أزمة صامتة تهدد تونس: الزواج يتأخر، الخصوبة تنهار، والطلاق يرتفع

لم تعد المؤشرات الديمغرافية في تونس مجرّد أرقام تُنشر في تقارير رسمية، بل تحوّلت إلى إشارات إنذار حقيقية تنبّه إلى تحوّلات عميقة تمسّ بنية المجتمع ومستقبله. تراجع الولادات، ارتفاع الوفيات مع تقدّم السكان في العمر، تأخّر سنّ الزواج، وتنامي الطلاق… كلها عناصر ترسم ملامح منعطف ديمغرافي غير مسبوق.
أرقام لا تُطمئن
وفق أحدث معطيات المعهد الوطني للإحصاء، بلغ عدد سكان تونس منتصف سنة 2023 نحو 11.8 مليون نسمة. خلال السنة نفسها، سُجّل 135 ألف مولود مقابل حوالي 78 ألف وفاة، أي بزيادة طبيعية في حدود 57 ألف نسمة فقط.
وقد يبدو هذا الرقم مريحًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع من أضعف الفوارق الطبيعية التي عرفتها البلاد منذ عقود، خاصة إذا ما قورن بوتيرة التراجع المتسارعة في عدد الولادات.
الأخطر من ذلك، أن مؤشر الخصوبة الإجمالي انخفض إلى 1.6 طفل لكل امرأة، وهو رقم دون عتبة الإحلال السكاني المقدّرة بـ2.1، ما يعني أن الأجيال القادمة ستكون أقل عددًا من سابقتها.
متى تتعادل الولادات والوفيات؟
المنحى العام لا يدعو للتفاؤل. فالمعطيات تشير إلى تراجع سنوي في عدد الولادات يقارب 13 ألف مولود، مقابل ارتفاع تدريجي في عدد الوفيات بنحو 3 آلاف وفاة سنويًا.
وبالاعتماد على هذا النسق، فإن الفارق الطبيعي بين الولادات والوفيات مرشّح للتقلّص بسرعة، وقد تصل تونس إلى لحظة التعادل الديمغرافي – أي تساوي عدد المواليد مع عدد الوفيات – في أفق سنة 2027، مع هامش زمني ضيّق صعودًا أو نزولًا.
زواج متأخر… وإنجاب أقل
من أبرز أسباب هذا التحوّل الديمغرافي الارتفاع اللافت في سنّ الزواج الأول. فحسب معطيات تعداد 2024، بلغ متوسط سنّ الزواج 35.3 سنة لدى الرجال و28.9 سنة لدى النساء، مع اتساع فئة غير المتزوجين حتى في الأعمار القريبة من نهاية المسار الإنجابي.
هذا التأخّر لا يعني فقط إنجابًا أقل، بل يغيّر كليًا نمط تكوين الأسرة ويقلّص سنوات الخصوبة الفعلية، حتى داخل الزواج.
الطلاق… مؤشر إضافي على الهشاشة
في موازاة ذلك، تسجّل تونس ارتفاعًا ملحوظًا في حالات الطلاق. فقد تم تسجيل أكثر من 16 ألف حالة طلاق سنة 2023 مقابل حوالي 73 ألف عقد زواج، أي ما يقارب 22 حالة طلاق لكل 100 زواج.
ورغم أن هذه الأرقام لا تعني أن كل زواج ينتهي بالطلاق، إلا أنها تعكس هشاشة متزايدة في الروابط الأسرية، وتؤكد أن الأسرة التونسية تعيش تحوّلات عميقة.
الاقتصاد في قلب الأزمة
لا يمكن فصل هذه الظواهر عن الواقع الاقتصادي. بطالة الشباب المرتفعة، غلاء السكن، ضعف الاستقرار المهني، وتراجع القدرة الشرائية، جعلت من الزواج مشروعًا مؤجّلًا أو محفوفًا بالمخاطر.
في ظل هذا السياق، لم يعد تأخير الزواج أو العزوف عنه خيارًا ثقافيًا فقط، بل نتيجة مباشرة لضغوط اقتصادية واجتماعية خانقة.
لماذا يُعدّ هذا خطرًا حقيقيًا؟
اجتماع خصوبة ضعيفة، زواج متأخر، وطلاق متصاعد، ينذر بجملة من التداعيات:
-
تسارع شيخوخة السكان.
-
تقلّص مستقبلي في حجم اليد العاملة.
-
ضغط متزايد على أنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية.
-
هشاشة أكبر داخل النسيج الأسري وشبكات التضامن.
في مجتمع تقوم فيه الأسرة بدور محوري في الاستقرار الاجتماعي، فإن هذا التحوّل لا يمكن اعتباره مسألة ثانوية أو مؤجلة.
الخلاصة
تونس اليوم أمام منعطف ديمغرافي حاسم. المؤشرات واضحة، والأرقام لا تحتمل التأويل. وإذا لم تتحوّل هذه المعطيات إلى أولوية وطنية تُترجم إلى سياسات فعلية لدعم الشباب، وتيسير الزواج، والتخفيف من كلفة العيش، وحماية الأسرة، فإن كلفة التأخير ستكون باهظة على المدى المتوسط والبعيد.
ناقوس الخطر دُقّ… والسؤال المطروح الآن: هل من يسمع؟
لطفي برق الليل




