العربي بن بوهالي: السياسة النقدية في مفترق طرق.. مسارات التغيير المطلوبة في 2026

سؤال مصيري وإجابات غير تقليدية
في تدوينة اقتصادية لافتة، طرح الخبير الاقتصادي العربي بن بوهالي سؤالاً جوهرياً: “كيف يمكن للبنك المركزي التونسي بذل المزيد من الجهود لنمو الاقتصاد وخلق المزيد من فرص العمل بحلول عام 2026؟”. هذا السؤال، كما يرى بن بوهالي، لا يمكن الإجابة عليه بالاستمرار في النهج التقليدي لخفض أسعار الفinterest، بل يتطلب جرأة في استخدام أدوات نقدية مبتكرة.
الخبير الاقتصادي يحذر منذ البداية، كما جاء في تحليله، أن “خفض أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس ليس كافيًا”، وذلك في إشارة إلى قرار البنك المركزي الأخير. هذه البداية القوية تضعنا أمام حقيقة مؤلمة: الاقتصاد التونسي يحتاج إلى أكثر من مجرد تعديلات هامشية.
تحليل بن بوهالي: لماذا يقف خفض سعر الفائدة عند 7% عاجزاً؟
يستند تحليل العربي بن بوهالي إلى معطيات دقيقة، حيث يشير إلى أن “لا يزال سعر الفائدة على القروض (تونيبور) عند 9.21%، وسعر الفائدة على أساس 24 ساعة عند 8%”. هذه الفجوة بين السعر المرجعي والأسعار الفعلية تكشف محدودية تأثير القرار الأخير للبنك المركزي.
ويلفت بن بوهالي الانتباه إلى قيد أساسي، وهو أن “لا يستطيع البنك المركزي التونسي التأثير إلا على أسعار الفائدة قصيرة الأجل (12 شهرًا)”، مما يعني أن قدرته على توجيه السياسة النقدية نحو الأهداف الطويلة الأمد تبقى محدودة في ظل هذا الإطار التقليدي.
الأدوات المهملة: قراءة في اقتراحات بن بوهالي للخروج من الأزمة
1. التحول نحو استهداف التضخم وإدارة سعر الصرف
يقترح العربي بن بوهالي مساراً جذرياً، حيث يرى أنه “يمكن للبنك المركزي التونسي تبني سياسة استهداف التضخم، كما يمكنه استخدام سياسة نقدية أخرى تتمثل في إدارة مؤشر سعر الصرف المرجح بالتجارة”.
هذه الرؤية تستند إلى نماذج دولية ناجحة، حيث يطرح بن بوهالي سؤاله الاستفهامي: “لماذا لا يستخدم البنك المركزي التونسي السياسة النقدية المتمثلة في إدارة مؤشر سعر الصرف المرجح بالتجارة؟ على غرار سنغافورة والصين”. الإشارة إلى تجربة سنغافورة والصين هنا ليست عشوائية، بل هي دعوة إلى استلهام نماذج نجحت في تحقيق استقرار اقتصادي في ظروف معقدة.
2. مقايضة العملات: حل عملي للعجز التجاري
من الحلول العملية التي يقدمها بن بوهالي فكرة “مقايضة العملات مع الجزائر والصين لتقليص العجز التجاري الكبير وزيادة احتياطيات العملات الأجنبية”. هذا الاقتراح ينبع من رؤية واقعية للأوضاع الإقليمية والدولية، ويستغل العلاقات الاقتصادية القائمة لتحقيق منافع ملموسة.
3. إعادة تقييم الدينار: فرصة تاريخية
يقدم التحليل رقماً مثيراً للانتباه، حيث يشير بن بوهالي إلى أن “الدينار الجزائري خسر 9% من قيمته مقابل اليورو في عام 2025. لكن الدينار التونسي لم يفقد سوى 3% من قيمته مقابل اليورو”. من هذا المنطلق، يرى أن “بإمكان البنك المركزي التونسي رفع قيمة الدينار التونسي بنسبة 5% مقابل الدينار الجزائري، وبالتالي تقليص العجز الهائل في الطاقة بمقدار 200 مليون دينار”.
هذه الخطوة، كما يوضح التحليل، يمكن أن تكون نقطة تحول في معالجة العجز الهيكلي في ميزان المدفوعات.
4. معالجة الديون المتعثرة: تحرير السيولة المختنقة
يسلط بن بوهالي الضوء على معضلة كبرى، وهي تراكم الديون المتعثرة التي “تبلغ ديون ديوان الحبوب وجميع ديون الفنادق حوالي 9 مليارات دينار”. هنا يطرح سؤاله الجوهري: “لماذا لا يقوم البنك المركزي التونسي بشراء الديون المتعثرة للبنوك التجارية ومنحها أموالاً جديدة لإقراضها للقطاع الخاص؟”.
هذا الاقتراح ينطلق من فهم عميق لطبيعة الأزمة المصرفية، حيث يشير التحليل إلى أن “البنك التونسي والبنك الوطني بنوك مملوكة للدولة”، مما يجعل تدخل البنك المركزي أكثر منطقية وإلحاحاً.
قراءة في السياق الاقتصادي: الأرقام التي تقلق بن بوهالي
يستند تحليل العربي بن بوهالي إلى معطيات إحصائية دقيقة، حيث يشير إلى:
-
“ارتفع معدل البطالة إلى 15.4%، بينما بلغت نسبة بطالة الشباب 40%”، وهو ما يصفه في إطار “منحنى فيليبس: تضخم منخفض مع بطالة مرتفعة”.
-
“نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.4% خلال الأشهر التسعة المنتهية في سبتمبر 2025 الأدنى في أفريقيا”.
-
“انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 9%”.
-
“نسبة القروض المتعثرة ارتفعت إلى 15.2% في عام 2025، متجاوزةً 19 مليار دينار”.
هذه الأرقام، كما يظهر في تحليل بن بوهالي، ترسم صورة لاقتصاد في حالة ركود حقيقي، يحتاج إلى علاجات غير تقليدية.
مفارقة السياسات: التناقض الذي يحذر منه بن بوهالي
يكشف التحليل عن تناقض خطير، حيث يلاحظ بن بوهالي أن “خفض البنك المركزي التونسي أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساسية من 8% إلى 7% في عام 2025” يقابله “رفعت وزارة المالية تحصيل الضرائب بنسبة 12% في عام 2025”.
هذا الوضع، كما يحذر بن بوهالي، يعني أن “الاقتصاد التونسي سيتأثر سلباً من جانبين: ارتفاع أسعار الفائدة الذي يُعيق الاستهلاك، وارتفاع الضرائب الذي يُعيق الاستثمار”. إنها “مقصّة مزدوجة” تخنق النشاط الاقتصادي من اتجاهين متعاكسين.
الحلول الشاملة: خارطة طريق مقترحة من بن بوهالي
يقدم العربي بن بوهالي في تحليله حزمة متكاملة من الحلول، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
-
إعادة تقييم سعر الصرف: كما ذكر، رفع قيمة الدينار بنسبة 5% مقابل الدينار الجزائري.
-
اتفاقيات مقايضة العملات: مع الجزائر والصين، خاصة لتجارة الطاقة.
-
التحول النموذجي: تبني سياسة إدارة مؤشر سعر الصرف المرجح بالتجارة على غرار سنغافورة.
-
معالجة الديون المتعثرة: شراء ديون ديوان الحبوب والفنادق، وتقديم سيولة جديدة للبنوك.
-
تمويل قطاعي الطاقة والفلاحة: تقديم قروض ميسرة لشركات الطاقة والفلاحة لتخفيض التكاليف على المستهلكين.
-
الإصلاح الضريبي: كما يرى بن بوهالي، “يحتاج الاقتصاد التونسي إلى أن تقوم الحكومة بخفض معدلات الضرائب على الشركات وتقليص الدعم الغذائي والطاقة وإصلاح النظام الضريبي بأكمله”.
دعوة إلى الجرأة والابتكار
تحليل العربي بن بوهالي يقدم رؤية شاملة وغير تقليدية للأزمة الاقتصادية التونسية. النقطة المركزية في رؤيته هي أن العلاجات التقليدية لم تعد كافية، وأن الخروج من النفق يتطلب جرأة في تجريب أدوات نقدية جديدة، وتنسيقاً وثيقاً بين السياسة النقدية والمالية.
الخبير الاقتصادي لا يقدم وصفة سحرية، بل يقدم خارطة طريق عملية تستند إلى معطيات واقعية وتجارب دولية ناجحة. السؤال الذي يتركه لنا بن بوهالي هو: هل ستكون هناك إرادة سياسية ومؤسسية لتبني هذه الرؤية الشجاعة قبل فوات الأوان؟
السباق نحو 2026 قد بدأ، والاقتصاد التونسي على المحك. كما يخلص تحليل بن بوهالي، المستقبل يتوقف على القدرة على الابتكار والخروج من الصندوق التقليدي للسياسة النقدية.




