الشاذلي العبدلي… عالم تونسي يقتحم نادي 0.06% عالميًا ويحوّل البحث العلمي إلى قوة تغيير

في مشهد عالمي يحتدم فيه التنافس العلمي، يسطع اسم البروفيسور الشاذلي العبدلي كواحد من أبرز العقول التونسية التي نجحت في كسر الحدود وفرض حضورها ضمن الصفوة الأولى عالميًا، بعد تصنيفه ضمن أفضل 0.06% من الباحثين في العالم وفق منصة ScholarGPS. هذا الإنجاز ليس مجرد رقم يُضاف إلى سيرة ذاتية، بل هو قصة مسار طويل من العمل المتواصل، والتراكم المعرفي، والإيمان العميق بأن البحث العلمي يمكن أن يكون رافعة حقيقية للأمم.
من تونس إلى العالمية: حين تتحول الأرقام إلى شهادة تفوق
يوضح الشاذلي العبدلي أن هذا التصنيف لا يُقاس بمنطق بسيط، بل هو نتيجة منظومة تقييم دقيقة تعتمد على الإنتاج العلمي، جودة النشر، وتأثير الأبحاث في المجتمع العلمي الدولي. فحين يُصنّف الباحث ضمن 0.06%، فهذا يعني أنه يوجد ضمن أفضل 6 باحثين فقط من بين كل 10 آلاف باحث، وهو ما يضعه في دائرة “نخبة النخبة” دون مبالغة.
هذا التموقع المتقدم لم يأتِ من فراغ؛ فقد راكم العبدلي مئات الأبحاث المنشورة في مجلات علمية محكّمة، مع حضور قوي في مجلات ذات قيمة علمية عالية، إلى جانب تأثير واسع لأعماله، تُرجم في عشرات الآلاف من الاستشهادات العلمية. وهذه المؤشرات الثلاثة—الكم، الجودة، التأثير—هي ما يصنع الفارق بين باحث عادي وباحث عالمي.
إنجاز فردي… بروح جماعية
رغم الطابع الشخصي لهذا التتويج، يصرّ الشاذلي العبدلي على ربط نجاحه بالمحيط الذي نشأ فيه، مؤكدًا أنه “نتاج تونسي خالص”، من المدرسة إلى الجامعة. هذا التصريح ليس مجرد تواضع، بل هو تأكيد على أن المنظومة التعليمية التونسية، رغم التحديات، قادرة على تكوين كفاءات تنافس عالميًا.
ويشير العبدلي إلى أن وجود باحثين تونسيين في مثل هذه التصنيفات يفتح آفاقًا واسعة أمام البلاد، سواء من حيث تحسين ترتيب الجامعات، أو تعزيز فرص التعاون الدولي، أو استقطاب المشاريع البحثية المشتركة. فالعالم اليوم لا يعترف إلا بالكفاءة، والتصنيفات العالمية أصبحت لغة مشتركة لتحديد الشركاء في البحث والتطوير.
بداية القصة: فضول علمي انطلق من الطبيعة
ما يميّز مسيرة الشاذلي العبدلي هو أن انطلاقتها لم تكن من تعقيد المختبرات، بل من بساطة الملاحظة في الطبيعة. فقد لاحظ وجود نباتات قادرة على العيش في بيئات شديدة الملوحة، إلى جانب نباتات أخرى تبدو ضعيفة، لكنها تنمو في نفس المحيط. هذا التناقض الظاهري أثار فضوله العلمي، ودفعه إلى البحث والتجريب.
ومن خلال دراساته، توصّل إلى أن بعض النباتات الملحية لا تكتفي بالتأقلم، بل تلعب دورًا بيئيًا مهمًا عبر امتصاص الملوحة من التربة، مما يخلق ظروفًا مناسبة لنمو نباتات أخرى. هذه الفكرة البسيطة تحولت إلى مشروع بحثي متكامل، فتح آفاقًا جديدة في فهم العلاقة بين النباتات والبيئة.
