عالمية

من جنيف إلى هـ/ـرمز: كيف تحوّل التفاوض إلى غطاء، وتحولت الحرب إلى حبل مشنقة للاقتصاد العالمي

لم تبدأ هذه الحرب، في معناها السياسي الحقيقي، يوم سقطت الصواريخ على إيران، بل يوم بدا أن الدبلوماسية نفسها فقدت معناها. ففي 26 فبراير 2026 كانت جنيف تستضيف جولة تفاوض بين واشنطن وطهران بوساطة عُمانية، وتحدثت الوساطة عن تقدّم وأفكار “إيجابية وخلاقة”، لكن ذلك جرى فيما كانت المنطقة تعيش أصلًا على وقع حشد عسكري واسع واستعدادات لعمليات قد تمتد أسابيع. لهذا لم تُقرأ الحرب لاحقًا في طهران وحلفائها بوصفها “فشل مفاوضات”، بل بوصفها تفاوضًا جرى تحت ظل قرار عسكري كان يُحضَّر له مسبقًا. ومن هنا وُلدت سردية “الخديعة الكبرى”: لم تكن الطاولة السياسية بديلًا عن الحرب، بل بدت، في نظر كثيرين، مجرد ستار أخير قبل فتح النار.

ثم جاءت 28 فبراير لتُسقط هذا الوهم دفعة واحدة. قُتل علي خامنئي في الضربات الأولى، وارتفع مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة، بينما راهنت واشنطن وتل أبيب على أن قطع الرأس سيُحدث انهيارًا داخليًا سريعًا، أو على الأقل شللًا استراتيجيًا يجعل إيران عاجزة عن تحويل الضربة إلى حرب طويلة. لكن هذا الرهان لم يتحقق حتى الآن؛ فحتى التقديرات الاستخباراتية الأمريكية، كما نقلت رويترز، لا ترى أن النظام الإيراني يقف على حافة الانهيار الوشيك. وهنا انتهت فعليًا مرحلة “الضربة الخاطفة”، وبدأت مرحلة أخطر بكثير: حرب استنزاف تتجاوز الميدان العسكري إلى قلب الاقتصاد العالمي.

أدركت طهران سريعًا أن ميزان الجو لا يعمل لمصلحتها، فنقلت المعركة إلى المكان الذي تستطيع فيه أن تجعل خصومها والعالم كله يدفعون الثمن: مضيق هرمز. لم تعد القضية قضية صواريخ متبادلة فقط، بل قضية من يستطيع أن يحوّل الجغرافيا إلى أداة عقاب. ومع مرور الأيام، لم يعد السؤال: هل أُغلق هرمز رسميًا أم لا؟ بل: هل بقي قابلًا للعمل اقتصاديًا وتجاريًا؟ الجواب العملي هو أن المضيق دخل منطقة الاختناق الفعلي حتى قبل أي تلغيم شامل؛ الهجمات على السفن ارتفعت، التأمين الحربي قفز، التهديد الإيراني للملاحة صار علنيًا، وبدأت البحرية الأمريكية تتحدث عن إمكان مرافقة السفن في إطار ائتلاف دولي حين تسمح الظروف العسكرية.

وهذا ما يفسر لماذا قالت وكالة الطاقة الدولية إن العالم يواجه الآن أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ. فالوكالة تتوقع أن ينخفض المعروض العالمي في مارس بنحو 8 ملايين برميل يوميًا، أي ما يقترب من 8% من الطلب العالمي، واضطرت إلى الموافقة على سحب قياسي يبلغ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية لمحاولة احتواء الصدمة. لكن هذا السحب لا يحل المشكلة، بل يشتري وقتًا فقط؛ لأنه لا يعوّض شريانًا يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا إذا تحول إلى ممر خطر أو شبه معطل. العالم يستطيع أن يواجه نقصًا مؤقتًا في البراميل، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يواجه اختناقًا مستمرًا في الممر نفسه.

