مليار دينار تبخّر من المال العام: تقرير محكمة المحاسبات يهزّ قصر قرطاج

أرقام ثقيلة كالصدمة، وملفّات تنفجر في وجه الدولة… هذا هو المشهد الذي رافق تسلّم رئيس الجمهورية قيس سعيّد، مساء الجمعة 9 جانفي 2026 بقصر قرطاج، التقرير السنوي العام لمحكمة المحاسبات لسنة 2025، إلى جانب جملة من التقارير القطاعية، قدّمتها فضيلة قرقوري، وكيلة الرئيس الأوّل للمحكمة.
تقرير لم يكن مجرّد وثيقة إدارية، بل تشريحًا مؤلمًا لوضع مؤسسات عمومية تنزف من الداخل.
11 مؤسسة… و1070 مليون دينار ضاعت في الهواء
حسب ما كشفته الأعمال الرقابية لمحكمة المحاسبات، فإن الخسائر في 11 هيكلًا عموميًا فقط بلغت حوالي 1070 مليون دينار، رقم يعادل ميزانيات وزارات كاملة، أو مشاريع تنموية كان يمكن أن تغيّر حياة آلاف التونسيين.
ومن بين أكثر المؤسسات نزيفًا:
-
الخطوط التونسية: خسائر فاقت 316 مليون دينار
-
ديوان البحرية التجارية والموانئ: خسائر قاربت 291 مليون دينار
أموال طارت، ليس بسبب السوق أو الأزمات العالمية، بل – كما يشير التقرير – بسبب تجاوزات خطيرة، على رأسها صرف أجور ومنح وتعويضات دون أي سند قانوني، في ظل ضعف شبه كامل لآليات الرقابة والمتابعة.
سعيّد: هذا تخريب ممنهج… وليس أخطاء معزولة
رئيس الجمهورية لم يخفِ حدّة موقفه، واعتبر أن هذه الأرقام “مفزعة” وتعكس حجم الخراب والتخريب الممنهج الذي عرفته الدولة خلال سنوات.
وشدّد على أن التقارير، مهما كانت مهمّة، لا تكفي وحدها، قائلا بمعنى واضح:
“الأهم هو ما يُرتّب عليها من آثار… فالشعب التونسي من حقه أن يسترجع أمواله كاملة.”
رسالة لا لبس فيها: زمن الاكتفاء بالتقارير انتهى، والمرحلة القادمة هي مرحلة محاسبة حقيقية.
تشريعات يجب أن تتغيّر… والمساءلة حق شعبي
الرئيس أكّد أيضًا أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، داعيًا إلى تغيير التشريعات التي سمحت بتمدد هذا الفساد، وإلى اجتثاث أسبابه من جذورها.
كما ذكّر بأن:
“المساءلة والمحاسبة ليستا ترفًا… بل حقّ للشعب، لأن هذه أمواله التي نُهبت وحقوقه التي سُلبت.”
لا محاكم تصفية حسابات… بل عدالة ناجزة
وفي ردّ على من يشكّكون في نوايا المحاسبة، شدّد سعيّد على أن الهدف ليس إنشاء محاكم استثنائية لتصفية الحسابات، بل محكمة محاسبات وقضاء عادل وناجز في كل المحاكم وعلى اختلاف اختصاصاتها.
ملف مفتوح على كل الاحتمالات
بين مليار دينار ضائع، ومؤسسات عمومية على شفير الانهيار، وغضب شعبي متراكم، يبدو أن تقرير محكمة المحاسبات ليس مجرد وثيقة… بل قنبلة سياسية واقتصادية مرشّحة لأن تفجّر ملفات أكبر في الأيام القادمة.
والسؤال الذي يطرحه كل تونسي اليوم:
من سيُحاسَب؟ ومتى؟ وهل تعود الأموال إلى أصحابها الحقيقيين… الشعب؟


