سيدي الحنّي… ورشة إحياء كبرى تقودها جمعية صيانة مدينة بنزرت نحو منارة تاريخية وسياحية متجدّدة

في قلب مدينة بنزرت، حيث يلتقي التاريخ بالبحر وتتشابك الذاكرة الروحية بالهوية البحرية، ينتصب معلم سيدي الحنّي شامخًا كأحد أبرز الشواهد على عمق المدينة الحضاري وتراكمها التاريخي عبر القرون. هذا الفضاء، الذي لم يكن يومًا مجرد مبنى أثري، بل كان نقطة تلاقٍ بين الإنسان والمكان والبحر، يدخل اليوم مرحلة مفصلية جديدة بفضل رؤية واضحة وجهود متواصلة تقودها جمعية صيانة مدينة بنزرت.
الجمعية، التي جعلت من صون التراث وحماية الذاكرة الحضرية مشروعًا دائمًا لا ظرفيًا، تخوض اليوم واحدة من أهم معاركها الثقافية: إعادة إحياء سيدي الحنّي وتحويله إلى منارة تاريخية وسياحية وأثرية تليق ببنزرت ومكانتها.
ترميم شامل: حين تُرمَّم الحجارة وتُستعاد الذاكرة
يشكّل مشروع الترميم الشامل للمعلم حجر الزاوية في هذا المسار الطموح. فالأشغال الجارية لا تقتصر على معالجة المظهر الخارجي، بل تعتمد مقاربة علمية دقيقة تحترم الخصوصيات المعمارية والأثرية للمكان.
ويشمل المشروع:
-
إزالة الكتل الخرسانية الدخيلة التي شوّهت المعلم في مراحل سابقة، وأثّرت على انسجامه التاريخي.
-
معالجة الحجارة الأصلية بأساليب ترميم متخصصة تضمن الحفاظ عليها وعلى طابعها الأثري.
-
ترميم الفجوات والتشققات التي خلّفها الزمن والعوامل الطبيعية، مع إعادة الاعتبار للفراغات المعمارية.
-
تحسين المحيط العام للمعلم بما يجعله فضاءً مهيأً للاستقبال والزيارة دون المساس بروحه الأصيلة.
هذا العمل لا يعيد للمعلم شكله فقط، بل يعيد له معناه، ويصالحه مع تاريخه، ويمنحه فرصة جديدة ليكون جزءًا فاعلًا من المشهد الثقافي للمدينة.
المتحف الأوقيانوسي: ذاكرة البحر تعود إلى الحياة
في عمق معلم سيدي الحنّي، ينبض مشروع آخر لا يقل أهمية: إعادة تأهيل المتحف الأوقيانوسي، أحد الفضاءات النادرة التي توثّق العلاقة العضوية بين بنزرت والبحر.
هذا المتحف، الذي طالما كان شاهدًا على تاريخ الملاحة والصيد والحياة البحرية، يُعاد اليوم تصوره ليصبح:
-
فضاءً معرفيًا حيًا ومفتوحًا للتلاميذ والطلبة والباحثين.
-
محطة ثقافية وسياحية تروي قصة بنزرت كمدينة بحرية بامتياز.
-
جسرًا بين الأجيال، ينقل الخبرات والتقاليد البحرية من الماضي إلى الحاضر.
بعودة هذا المتحف، تستعيد بنزرت جزءًا من ذاكرتها العميقة، ويتحوّل المعلم إلى مركز إشعاع ثقافي حقيقي.
مسار ثقافي يروي تاريخ تونس عبر أعلامها
ومن أبرز الإضافات النوعية التي تعمل عليها الجمعية، تهيئة مسار الحراسة القديم ليصبح مسارًا ثقافيًا وتاريخيًا متكاملًا. هذا المسار لن يكون مجرد ممر، بل تجربة معرفية وسردية بصرية تنقل الزائر في رحلة عبر تاريخ تونس.
سيروي المسار حكاية البلاد من خلال ثلاثين شخصية اعتبارية صنعت محطات مفصلية في تاريخها، من:
-
عليسة، حنّبعل، جوكرتا،
-
إلى عبد الرحمن ابن خلدون، محمد الطاهر بن عاشور، والحبيب بورقيبة،
وغيرهم من الرموز التي شكّلت الوعي التونسي وساهمت في بناء الدولة والهوية.
إنه مسار يجعل من سيدي الحنّي مدرسة مفتوحة للتاريخ، وفضاءً للتأمل في مسيرة وطن، ومجالًا لتقاطع الذاكرة المحلية مع الذاكرة الوطنية.
منارة لبنزرت… ورؤية تتجاوز الترميم
تؤكد جمعية صيانة مدينة بنزرت أن ما يجري اليوم في سيدي الحنّي ليس مجرد أشغال تحسين أو تهيئة ظرفية، بل هو مشروع رؤية بعيدة المدى يهدف إلى:
-
تثمين التراث كرافد أساسي للتنمية المحلية.
-
تعزيز الجاذبية السياحية والثقافية للمدينة.
-
إعادة ربط المواطن البنزرتي بذاكرته ومعالمه.
-
جعل المعلم فضاءً حيًا يحتضن الأنشطة الثقافية والتربوية.
فبنزرت، بتاريخها الضارب في القدم ورصيدها الحضاري الغني، تستحق أن تمتلك معالم مُرمّمة، نابضة بالحياة، وقادرة على تمثيلها داخليًا وخارجيًا.
تراث للأجيال… ومدينة ترتقي بمعالمها
ومع تقدّم الأشغال، يتعزز الأمل في أن يتحوّل سيدي الحنّي في صيغته الجديدة إلى فضاء جامع، يستقبل الزوار، ويحتضن الذاكرة، ويمنح المدينة دفعة جديدة في مسارها الثقافي والسياحي.
إنها جهود صادقة تُثمن، وعمل تطوعي مؤمن بأن التراث ليس ماضيًا جامدًا، بل قوة ناعمة قادرة على صناعة المستقبل.
وبما تقوم به اليوم، تقدّم جمعية صيانة مدينة بنزرت مثالًا حيًا على كيف يمكن للإرادة المدنية أن تصون الذاكرة، وتُعيد الاعتبار للمعالم، وتحوّلها إلى منارات تشعّ فخرًا وهويةً وتنمية.