الأخطر أن الأزمة لم تعد أزمة مرور فقط، بل أزمة بنية تحتية مُطفأة. فالمصافي والمنشآت الكبرى في الخليج لم تعد تعمل كلها على نحو طبيعي: تعطلَت مرافق تكرير، وتوقفت منشآت غاز، وأعلنت أطراف رئيسية القوة القاهرة، بينما تحدثت رويترز عن توقف نحو 2.35 مليون برميل يوميًا من طاقة التكرير، وعن أن استعادة بعض منشآت الغاز القطرية قدرتها الكاملة قد تستغرق أسابيع، وربما أشهرًا حتى لو توقفت الحرب غدًا. هنا يصبح الاقتصاد العالمي رهينة لشيء أعمق من سعر برميل النفط: زمن إعادة التشغيل. فالمصفاة ليست مصباحًا يُطفأ ويُشعل، بل منظومة تحتاج إلى وقت وفحص وأمان واستقرار في الإمداد والموانئ والنقل. ولهذا فإن الكارثة الاقتصادية لا تنتهي بالضرورة حين يسكت القصف؛ قد تبدأ مرحلتها الأطول بعده.

وفي الخليج تحديدًا، كشفت الحرب شيئًا كان كثيرون يتجاهلونه: أن المظلة الأمريكية ليست مظلة بلا ثمن. الوجود العسكري الأمريكي في الخليج لم يوجد تاريخيًا للدفاع عن إسرائيل وحدها؛ بل لحماية طرق الطاقة، واحتواء إيران، وتثبيت النفوذ الأمريكي، وطمأنة الأنظمة الخليجية. لكن الحرب الحالية أظهرت بوضوح أن هذا الوجود نفسه يمكن أن يحوّل العواصم الخليجية إلى خط أمامي للرد الإيراني. ولهذا لم تعد القواعد في نظر كثيرين مجرد ضمانة أمنية، بل صارت أيضًا مغناطيسًا للنار. ووفق ما نقلته رويترز عن مصادر خليجية، فإن غضبًا مكتومًا يتصاعد في المنطقة لأن دولًا لم تبدأ الحرب ولم تكن صاحبة قرارها أصبحت تدفع ثمنها عبر المطارات والموانئ والمنشآت النفطية والملاحة.

وليس الخليج وحده من يدفع. فالصين والهند وأوروبا تجد نفسها اليوم رهينة جغرافيا ليست جغرافيتها وقرار حرب ليس قرارها. الصين تتحرك بهدوء من يملك مخزونًا استراتيجيًا كبيرًا، لكنها لا تستطيع القبول بخنق طويل لممر تعتمد عليه في الطاقة والتصنيع، لذلك فتحت قنوات مع طهران للبحث عن عبور آمن لشحناتها. الهند هي الأضعف زمنيًا؛ لأنها أكثر هشاشة أمام اضطراب طويل في نفط الشرق الأوسط، وقد حذّر محللون نقلت عنهم رويترز من أنها بين أكبر الاقتصادات الآسيوية تعرضًا لأي تعطيل ممتد. أما أوروبا، فتكفيها ضربة غاز واحدة كي تستعيد كوابيس 2022 بصيغة أكثر تعقيدًا: الأسعار ارتفعت بقوة، والمخزونات تحت ضغط، والمفوضية الأوروبية باتت تخفف قواعد ترخيص واردات الغاز لتجنب تأخير الشحنات، فيما خفض معهد IfW الألماني توقع نمو ألمانيا إلى 0.8% ورفع توقع التضخم إلى 2.5% بسبب صدمة السلع والطاقة المرتبطة بالحرب.

لهذا فالمسألة لم تعد شرق أوسطية بالمعنى الضيق، بل تحولت إلى إعادة تسعير للعالم: النفط، الغاز، التأمين البحري، الشحن، التمويل، والغذاء. شركات الشحن الكبرى مثل Maersk وHapag-Lloyd علّقت أو أعادت توجيه بعض الخدمات بعيدًا عن المسارات المهددة، وبدأت السفن تدور حول رأس الرجاء الصالح بدل المرور الطبيعي عبر هرمز ثم باب المندب والسويس. وعندما ترتفع كلفة الشحن، ويتأخر زمن العبور، وتتعطل الجداول، لا تتضرر تجارة الطاقة فقط، بل تتضرر الصناعة نفسها: قطع الغيار، المواد الأولية، الأسمدة، الحبوب، السلع الاستهلاكية، وكل ما يقوم على مبدأ “الوصول في الوقت المناسب” داخل الاقتصاد العالمي. لهذا حذّرت الأمم المتحدة من أن الحرب لا تهدد الشرق الأوسط وحده، بل تُربك سلاسل الإمداد الإنسانية والتجارية عالميًا.

