنظيم جزء منها في أدوات بحث عامة لتسهيل الاطلاع. لكن السؤال الأهم: ماذا تعني “الإشارة إلى تونس” داخل هذه الوثائق؟ وهل تُثبت تورط شخصيات تونسية أو عربية؟
تُظهر مراجعة التحقيقات الاستقصائية التي استندت إلى وثائق منشورة علنًا أن حضور تونس يتمركز في ثلاثة خيوط رئيسية.
الخيط الأول يعود إلى جانفي 2014، حيث تكشف وثيقة عن مساعٍ قامت بها شركة تُدعى Plan D, LLC—وهي كيان مرتبط بإبستين—لشراء طائرة بوينغ 737 بتهيئة رجال أعمال (BBJ) من شركة الخطوط التونسية (Tunisair). وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من كون الطائرة المعنية ليست عادية، إذ ارتبطت في حينها بالطيران الرئاسي/الرمزي للدولة وفق ما عرضه التحقيق المدعّم بالوثيقة. غير أن هذه الإشارة تظل في إطار “سعي/محاولة شراء” ما لم تترافق مع وثائق إغلاق الصفقة وتسجيل الملكية أو التحويلات النهائية.

الخيط الثاني أقدم زمنًا: جوان 2009. إذ تُظهر مراسلات مرتبطة بعالم الموضة إشارات إلى نهائي مسابقة Look Model Search الدولي الذي أُقيم في تونس (فندق Golden Tulip Carthage)، مع تمرير مواد ترويجية وطلبات تتعلق بتوفير عارضات من دول متعددة. تكمن حساسية هذا النوع من الوثائق في أن عالم عروض الأزياء قد يتحول—في بعض السياقات—إلى واجهة اجتماعية تفتح قنوات وصول، وهو ما يجعل فهم “شبكات الاستقطاب” جزءًا من تفكيك القصة الأشمل. لكن وجود تونس هنا مرتبط أساسًا بموقع إقامة الفعالية وبشبكات تواصل مهنية، وليس تلقائيًا بإثبات جريمة.
أما الخيط الثالث فيظهر في مارس 2019، عبر مراسلة تتضمن طلب تقديرات زمن طيران من باريس إلى تونس ضمن قائمة وجهات. وهذه بطبيعتها وثيقة لوجستية لا تعني أن رحلة نُفذت فعليًا، ولا تكتسب دلالة أقوى إلا إذا اقترنت بسجلات طيران أو فواتير أو قوائم ركاب تثبت التنفيذ.
وعليه، فإن ما تتيحه المواد المُوثّقة حول تونس حتى الآن يندرج في إطار:اهتمام تجاري/لوجستي بطائرة، إشارات إلى فعالية موضة واستقطاب، تخطيط مسارات سفر محتملة. أما سؤال “تورط شخصيات تونسية عامة” فلا يمكن دعمه بمجرد ذكر تونس أو وجود مراسلات عامة؛ فالقاعدة التي تكررها جهات إعلامية عند تغطية هذه الملفات واضحة: الظهور في وثيقة لا يساوي إدانة، وكثير من الأسماء والأماكن تُذكر كسياق لا كاتهام.

ذكر تونس في “ملفات إبستين” حقيقي ضمن خيوط محددة، لكن تحويل الذكر إلى “اتهام” يتطلب نصًا وثائقيًا مباشرًا قابلًا للتحقق يربط أشخاصًا محددين بأفعال جنائية—وهو ما لا تقدمه هذه الخيوط وحدها حتى اللحظة.

لطفي برق الليل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى