المخدرات في تونس: أرقام صادمة… والمقاربة الأمنية وحدها لا تنقذ جيلا كاملا

تدقّ آفة المخدرات ناقوس الخطر في تونس، بعد أن تجاوزت حدود الظاهرة المعزولة لتتحول إلى أزمة مجتمعية حقيقية تضرب العائلات، المدارس، والجامعات. وبين حملات أمنية مكثفة وأرقام مفزعة، يطرح سؤال بإلحاح: هل يكفي الردع وحده لإنقاذ شباب يتآكل بصمت؟
نصف مليون مدمن… الخطر يقترب من البيوت
الأرقام الرسمية لم تعد قابلة للتجاهل. تقديرات وزارة الصحة تشير إلى وجود ما بين 500 ألف و600 ألف مدمن في تونس، أغلبهم من الفئة العمرية بين 14 و39 سنة، أي في قلب الفئة المنتجة والمستقبلية للبلاد.
هذه المعطيات تعكس واقعا مقلقا، حيث لم تعد المخدرات حكرا على فئة محددة، بل تسللت إلى مختلف الأوساط، لتصبح تهديدا مباشرا للنسيج الاجتماعي.
حملات أمنية قوية… لكن المعركة لم تُحسم
على الميدان، تكثّف الوحدات الأمنية عملياتها لمكافحة الترويج، وقد أسفرت حملات مشتركة بين عدة ولايات، خلال الفترة من 1 إلى 10 مارس 2026، عن حجز كميات هامة من المخدرات، شملت القنب الهندي، الكوكايين، الأقراص المخدرة وغيرها، إضافة إلى إيقاف عدد من المتورطين وحجز وسائل تستعمل في الترويج.
ورغم أهمية هذه النتائج، فإنها تمثل فقط جزءا من معركة معقدة، تتجاوز الجانب الأمني إلى أبعاد أعمق.
المختصون يحذرون: الردع لا يكفي
في قراءة للواقع، يؤكد المختص في علم الاجتماع سنيم بن عبد الله أن المقاربة الأمنية تبقى ضرورية، لكنها غير كافية لوحدها. فمقاومة هذه الظاهرة، وفق رأيه، تستوجب رؤية شاملة تقوم على الوقاية والتوعية، خاصة داخل المؤسسات التربوية والجامعية.
ويشدد على أن الإدمان ليس مجرد سلوك منحرف، بل هو في كثير من الأحيان نتيجة هشاشة نفسية واجتماعية، ما يفرض توفير مرافقة متكاملة تشمل الفرد والأسرة على حدّ سواء.
العلاج وإعادة الإدماج… الحلقة الأضعف
من بين أبرز التحديات، ضعف البنية التحتية الخاصة بعلاج الإدمان، وهو ما يعيق مسار التعافي لدى العديد من المدمنين. فالقرب من مراكز العلاج والمتابعة المستمرة عاملان حاسمان في نجاح عملية الإقلاع.
كما أن مرحلة ما بعد العلاج تظل دقيقة، إذ يحتاج المتعافي إلى دعم نفسي واجتماعي متواصل لتفادي الانتكاسة، خاصة عند العودة إلى نفس المحيط.
خطوات جديدة… لكنها تحتاج إلى تسريع
في المقابل، تعمل وزارة الصحة على تعميم عيادات علاج الإدمان بمختلف الجهات، مع هدف توفير مركز أو مركزين على الأقل بكل ولاية بحلول نهاية 2026.
كما تم إطلاق منصة رقمية وطنية تجمع معطيات حول الإدمان، بهدف تحسين المتابعة وفهم تطور الظاهرة.
وفي خطوة لافتة، تم مؤخرا تدشين مركز “الأمل” لعلاج الإدمان بجبل الوسط من ولاية زغوان، في إطار دعم البنية التحتية الصحية وتوسيع خدمات العلاج.
بين الردع والوقاية… المعركة الحقيقية تبدأ من هنا
اليوم، تبدو تونس أمام مفترق طرق حقيقي: إما الاكتفاء بالمقاربة الأمنية، أو الانخراط في سياسة شاملة تعالج جذور الظاهرة.
فالمخدرات لم تعد مجرد قضية أمنية، بل أصبحت اختبارا لقدرة الدولة والمجتمع على حماية جيل كامل… قبل فوات الأوان.