وفي إيران نفسها، لم تعد الكلفة مجرد كلفة عسكرية على القيادة والمنشآت، بل صارت كلفة بشرية وأخلاقية يصعب محوها من أي تسوية لاحقة. فإلى جانب مقتل القادة، دعت الأمم المتحدة إلى تحقيق في قصف مدرسة للبنات في ميناب، بينما كشفت تحقيقات رويترز أن الموقع كان ذا حضور واضح ومستمر وأن تحقيقًا عسكريًا أمريكيًا داخليًا رجّح مسؤولية أمريكية محتملة عن الضربة. كما تحققت منظمة الصحة العالمية من سلسلة هجمات على مرافق صحية داخل إيران، وذكرت الأمم المتحدة أن عدد النازحين داخليًا بلغ 3.2 ملايين. هذا لا يثبت تلقائيًا كل ادعاء قانوني، لكنه يكفي ليقول إن الحرب لم تعد تُقاس فقط بلغة “الردع” و”الأهداف العسكرية”، بل أيضًا بلغة المدنيين الذين دخلوا ثمن الحسابات الكبرى.

ثم هناك الجبهات التي قد تجعل الأزمة أسوأ بكثير مما هي عليه الآن. في لبنان، وسّعت إسرائيل حملتها إلى قلب بيروت بعد رشقات منسقة مع إيران، وسقط مئات القتلى ونزح مئات الآلاف، فيما توسعت أوامر الإخلاء في الجنوب. وفي اليمن، لم يدخل الحوثيون الحرب بكامل طاقتهم بعد، لكنهم يلوّحون بالاستعداد، والعالم يعرف من تجربته السابقة ماذا يعني ذلك لباب المندب والبحر الأحمر. وإذا اجتمع اختناق هرمز مع تعطيل باب المندب، فإن العالم لن يكون أمام أزمة نفط فقط، بل أمام خنق مزدوج للتجارة والطاقة والغذاء والنقل البحري، أي أمام نسخة معاصرة من صدمة عالمية مركبة لا تصيب الأسواق وحدها، بل تصيب الإيقاع اليومي للصناعة والتوريد والتضخم والسياسة النقدية في آنٍ واحد.

هنا تظهر الحقيقة التي حاول كثيرون الهروب منها: الولايات المتحدة وإسرائيل استطاعتا بدء الحرب، لكنهما لم تثبتا بعد أنهما قادرتان على إنهائها بشروطهما. وإيران استطاعت إفشال وهم السقوط السريع، لكنها لا تملك بدورها طريقًا نظيفًا إلى نصر حاسم. لذلك لم نعد أمام سؤال: من الأقوى عسكريًا؟ بل أمام سؤال أكثر قسوة: من يستطيع الاحتمال أكثر؟ من يستطيع أن يُبقي المصافي عاملة، والسفن مارة، والمخزونات كافية، والأسعار تحت السيطرة، والمجتمعات الصناعية من دون ذعر أو ركود أو تضخم متجدد؟ هذا هو الامتحان الحقيقي الآن، وهو امتحان لا تخوضه الجيوش وحدها، بل تخوضه أيضًا البنوك المركزية وشركات التأمين وسلاسل الإمداد والأنظمة السياسية نفسها.

لهذا، فإن وصف هذه الحرب بأنها مجرد مواجهة عسكرية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم يعد كافيًا. ما يجري هو شيء أشد خطورة: تحويل الجغرافيا إلى سلاح، والتفاوض إلى ذكرى، والاقتصاد العالمي إلى رهينة. جنيف لم تكن فقط آخر محاولة تفاوضية قبل الحرب، بل كانت آخر لحظة أمكن فيها للعالم أن يتظاهر بأن السياسة ما تزال تسبق النار. منذ ذلك الحين، صار هرمز هو اللغة التي يتكلم بها السوق، وصارت المصافي والموانئ والسفن والمخزونات هي التي تحدد إيقاع السياسة. والسؤال الذي يقترب كل يوم من مراكز القرار في العالم ليس: من سيرفع الراية أولًا؟ بل: متى يصل الاقتصاد العالمي إلى درجة من الألم تجعل استمرار الحرب أغلى من أي مكسب سياسي أو عسكري يُرجى منها؟

