كريم أحراس يطرح السؤال الجريء: هل حان الوقت لنقول وداعًا لمطار تونس قرطاج؟

في وقتٍ تتسارع فيه التحولات التكنولوجية وتعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي، يطرح المختص في الذكاء الاصطناعي كريم أحراس تساؤلًا عميقًا يمسّ جوهر طريقة تفكيرنا في مشاريع البنية التحتية: هل ما زلنا نبني المستقبل بعقلية الماضي؟
هذا السؤال يبرز بوضوح عند الحديث عن مطار تونس قرطاج، أحد أهم المرافق الاستراتيجية في البلاد، والذي أصبح في نظر العديد من الخبراء مثالًا صارخًا على معضلة التخطيط التقليدي. فبدل التفكير في نموذج جديد يستجيب لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، ما تزال الجهود تُوجَّه نحو إصلاح وتوسيع منشأة بُنيت أصلًا في سياق يعود إلى سنة 1970.
بالنسبة لكريم أحراس، المشكلة ليست في المطار نفسه، بل في طريقة التفكير التي تحكم القرارات المتعلقة به. فالعالم الذي بُني فيه هذا المطار قبل أكثر من نصف قرن لم يعد موجودًا اليوم، لا من حيث حجم حركة السفر، ولا من حيث تطور المدن، ولا من حيث شبكات النقل المتكاملة التي أصبحت العمود الفقري لأي مطار حديث.
مطار من زمن آخر في مدينة تغيّرت ملامحها
عندما تم بناء مطار تونس قرطاج في سبعينيات القرن الماضي، كانت العاصمة التونسية مختلفة تمامًا عما هي عليه اليوم. فقد كانت المدينة أصغر حجمًا، وحركة النقل أقل تعقيدًا، كما أن مفهوم التخطيط الحضري لم يكن يعتمد على الترابط الكبير بين المطار وشبكات النقل المختلفة.
لكن بعد عقود من التوسع العمراني والسكاني، أصبح المطار محاطًا بمدينة تضج بالحياة، وازدادت الضغوط على الطرقات والبنية التحتية المحيطة به. ورغم ذلك، ما تزال الحلول المطروحة تدور في نفس الدائرة: إصلاح المطار وتوسيعه في نفس المكان وبنفس المنطق.
ويرى كريم أحراس أن هذا النهج يعكس نوعًا من التردد في مواجهة الواقع. فالسؤال الحقيقي الذي يجب طرحه اليوم ليس كيف نُصلح مطارًا قديمًا، بل ما إذا كان موقعه الحالي ما زال مناسبًا أصلًا لمطار دولي يخدم بلدا يسعى إلى تطوير اقتصاده السياحي والتجاري.
عندما تتغير طرق التفكير تتغير نتائج الدول
في هذا السياق، يدعو كريم أحراس إلى النظر بتمعن إلى تجارب دول أخرى استطاعت أن تغيّر مسارها عبر إعادة التفكير في مشاريعها الكبرى. ومن أبرز هذه النماذج التجربة التركية.
فتركيا، التي كانت في مرحلة من المراحل تنافس تونس في قطاعات مثل النسيج والسياحة، نجحت في تحقيق قفزة نوعية بفضل مشاريع بنية تحتية ضخمة ورؤية تخطيطية جديدة. والمفارقة التي يشير إليها أحراس أن الأتراك تعلموا في بداياتهم الكثير من التجربة التونسية في السياحة، لكنهم لاحقًا طوروا نموذجًا مختلفًا مكّنهم من تحقيق تقدم كبير.
هذا التحول لم يكن نتيجة الموارد فقط، بل نتيجة تغيير جذري في طريقة التفكير والتخطيط، حيث أصبحت المشاريع تُبنى وفق رؤية طويلة المدى تعتمد على التكامل بين النقل والاقتصاد والتكنولوجيا.
فكرة قد تبدو جريئة… لكنها تستحق التفكير
انطلاقًا من هذا التحليل، يطرح كريم أحراس فكرة قد تبدو للبعض جريئة، لكنها في نظره منطقية إذا ما نظرنا إلى المستقبل بعين مختلفة: ربما يكون الحل الأفضل هو بناء مطار جديد في موقع آخر أكثر ملاءمة.
فالموقع الحالي لمطار قرطاج أصبح جزءًا من النسيج الحضري للعاصمة، وربما يكون من الأفضل تحويل تلك المساحة الواسعة إلى مناطق خضراء أو مشاريع حضرية حديثة تخدم سكان المدينة وتحسن جودة الحياة فيها.
أما المطار الجديد، فيمكن أن يُبنى في موقع مدروس بعناية، بحيث يكون متصلًا بشبكات النقل السريع والسكك الحديدية والطرق السريعة، مما يخلق منظومة نقل متكاملة قادرة على مواكبة تطور حركة السفر والتجارة.
الذكاء الاصطناعي… مهندس المشاريع الكبرى في العصر الجديد
في عالم اليوم، لم يعد التخطيط للمشاريع الكبرى يعتمد فقط على الدراسات التقليدية. فكما يوضح كريم أحراس، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة أساسية لمحاكاة المستقبل.
من خلال تحليل البيانات الضخمة، يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاة آلاف السيناريوهات المختلفة، بدءًا من اختيار الموقع الأمثل للمطار، وصولًا إلى توقع حركة المسافرين، وتأثير المشروع على الاقتصاد والبيئة والمدينة.
هذه الأدوات تتيح للدول اليوم فرصة غير مسبوقة لاتخاذ قرارات مبنية على تحليل علمي دقيق، بدل الاعتماد فقط على التقديرات التقليدية. بل إن العديد من هذه الأدوات متاح اليوم بتكلفة منخفضة أو حتى مجانًا، ما يجعل استخدامها خطوة طبيعية لأي دولة تسعى إلى التخطيط بذكاء للمستقبل.
مشاريع القرن الجديد… منظومات ذكية لا مجرد مبانٍ
ويؤكد كريم أحراس أن القضية لا تتعلق بالمطارات وحدها. فالموانئ والمستشفيات والمدن والإدارات الحكومية جميعها يجب أن تتحول إلى منظومات ذكية تُدار بالبيانات والذكاء الاصطناعي.
فالعالم اليوم يعمل ضمن شبكة مترابطة من الأنظمة الرقمية والمنصات، حيث تصبح البيانات هي الوقود الحقيقي للتنمية. والدول التي تنجح في بناء هذه المنظومات ستكون الأقدر على المنافسة في الاقتصاد العالمي.
رسالة إلى صناع القرار: المستقبل يُصنع الآن
في ختام رؤيته، يوجه كريم أحراس رسالة واضحة إلى صناع القرار في تونس: نحن لم نعد في القرن العشرين. لقد دخل العالم عصرًا جديدًا تحكمه أدوات مختلفة تمامًا، وعلى الدول أن تتكيف بسرعة مع هذه التحولات.
فالشباب الذي نشأ في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ينتظر مشاريع تعكس طموحاته وتجعله يشعر بأن بلده يسير في الاتجاه الصحيح.
ويؤكد أحراس أن اللحظة الحالية حاسمة، لأن القرن الحادي والعشرين سيكون من نصيب الدول التي تتحرك بسرعة وتملك سيادتها التكنولوجية. أما الدول التي تكتفي بإصلاح نماذج الماضي، فقد تجد نفسها خارج سباق المستقبل.




