من بنزرت إلى بن قردان: هل يدخل القطار فائق السرعة تونس عصر النقل الجديد؟

عاد مشروع القطار فائق السرعة إلى واجهة الأحداث بقوة، بعد أن تصدّر جدول أعمال مجلس وزاري مضيّق بإشراف رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، مع تأكيد رسمي على ضرورة التسريع في إنجازه.
المشروع، المبرمج ضمن مخطط التنمية 2026-2030، لا يُطرح فقط كخطّ حديدي جديد… بل كتحوّل استراتيجي قد يعيد رسم خريطة التنقّل والاقتصاد في البلاد.
ربط الشمال بالجنوب: تونس على سكة واحدة
الفكرة طموحة: شبكة حديثة عالية الأداء تربط تونس من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، من بنزرت إلى بن قردان، مروراً بعدد من المدن الكبرى والتجمعات السكنية.
الرهان هنا لا يتعلّق فقط بسرعة القطارات، بل بفكّ العزلة عن مناطق طالما اشتكت من ضعف الربط، وتعزيز التماسك الإقليمي عبر تقليص الفوارق في البنية التحتية بين الجهات.
ميناء جرجيس في قلب المعادلة
من بين أبرز مكوّنات المشروع، الربط المباشر بـ ميناء جرجيس، بما يمنح الموانئ دوراً محورياً في دعم الصادرات والواردات.
هذا الربط لا يخدم فقط المسافرين، بل يفتح أفقاً جديداً أمام نقل البضائع، وتطوير الخدمات اللوجستية، وربط المناطق الصناعية ومراكز الشحن بشبكة حديثة قادرة على تسريع الدورة الاقتصادية.
تقليص الزمن… وجذب الاستثمار
السلطات تؤكد أن المشروع سيُحدث نقلة نوعية في زمن التنقّل بين المدن، وهو عنصر حاسم في جذب الاستثمارات. فكل دقيقة تُختصر على السكة، تعني كلفة أقل، وحركية أكبر، وفرص عمل جديدة.
كما يُنتظر أن يشكّل القطار فائق السرعة قاعدة لاندماج تونس في شبكات نقل أوسع، إقليمية وربما متوسطية، في حال توفّرت الشراكات والتمويلات اللازمة.
الكلفة… السؤال الذي لا يغيب
ورغم الحماس الرسمي، تبقى مسألة التمويل أبرز التحديات. التجارب المقارنة في المنطقة تضع الأمور في نصابها. ففي المغرب، بلغت كلفة أول خط للقطار فائق السرعة، الذي دخل حيّز الاستغلال سنة 2018، أكثر من ملياري يورو لربط طنجة بـ القنيطرة على مسافة 186 كيلومتراً.
وهو رقم يبرز حجم الاستثمارات المطلوبة، ويطرح أسئلة مشروعة حول مصادر التمويل، وجدول الإنجاز، والعائد الاقتصادي المنتظر.
بين الحلم والواقع…
مشروع القطار فائق السرعة ليس مجرد خبر عابر في بلاغ رسمي، بل ورقة كبرى في مستقبل البنية التحتية التونسية. بين الطموح المشروع والتحديات المالية، تبقى الكلمة الفصل لسرعة التنفيذ ووضوح الرؤية.
فهل تكون السنوات القادمة بداية دخول تونس فعلياً عصر القطارات السريعة؟ أم يبقى المشروع عنواناً كبيراً مؤجلاً على طاولة الخطط؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.




