وطنية

بين الكاش والرقمنة: أنيس الوهابي يفكك معادلة “الديكاشينغ” في تونس

من 23 إلى 27 مليار دينار… أرقام تُقلق وخيارات تُربك

في وقت يتجه فيه العالم نحو تقليص التعامل النقدي وتسريع التحول الرقمي، تبدو تونس وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس. أرقام تداول “الكاش” لم تعد مجرد مؤشرات مالية عادية، بل تحولت إلى جرس إنذار حقيقي. فقد ارتفعت الكتلة النقدية المتداولة خارج الأطر البنكية إلى حدود 27 مليار دينار، بعد أن كانت في حدود 23 مليار فقط قبل سنوات قليلة.

غير أن الخبير المحاسب أنيس الوهابي يرفض المقاربات التبسيطية التي تضع تونس في خانة “الاستثناء الخطير”، موضحاً أن نسبة الكاش إلى الناتج الداخلي الخام في تونس، رغم ارتفاعها، تظل في حدود 15%، وهي أقل من دول مثل المغرب (30%) والأردن (23%)، وقريبة من المعدلات الإقليمية. لكن الإشكال الحقيقي، وفق الوهابي، لا يكمن في الرقم بحد ذاته، بل في “النسق التصاعدي المقلق” الذي يعكس تحولات عميقة في سلوك الأفراد والمؤسسات.

أنيس الوهابي: قانون الشيكات… الشرارة التي أعادت الكاش إلى الواجهة

يضع أنيس الوهابي إصبعه على أحد أبرز التحولات المفصلية، وهو التغيير الذي طرأ على قانون الشيكات في 2024. قبل هذا القانون، كانت الشيكات تمثل نحو 54% من وسائل التداول في تونس، ما جعلها الأداة الأكثر استخداماً في المعاملات.

لكن بعد التعديلات، تراجعت هذه النسبة بشكل حاد إلى حدود 8% فقط، دون أن تُوفر بدائل جاهزة وفعالة. النتيجة؟ فراغ في وسائل الدفع سرعان ما ملأه الكاش.

يشرح الوهابي هذه المفارقة بوضوح: “لا يمكن أن تسحب أداة أساسية من السوق دون أن تضع مكانها أدوات أخرى جاهزة وموثوقة”. ويضيف أن الدولة “تحدثت عن الديكاشينغ كفكرة، لكنها لم تترجمها إلى خطة عمل حقيقية”.

ديكاشينغ بلا بدائل: كيف فشلت الاستراتيجية قبل أن تبدأ؟

يرى أنيس الوهابي أن الخطأ الجوهري في مقاربة “الديكاشينغ” في تونس هو غياب الرؤية الشاملة. فبدل اعتماد سياسة متكاملة تقوم على التدرج والتحفيز، تم التركيز أساساً على الجانب الردعي.

ففي الوقت الذي تم فيه تقييد استخدام الشيكات وفرض عقوبات على التعامل النقدي، لم يتم الاستثمار بشكل كافٍ في تطوير وسائل الدفع الإلكتروني. لا تزال بطاقات الدفع مكلفة مقارنة بالقدرة الشرائية، ونسبة كبيرة من التونسيين الذين يمتلكون حسابات بنكية لا يستعملون بطاقاتهم إلا لسحب الأموال، لا للدفع.

الأكثر من ذلك، يشير الوهابي إلى غياب أدوات أساسية مثل المحافظ الإلكترونية (E-wallets) وخدمات الدفع عبر الهاتف المحمول، متسائلاً: “أين الموبايل بانكينغ في تونس؟ ولماذا ما زلنا متأخرين في هذا المجال رغم توفر الكفاءات؟”.

الرقمنة في تونس: بين “النُمذجة” وغياب التحول الحقيقي

في تحليله العميق، يميز أنيس الوهابي بين ثلاثة مستويات من الرقمنة:

  • النُمذجة (Numérisation): أي تحويل الوثائق الورقية إلى نسخ رقمية.

  • رقمنة الخدمات (Digitalisation): مثل حجز المواعيد أو التسجيل عن بعد.

  • التحول الرقمي (Transformation digitale): وهو إعادة تصميم المنظومة بالكامل.