من البحث إلى التطبيق: العلم في خدمة الاقتصاد
لا ينظر الشاذلي العبدلي إلى البحث العلمي كغاية في حد ذاته، بل كوسيلة لحل مشكلات واقعية. لذلك، ركّزت أعماله على تحويل النتائج المخبرية إلى تطبيقات عملية، خاصة في مجال الزراعة والبيئة.
في ظل التغيرات المناخية وندرة الموارد المائية، تبرز أهمية أبحاثه حول النباتات المقاومة للملوحة، التي يمكن أن تُستخدم لتحسين إنتاجية الأراضي المتدهورة. بل أكثر من ذلك، يطرح العبدلي رؤية تقوم على تحويل الأراضي المهمّشة إلى منظومات إنتاجية متكاملة، من خلال زراعة أنواع نباتية قادرة على إنتاج مواد ذات قيمة اقتصادية، مثل الزيوت النباتية التي قد تنافس في خصائصها منتجات تقليدية.
هذه المقاربة تعكس تحولًا في الفكر العلمي من مجرد التشخيص إلى الابتكار والتثمين الاقتصادي، وهو ما تسعى إليه اليوم السياسات البحثية الحديثة.
البحث العلمي في تونس: من التكوين إلى التثمين
من موقعه كمدير عام للوكالة الوطنية للنهوض بالبحث العلمي، يقدّم الشاذلي العبدلي رؤية واضحة لتطوير القطاع، تقوم على الانتقال من مرحلة تكوين الباحثين إلى مرحلة استثمار نتائج البحث.
ويؤكد أن التحدي اليوم لا يكمن في إنتاج المعرفة فقط، بل في نقلها إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي، من خلال دعم المشاريع التطبيقية، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والمؤسسات، وتشجيع الابتكار لدى الشباب. كما يبرز دور البرامج الوطنية والدولية في تمويل المشاريع البيئية والتكنولوجية، وخلق ديناميكية جديدة داخل المنظومة البحثية.
سر النجاح: العمل… والعمل… ثم العمل
بعيدًا عن أي خطاب مثالي، يختصر الشاذلي العبدلي تجربته في كلمة واحدة: العمل. فلا وجود لوصفة سحرية، ولا طريق مختصر نحو التميز. النجاح، كما يراه، هو نتيجة جهد متواصل، واطلاع دائم على أحدث الأبحاث، وانخراط فعلي في شبكات علمية دولية.
كما يشدد على أهمية العمل الجماعي، معتبرًا أن الباحث لا يمكن أن ينجح بمفرده، بل ضمن فرق بحثية متكاملة تتبادل المعرفة وتدفع حدود الاكتشاف.
رسالة أمل إلى الشباب: الطريق مفتوح
في رسالة تحمل الكثير من الواقعية والأمل، يؤكد الشاذلي العبدلي أن الشباب التونسي قادر على الوصول إلى أعلى المستويات، رغم كل الصعوبات. فالإمكانيات، وإن كانت محدودة أحيانًا، لا تمنع من تحقيق التميز إذا توفّر الشغف والإصرار.
ويرى أن البحث العلمي ليس فقط مسارًا مهنيًا، بل هو خيار استراتيجي لبناء مستقبل البلاد، من خلال الإسهام في حل مشكلاتها الاقتصادية والبيئية، وخلق قيمة مضافة حقيقية.
بهذا الإنجاز، يرسّخ الشاذلي العبدلي مكانته كأحد أبرز رموز العلم في تونس، ويقدّم نموذجًا حيًا لما يمكن أن يحققه الإيمان بالمعرفة. إنها قصة عالم لم يكتفِ بالوصول إلى القمة، بل اختار أن يجعل من العلم جسرًا يربط تونس بالعالم… ويعيد رسم صورتها كأرض للكفاءات والابتكار.