الطاقة فقط، بل تتضرر الصناعة نفسها: قطع الغيار، المواد الأولية، الأسمدة، الحبوب، السلع الاستهلاكية، وكل ما يقوم على مبدأ “الوصول في الوقت المناسب” داخل الاقتصاد العالمي. لهذا حذّرت الأمم المتحدة من أن الحرب لا تهدد الشرق الأوسط وحده، بل تُربك سلاسل الإمداد الإنسانية والتجارية عالميًا.
وفي إيران نفسها، لم تعد الكلفة مجرد كلفة عسكرية على القيادة والمنشآت، بل صارت كلفة بشرية وأخلاقية يصعب محوها من أي تسوية لاحقة. فإلى جانب مقتل القادة، دعت الأمم المتحدة إلى تحقيق في قصف مدرسة للبنات في ميناب، بينما كشفت تحقيقات رويترز أن الموقع كان ذا حضور واضح ومستمر وأن تحقيقًا عسكريًا أمريكيًا داخليًا رجّح مسؤولية أمريكية محتملة عن الضربة. كما تحققت منظمة الصحة العالمية من سلسلة هجمات على مرافق صحية داخل إيران، وذكرت الأمم المتحدة أن عدد النازحين داخليًا بلغ 3.2 ملايين. هذا لا يثبت تلقائيًا كل ادعاء قانوني، لكنه يكفي ليقول إن الحرب لم تعد تُقاس فقط بلغة “الردع” و”الأهداف العسكرية”، بل أيضًا بلغة المدنيين الذين دخلوا ثمن الحسابات الكبرى.

ثم هناك الجبهات التي قد تجعل الأزمة أسوأ بكثير مما هي عليه الآن. في لبنان، وسّعت إسرائيل حملتها إلى قلب بيروت بعد رشقات منسقة مع إيران، وسقط مئات القتلى ونزح مئات الآلاف، فيما توسعت أوامر الإخلاء في الجنوب. وفي اليمن، لم يدخل الحوثيون الحرب بكامل طاقتهم بعد، لكنهم يلوّحون بالاستعداد، والعالم يعرف من تجربته السابقة ماذا يعني ذلك لباب المندب والبحر الأحمر. وإذا اجتمع اختناق هرمز مع تعطيل باب المندب، فإن العالم لن يكون أمام أزمة نفط فقط، بل أمام خنق مزدوج للتجارة والطاقة والغذاء والنقل البحري، أي أمام نسخة معاصرة من صدمة عالمية مركبة لا تصيب الأسواق وحدها، بل تصيب الإيقاع اليومي للصناعة والتوريد والتضخم والسياسة النقدية في آنٍ واحد.

هنا تظهر الحقيقة التي حاول كثيرون الهروب منها: الولايات المتحدة وإسرائيل استطاعتا بدء الحرب، لكنهما لم تثبتا بعد أنهما قادرتان على إنهائها بشروطهما. وإيران استطاعت إفشال وهم السقوط السريع، لكنها لا تملك بدورها طريقًا نظيفًا إلى نصر حاسم. لذلك لم نعد أمام سؤال: من الأقوى عسكريًا؟ بل أمام سؤال أكثر قسوة: من يستطيع الاحتمال أكثر؟ من يستطيع أن يُبقي المصافي عاملة، والسفن مارة، والمخزونات كافية، والأسعار تحت السيطرة، والمجتمعات الصناعية من دون ذعر أو ركود أو تضخم متجدد؟ هذا هو الامتحان الحقيقي الآن، وهو امتحان لا تخوضه الجيوش وحدها، بل تخوضه أيضًا البنوك المركزية وشركات التأمين وسلاسل الإمداد والأنظمة السياسية نفسها.

لهذا، فإن وصف هذه الحرب بأنها مجرد مواجهة عسكرية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم يعد كافيًا. ما يجري هو شيء أشد خطورة: تحويل الجغرافيا إلى سلاح، والتفاوض إلى ذكرى، والاقتصاد العالمي إلى رهينة. جنيف لم تكن فقط آخر محاولة تفاوضية قبل الحرب، بل كانت آخر لحظة أمكن فيها للعالم أن يتظاهر بأن السياسة ما تزال تسبق النار. منذ ذلك الحين، صار هرمز هو اللغة التي يتكلم بها السوق، وصارت المصافي والموانئ والسفن والمخزونات هي التي تحدد إيقاع السياسة. والسؤال الذي يقترب كل يوم من مراكز القرار في العالم ليس: من سيرفع الراية أولًا؟ بل: متى يصل الاقتصاد العالمي إلى درجة من الألم تجعل استمرار الحرب أغلى من أي مكسب سياسي أو عسكري يُرجى منها؟

 

لطفي برق الليل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى