العاملات الفلاحيات في تونس: حين تُزرع الأرض بالتعب… وتُحصد الهشاشة بدل المال!
نساء في قلب الإنتاج… خارج دائرة الإنصاف

في الحقول التونسية، تقف آلاف النساء كل صباح على خطّ الإنتاج، يحرثن الأرض ويجمعن المحاصيل، لكن حضورهن القوي لا يعكس واقعًا منصفًا، بل يكشف عن واحدة من أكثر صور الهشاشة الاقتصادية عمقًا في البلاد.
فوفق معطيات منظمة الأغذية والزراعة، تمثل النساء نحو 34.7% من اليد العاملة الفلاحية الموسمية، ويساهمن بـ23.5% من إجمالي العمل الفلاحي، ورغم ذلك يشتغلن غالبًا دون عقود، وبأجور ضعيفة، وفي ظروف تفتقر لأبسط مقومات السلامة.
رحلة العمل… تبدأ بالخطر
قبل أن تبدأ ساعات العمل الطويلة في الحقول، تخوض العاملات رحلة يومية محفوفة بالمخاطر. شاحنات مكتظة، نقل عشوائي، وغياب شبه تام لشروط السلامة.
نجاة (32 سنة) تختصر هذا الواقع بمرارة:
“نركبوا واقفين في الكميونة… كل يوم نخاف، أما ما عناش خيار.”
هذه الرحلة ليست مجرد تنقل، بل خطر يومي موثّق بالأرقام:
منذ سنة 2015، سُجّل 88 حادث نقل لعاملات فلاحيات، خلّف 65 وفاة و983 جريحًا.
أجور هزيلة… وحياة على الحافة
داخل الحقول، تتواصل المعاناة. يوم عمل شاق لا يقابله أجر يكفي لتأمين الحد الأدنى من العيش.
حليمة (45 سنة) تقول:
“نخدم نهار كامل… وفي الآخر الأجرة ما تكفيش حتى للماكلة والدواء.”
الأمر لا يتعلق فقط بضعف الأجر، بل بانعدام الاستقرار: دخل يومي هش، بلا ضمانات، بلا أفق.
فجوة الأجور: عدم مساواة داخل نفس الحقل
رغم العمل جنبًا إلى جنب مع الرجال، تتقاضى النساء أجورًا أقل قد تصل فجوتها إلى 30%، وفق تقارير منظمة الأغذية والزراعة.
زينة (70 سنة) تلخّص هذا الظلم:
“خدمت عمري الكل… الرجال ياخذوا أكثر، واحنا أقل.”
هذا الفارق لا يعكس اختلافًا في الجهد، بل واقعًا متجذرًا من التمييز الاقتصادي.
حماية اجتماعية… شبه غائبة
ورغم سنوات من العمل، تظل الحماية الاجتماعية حلمًا بعيد المنال.
فحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة، فإن نسبة كبيرة من العاملات لا يتمتعن بالتغطية الصحية أو التقاعد، بسبب التعقيدات الإدارية وضعف الدخل.
وهذا يعني ببساطة:
عمل شاق اليوم… بلا أمان غدًا.
عبء مضاعف: عمل في الحقل… وآخر في البيت
لا تنتهي معاناة العاملات عند حدود الحقول.
فوفق بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تقضي النساء في تونس حوالي 21.9% من وقتهن في العمل غير المدفوع، مقابل 2.7% فقط للرجال.
أي أن العاملة الفلاحية تتحمل عبئًا مزدوجًا:
عمل مأجور شاق… يتبعه عمل منزلي لا يُحتسب.
قوانين موجودة… لكنها لا تصل إلى الجميع
رغم صدور القانون عدد 51 لسنة 2019 لتنظيم نقل العاملات الفلاحيات، وأوامر تطبيقية لاحقة، إضافة إلى مرسوم 2024 لإدماجهن في منظومة الحماية الاجتماعية، فإن الواقع لم يتغير جذريًا.
الحوادث ما تزال تتكرر، والهشاشة ما تزال القاعدة، فيما تبقى القوانين حبرًا على ورق في كثير من الأحيان.
قضية عدالة… لا مجرد أرقام
ما تكشفه هذه الأرقام والشهادات ليس مجرد وضع اقتصادي صعب، بل منظومة كاملة من الهشاشة:
- تشغيل غير منظم
- أجور ضعيفة
- غياب الحماية
- مخاطر يومية
في تونس، تزرع العاملات الفلاحيات الأرض كل يوم…
لكنهن لا يحصدن سوى التعب.
وبين تقارير المنظمات الدولية وصوت النساء في الحقول، تتأكد حقيقة واحدة:
الهشاشة ليست قدرًا… بل قضية عدالة مؤجلة، تنتظر قرارات تُعيد للعمل قيمته، وللعاملات كرامتهن.