ويؤكد أن تونس لا تزال عالقة بين المرحلتين الأولى والثانية، دون أن تحقق القفزة النوعية نحو التحول الرقمي الحقيقي. “نحن نملأ استمارات على الإنترنت… ثم نطبعها ونذهب بها إلى الإدارة”، يقول الوهابي بسخرية لاذعة، معتبراً أن هذا النموذج لا يمكن أن يحقق أي نقلة نوعية.

سياسة “العصا” دون “الجزرة”: لماذا لا يستجيب التونسي؟

من أبرز النقاط التي شدد عليها أنيس الوهابي هي غياب الحوافز في السياسات العمومية. فالدولة، وفق تعبيره، اعتمدت بشكل شبه كلي على “العصا” (العقوبات)، دون تقديم “الجزرة” (الامتيازات).

تم فرض غرامات على التعامل بالكاش، وتشديد الرقابة الجبائية، لكن في المقابل لم يتم تقديم مزايا حقيقية لمستخدمي وسائل الدفع الإلكترونية، مثل تخفيضات ضريبية أو تسهيلات إجرائية.

ويؤكد الوهابي أن “العقاب وحده لا يغير السلوك”، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وهو ما حصل فعلاً مع عودة قوية للكاش، بل وحتى تفكيك بعض الإجراءات السابقة التي كانت تحد من تداوله.

الخوف من الجباية أم غياب المصلحة؟

رغم الاعتقاد السائد بأن التونسي يفضل الكاش هروباً من الضرائب، يقدم أنيس الوهابي قراءة أكثر تعقيداً. فهو لا ينفي وجود هذا العامل، لكنه يعتبر أن السبب الأعمق هو غياب “المصلحة” في الانخراط في الاقتصاد المنظم.

يقول الوهابي بوضوح: “المشكل ليس فقدان الثقة فقط، بل غياب الحافز”. فالتعامل في السوق الرسمية مكلف، مع إجراءات معقدة وضغط جبائي مرتفع، في حين يوفر الكاش مرونة وسهولة، رغم مخاطره.

الاقتصاد الموازي… المستفيد الأكبر

في ظل هذه المعطيات، يواصل الاقتصاد الموازي توسعه، حيث يقدر حجمه بحوالي 35% من الاقتصاد الوطني، مع مخاطر حقيقية بمزيد التوسع. هذا الوضع لا يؤثر فقط على موارد الدولة، بل يخلق أيضاً منافسة غير عادلة ويضعف فعالية السياسات الاقتصادية.

أنيس الوهابي: الحل ليس في محاربة الكاش… بل في جعل “الفورمال” مغرياً

في ختام تحليله، يطرح أنيس الوهابي رؤية بديلة تقوم على مبدأ بسيط: لا يمكن القضاء على الكاش بالقوة، بل يجب جعل البدائل أكثر جاذبية.

يدعو الوهابي إلى:

  • تطوير حقيقي لمنظومة الدفع الإلكتروني والـFinTech

  • تخفيض كلفة الخدمات البنكية

  • تقديم حوافز ضريبية للمؤسسات والأفراد

  • إدماج جميع الفاعلين الاقتصاديين في الاستراتيجية

  • تحرير السوق أمام الابتكار والشركات الناشئة

ويختزل الفكرة في عبارة لافتة: “يجب أن يصبح الانتماء إلى الاقتصاد الرسمي خياراً مربحاً، لا عبئاً”.

الثقة… كلمة السر التي لا يمكن تجاهلها

رغم تركيزه على مفهوم “المصلحة”، لا ينكر أنيس الوهابي أن الثقة تظل عاملاً حاسماً. الثقة في المنظومة البنكية، في الإدارة، وفي السياسات العمومية.

فبدون هذه الثقة، لن تنجح أي استراتيجية، مهما كانت متقدمة تقنياً. وبين الكاش والرقمنة، يبدو أن تونس لا تحتاج فقط إلى إصلاحات تقنية، بل إلى إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن.

في النهاية، لا يطرح الوهابي مجرد تشخيص، بل يوجه رسالة واضحة:
الديكاشينغ ليس شعاراً… بل منظومة متكاملة تبدأ من الإنسان قبل التكنولوجيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى