اقتصاد

العربي بن بوهالي يحذر: عامان ضائعان بين وهم النمو وفخ الديون… ونداء عاجل إلى الرئيس قيس سعيد

في تدوينة نشرها على حسابه الرسمي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، قدّم الخبير الاقتصادي التونسي العربي بن بوهالي ما وصفه بـ”الدليل” على أن الاقتصاد التونسي يعيش حالة نمو وهمي قائم على التداين، محذرًا من استمرار السياسات الحالية التي تعمّق العجز وتؤجل الإصلاحات الضرورية.

بن بوهالي، الذي يؤكد أنه نبّه منذ عامين إلى مخاطر هذا المسار، يرى أن المؤشرات الكلية اليوم تثبت صحة تحذيراته، داعيًا السلطة التنفيذية إلى تحرك عاجل قبل أن تتفاقم الاختلالات بشكل يصعب تداركه.

وهم النمو: أرقام تبدو إيجابية… لكن الحقيقة مقلقة

يضع العربي بن بوهالي يده على جوهر الإشكال: نمو اقتصادي اسمي لا يترجم إلى تحسن حقيقي في الثروة الوطنية.

فحين يبلغ الدين العمومي نحو 85% من الناتج المحلي الإجمالي، يصبح النمو المسجل مجرد أرقام على الورق، إذ يذهب الجزء الأكبر منه إلى خدمة الدين الداخلي والخارجي. وخلال السنوات الخمس الماضية، وفق ما يشير إليه بن بوهالي، لم يتحول النمو إلى استثمار منتج أو خلق قيمة مضافة، بل استُهلك في تسديد التزامات مالية متراكمة.

ويقدم مثالًا رقميًا واضحًا: إذا اقترضت الدولة لتغطية عجز ميزانية بنسبة 6% سنويًا، في مقابل نمو لا يتجاوز 2.5%، فإنها عمليًا تقترض 6 دنانير لتحصل على 2.5 دينار، وتراكم الفارق دينًا جديدًا عامًا بعد عام. في هذه الحالة، لا يمكن الحديث عن نمو حقيقي، بل عن حلقة مفرغة من الاقتراض.

تآكل الادخار وركود التشغيل: مؤشرات الإنهاك الاجتماعي

لا يتوقف تحليل العربي بن بوهالي عند مستوى المالية العمومية، بل يمتد إلى المؤشرات الاجتماعية.

فانخفاض معدل الادخار من 9% سنة 2020 إلى نحو 4.5% متوقع في 2025، يعكس – بحسبه – لجوء الأسر التونسية إلى استنزاف مدخراتها لمواجهة موجة تضخم مرتفعة وتراجع القدرة الشرائية. اقتصاد بلا ادخار كافٍ يعني اقتصادًا بلا استثمار مستقبلي.

أما البطالة، التي تستقر فوق عتبة 15%، فتمثل بدورها علامة إنذار حمراء. إذ يرى بن بوهالي أن خلق فرص العمل في القطاع الخاص يظل محدودًا، بينما يتجه التوظيف نحو القطاع العام، ما يضيف أعباء جديدة على كتلة الأجور ويفرض مزيدًا من الاقتراض لتمويلها.

تمويل العجز عبر البنك المركزي: خنق للقطاع الخاص

يحذر العربي بن بوهالي من اللجوء إلى التمويل الداخلي عبر البنك المركزي والنظام المصرفي لتغطية دعم الغذاء والطاقة وخدمة الدين. فحين تستحوذ الدولة على السيولة المتاحة، يتراجع الإقراض الموجه للقطاع الخاص، ما يضعف الاستثمار ويحد من نمو دخل الأسر.

هذه الحلقة، وفق تحليله، تُبقي التضخم مرتفعًا لفترة أطول، وتُعمّق الاختلال بين العرض والطلب، وتزيد من هشاشة النسيج الاقتصادي المنتج.

الضرائب المتصاعدة: ضغط إضافي على محرك الثروة

من بين النقاط التي شدد عليها العربي بن بوهالي، الارتفاع المتتالي في الضرائب. فقد جمعت الدولة زيادات ضريبية إضافية بنحو 7% في 2024 و8% في 2025. ويرى أن هذا التوجه، وإن كان يوفر موارد ظرفية، يضغط على القطاع الخاص الذي يمثل المصدر الأساسي لإنتاج الثروة وخلق فرص العمل.

اقتصاد يثقل كاهله بالضرائب في ظل ضعف النمو والاستثمار، هو اقتصاد مهدد بفقدان تنافسيته وتراجع جاذبيته.

مخاطر خارجية تلوح في الأفق

لا يغفل العربي بن بوهالي البعد الجيوسياسي، محذرًا من أن استمرار الحرب بين إيران وإسرائيل لفترة مطولة قد يدفع أسعار النفط إلى حدود 90 دولارًا للبرميل، ما سيؤدي إلى اتساع عجز الميزانية والعجز التجاري، وبالتالي زيادة الضغط على الدين العمومي.

في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، يصبح أي ارتفاع في الأسعار العالمية عاملاً مضاعفًا للأزمة الداخلية.

دعوة إلى خيار صندوق النقد الدولي وإصلاحات عاجلة

يذكّر العربي بن بوهالي بأنه اقترح على الرئيس قيس سعيد منذ العام الماضي ضرورة الانضمام إلى برنامج مع صندوق النقد الدولي كخيار لإعادة هيكلة المالية العمومية واستعادة الثقة. ويرى أن تأجيل هذا القرار لعامين أضاع وقتًا ثمينًا.

وفي ختام تدوينته، يوجه بن بوهالي دعوة صريحة إلى رئيس الجمهورية لتشكيل لجنة اقتصادية خاصة على وجه السرعة، تتولى إعداد خطة عاجلة لخفض الدين العمومي، تقليص النفقات، وإعادة صياغة منظومة دعم الغذاء والطاقة، بهدف إنقاذ الاقتصاد ابتداءً من 2026.

بين التحذير والمسؤولية

رسالة العربي بن بوهالي تتجاوز النقد إلى التحذير الاستراتيجي: لا يمكن بناء نمو مستدام على قاعدة الديون المتراكمة. الإصلاحات المؤلمة قد تكون اليوم أقل كلفة من الانزلاق نحو أزمة أعمق غدًا.

وفي ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تلتقط السلطة التنفيذية هذه الإشارات قبل فوات الأوان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى