عبير بن الشيخ، سندس الرياحي ويُمنة السويلمي: ثلاث عقول شابة تضع تونس على خريطة الثورة المالية الرقمية
تم إنجاز العمل تحت إشراف الدكتورة "حبيبة نصرواي بن مراد"..

في قلب التحولات الاقتصادية العالمية، حيث تتقاطع الخوارزميات مع المال، وتتحول البيانات إلى رأسمال استراتيجي، برزت ثلاث طالبات تونسيات ليقدمن قراءة معمّقة وجريئة لمستقبل المنظومة المالية في تونس. عبير بن الشيخ، سندس الرياحي ويُمنة السويلمي، طالبات في الهندسة الاقتصادية والمالية بالمدرسة العليا للتجارة بتونس، قدّمن رؤية علمية متكاملة حول موضوع بات يحدد مصير الاقتصادات المعاصرة: الذكاء الاصطناعي، البلوكشين والـFintech، بين التحديات والآفاق في السياق التونسي. حديثهن لم يكن نظريًا ولا تجريديًا، بل انطلق من المعطيات الواقعية والتجارب الدولية ليصل إلى تشخيص دقيق للفرص التي تملكها تونس، وللرهانات التي عليها أن تكسبها إن أرادت الاندماج الحقيقي في الاقتصاد الرقمي العالمي.
يُمنة السويلمي: الذكاء الاصطناعي حين يصبح العمود الفقري للقطاع المالي
من منظور يُمنة السويلمي، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة، بل تحوّل إلى بنية تحتية غير مرئية يقوم عليها النظام المالي الحديث. فالذكاء الاصطناعي، كما تشرحه، هو مجموعة من التقنيات التي تمكّن الأنظمة المعلوماتية من محاكاة قدرات الإنسان في التعلّم والتحليل واتخاذ القرار، عبر أدوات مثل التعلم الآلي، الشبكات العصبية العميقة، ومعالجة اللغة الطبيعية. في القطاع المالي، هذه القدرات لم تعد اختيارية، بل أصبحت ضرورية لإدارة كميات هائلة من البيانات، ولمراقبة المخاطر، ولمكافحة الاحتيال، ولتقييم الجدارة الائتمانية للأفراد والمؤسسات.
وتؤكد يُمنة أن التحول مذهل بالأرقام، إذ ارتفعت نسبة اعتماد المؤسسات المالية على الذكاء الاصطناعي من حوالي 10 في المئة سنة 2010 إلى أكثر من 80 في المئة في أفق 2025، وهو ما يعكس انتقالًا جذريًا من بنوك تعتمد على الورق والموظف، إلى بنوك تقودها الخوارزميات. لكن هذا التحول، رغم فوائده الهائلة في الدقة والسرعة والربحية، يطرح تحديات أخلاقية وتنظيمية عميقة، أبرزها خطر التحيز الخوارزمي، وغياب الشفافية في قرارات الأنظمة الآلية، وضعف حماية المعطيات الشخصية، وهو ما يجعل من بناء إطار قانوني واضح مسألة سيادية لا تقل أهمية عن الاستثمار في التكنولوجيا ذاتها.
سندس الرياحي: البلوكشين كضمانة جديدة للثقة في عالم بلا وسطاء
إذا كان الذكاء الاصطناعي هو عقل النظام المالي، فإن سندس الرياحي ترى أن البلوكشين هو ضميره. فهذه التكنولوجيا، التي تقوم على سجل موزّع وغير قابل للتلاعب، تعيد تعريف مفهوم الثقة في المعاملات الاقتصادية. البلوكشين، في جوهره، هو طريقة لتخزين وتبادل المعلومات بشكل آمن وشفاف دون الحاجة إلى وسيط مركزي، وهو ما يجعله ثوريًا في قطاع اعتاد على الاعتماد على البنوك والمؤسسات الكبرى كحلقات لا غنى عنها.
وتشرح سندس أن البلوكشين يتفرع إلى ثلاثة أنماط رئيسية: بلوكشين عام مفتوح للجميع مثل الذي تقوم عليه العملات المشفرة، وبلوكشين خاص يخضع لإدارة مؤسسة واحدة، ونموذج هجين يجمع بين الشفافية والرقابة. هذه البنية التكنولوجية أفرزت تطبيقات مالية واسعة، من العملات الرقمية والمدفوعات اللامركزية إلى العقود الذكية التي تنفذ تلقائيًا عند تحقق شروط معينة، وصولًا إلى التمويل اللامركزي الذي يسمح بالإقراض والاستثمار دون المرور عبر البنوك التقليدية.
في هذا السياق، تلفت سندس إلى أن تونس لم تبق خارج هذا التحول، إذ جرى اختبار نموذج أولي لدينار رقمي قائم على البلوكشين، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن السيادة النقدية في العصر الرقمي لم تعد تُحمى بالاحتياطي فقط، بل أيضًا بالتكنولوجيا.
عبير بن الشيخ: Fintech… حين تصبح الخدمات المالية في متناول الجميع
أما عبير بن الشيخ، فترى أن الـFintech تمثل الجسر الذي يربط هذه الابتكارات التكنولوجية بالمستخدم النهائي. فالـFintech، بوصفها اندماجًا بين التمويل والتكنولوجيا، ليست مجرد شركات ناشئة، بل نموذج جديد بالكامل لإنتاج وتقديم الخدمات المالية. عبر التطبيقات الرقمية، والمدفوعات الإلكترونية، والتمويل الجماعي، والبنوك الرقمية، أصبح بالإمكان اليوم فتح حساب، أو إرسال أموال، أو الحصول على قرض، في دقائق ومن أي مكان.
توضح عبير أن هذا التحول لم يلغ دور البنوك، بل أعاد صياغته. فبدل المواجهة، تتجه العلاقة بين البنوك التقليدية وشركات الـFintech نحو التكامل الاستراتيجي: البنوك توفر الثقة والإطار القانوني وقاعدة الحرفاء، بينما تقدم شركات الـFintech الابتكار والسرعة وتجربة استخدام أفضل. هذا التعاون يخلق منظومة مالية أكثر كفاءة وأقل كلفة وأكثر قربًا من المواطن.
تونس الرقمية: سوق واعدة بين ضعف البنْكرة وقوة الاتصال
من خلال قراءة معمقة للسوق التونسية، تبرز سندس الرياحي مفارقة أساسية: تونس من جهة مجتمع شديد الاتصال، إذ يتجاوز معدل النفاذ إلى الإنترنت 84 في المئة، ونسبة امتلاك الهواتف الذكية تقارب المستوى نفسه، وعدد الاشتراكات في الهاتف الجوال يفوق عدد السكان، لكن من جهة أخرى لا يملك سوى حوالي 37 في المئة من التونسيين حسابًا بنكيًا. هذا التناقض، بدل أن يكون عائقًا، يمثل في نظر الطالبات فرصة تاريخية، لأن الحلول الرقمية قادرة على تجاوز البنية البنكية التقليدية والوصول مباشرة إلى المواطن عبر الهاتف.
وفي هذا الإطار، تبرز تجارب محلية واعدة، مثل تطبيق Flouci، الذي يقدم محفظة رقمية وخدمات دفع وبطاقات افتراضية وربطًا مباشرًا بالبنوك، وقد تجاوز حجم معاملاته عشرات الملايين من الدولارات في فترة قصيرة، بما يعكس استعداد السوق التونسية لاعتماد حلول مالية مبتكرة إذا توفرت الثقة والإطار القانوني المناسب.
التحدي الأخلاقي والاجتماعي: التكنولوجيا ليست للجميع بعد
لكن يُمنة السويلمي تحذر من أن الثورة الرقمية ليست محايدة اجتماعيًا. فبينما تفتح التكنولوجيا أبوابًا غير مسبوقة للإدماج المالي، فإنها قد تخلق في الوقت نفسه فجوة رقمية جديدة بين من يملك الأدوات الرقمية ومن يُحرم منها. غياب الإنترنت أو ضعف الثقافة الرقمية قد يحول التكنولوجيا من أداة تمكين إلى آلية إقصاء. كما أن القرارات التي تتخذها الخوارزميات، خاصة في منح القروض أو تصنيف المخاطر، يجب أن تكون خاضعة للرقابة والشفافية، حتى لا تتحول إلى شكل جديد من التمييز غير المرئي.
رؤية مشتركة: كيف تربح تونس رهان المستقبل المالي؟
في خلاصة رؤيتهن، تتقاطع أفكار عبير بن الشيخ، سندس الرياحي ويُمنة السويلمي عند نقطة جوهرية: تونس تملك كل المقومات لتكون فاعلًا حقيقيًا في عالم الـFintech، من شباب متعلم، إلى سوق رقمية نشطة، إلى حاجات اجتماعية ملحّة لحلول مالية أكثر شمولًا. لكن هذا الإمكان لن يتحقق دون سياسة عامة واضحة تقوم على تشريعات مرنة، ومساحات اختبار تنظيمية للشركات الناشئة، ورقمنة الإدارة، ودعم البحث العلمي والشراكات بين الجامعة والمؤسسات.
الرسالة التي تخرج من تحليلهن واحدة: الابتكار ليس غاية في ذاته، بل أداة لبناء اقتصاد أكثر عدالة وفعالية، حيث تكون التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا العكس. في هذا المعنى، لا تمثل أفكار هؤلاء الطالبات مجرد تمرين أكاديمي، بل نواة لرؤية وطنية حول كيف يمكن لتونس أن تعيد اختراع منظومتها المالية في زمن الذكاء الاصطناعي والبلوكشين والـFintech.
Un débat effectué par Mondher Zid sur RTCI dans le cadre de l’émission “Ecosphère” Jeudi 25 décembre



