الأسعد الذوادي: هجرة المؤسسات أخطر من هجرة الأدمغة… والضغط الجبائي يهدد الاقتصاد الوطني

لم تعد هجرة الكفاءات التونسية وحدها هي العنوان الأبرز للأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، بل تطور المشهد – وفق ما أكده الأستاذ الأسعد الذوادي، رئيس المعهد التونسي للمستشارين الجبائيين – إلى ظاهرة أخطر وأكثر كلفة، وهي هجرة المؤسسات نفسها. في حوار إذاعي صريح، كشف الذوادي بالأرقام والأمثلة كيف دفعت القوانين الجبائية والإدارية الفاسدة، والضغط الجبائي غير المسبوق، وغياب العدالة الإدارية، عدداً متزايداً من أصحاب المؤسسات إلى الإغلاق أو الرحيل نحو بلدان أخرى.
الأسعد الذوادي: هجرة المؤسسات أخطر من هجرة الأدمغة
يرى الأسعد الذوادي أن التركيز الطويل على هجرة الأدمغة أخفى حقيقة أشد خطورة، وهي أن المؤسسات المنتجة نفسها أصبحت تفكر في الهجرة. فهجرة الكفاءات، على قسوتها، تبقى قابلة للتدارك، أما عندما تغادر المؤسسات، فإنها تغادر معها مواطن الشغل، وسلاسل الإنتاج، والاستثمار، والضرائب، والاستقرار الاجتماعي.
ويؤكد رئيس معهد المستشارين الجبائيين أن عدداً كبيراً من أصحاب المؤسسات باتوا يصرّحون علناً بأن الحل الوحيد أمامهم هو مغادرة تونس، لا طمعاً في امتيازات غير مشروعة، بل بحثاً عن حدّ أدنى من الاستقرار القانوني والعدالة الجبائية.
قوانين جبائية دفعت مؤسسات التصدير إلى الرحيل.. كيف ضُرب نسيج كامل بقرار واحد
من أبرز الأمثلة التي قدّمها الأسعد الذوادي، ما تعرّضت له شركات التجارة الدولية وشركات الخدمات المصدّرة كلياً. فهذه الشركات كانت، منذ سنة 1988، تعمل في إطار قانوني واضح يشجّع التصدير، ويعفي مدخلات الإنتاج من الأداء على القيمة المضافة، باعتبار أن السلع والخدمات موجّهة للاستهلاك خارج التراب التونسي.
غير أن تغييرات تشريعية لاحقة ألغت هذا الحق، وأجبرت هذه الشركات على دفع الأداء على القيمة المضافة عند الشراء، رغم أن منتجاتها لا تُستهلك داخلياً. ويبيّن الذوادي أن شركة رقم معاملاتها بمئات الملايين من الدنانير، تصبح مطالبة بتجميد عشرات الملايين في الأداء، ما يؤدي إلى خنق سيولتها ودفعها إلى الاقتراض أو الإغلاق أو الهجرة.
والنتيجة، وفق رئيس المعهد، كانت كارثية: مؤسسات غادرت إلى مالطا والمغرب وتركيا، وأخرى أغلقت نهائياً، في حين أن المبرر الرسمي للتعديل كان محاربة التحيل، وهو ما اعتبره الذوادي عقاباً جماعياً لقطاع كامل بسبب عشرات الحالات المعزولة.
لا تُحارب قلة من المتحيلين بتدمير آلاف المؤسسات
يشدد الأسعد الذوادي على أن وجود حالات تحيل لا يبرر أبداً سنّ قوانين تضرب النسيج الاقتصادي برمته. فبدل تتبع خمسين شركة وهمية استغلت الامتيازات بطرق غير قانونية، تم حرمان آلاف المؤسسات الجادة من حق قانوني ومنطقي، وهو الشراء دون أداء على القيمة المضافة طالما أن الاستهلاك يتم خارج البلاد.
ويصف الذوادي هذا التوجه بأنه فشل في السياسة الجبائية، لأنه يستسهل الحل العقابي بدل بناء منظومة رقابة فعالة، ويدفع المؤسسات النظيفة إلى الهجرة بدل حماية الاقتصاد الوطني.
إجبار المؤسسات الصغرى على مراقب الحسابات.. فضيحة المعايير المختلّة
في ملف آخر لا يقل خطورة، توقف الأسعد الذوادي عند إجبار المؤسسات الصغرى والمجهرية في تونس على تعيين مراقب حسابات، استناداً إلى أمر تطبيقي صدر سنة 2006 في ظروف وصفها بـ”الفاسدة”.
ويشرح رئيس معهد المستشارين الجبائيين أن تونس نقلت الشكل من التشريع الفرنسي، لكنها حرّفت المضمون، إذ خفّضت المؤشرات المالية إلى مستويات هزلية. ففي حين لا تُجبر المؤسسات في فرنسا على تعيين مراقب حسابات إلا إذا تجاوزت موازناتها أربعة ملايين يورو، ورقم معاملاتها سبعة ملايين يورو، وعدد عمالها خمسين، نجد أن تونس فرضت ذلك ابتداءً من مائة ألف دينار موازنة، وثلاثمائة ألف دينار رقم معاملات، وعشرة عمّال فقط.
ويعتبر الذوادي أن هذا الإجراء لم يكن بريئاً، بل هدفه توسيع دائرة الإلزام قسراً، وتحميل مؤسسات هشة أعباء مالية إضافية، في وقت تعاني فيه أصلاً من صعوبات البقاء.
الضغط الجبائي: تونس في الصدارة… ولكن بلا مقابل
يؤكد الأسعد الذوادي أن تونس تحتل المرتبة الأولى إفريقياً في الضغط الجبائي والاجتماعي، وفق تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. غير أن الخطورة، حسب رأيه، لا تكمن في الرقم المجرد، بل في غياب المقابل.
فالضغط الجبائي في الدول المتقدمة، مثل السويد، يُقابله تعليم مجاني، وصحة مجانية، وبنية تحتية محترمة، وخدمات عمومية فعالة. أما في تونس، فإن المواطن والمؤسسة يدفعان ضرائب مرتفعة، لكنهما لا يحصلان إلا على التلوث، والطرقات المهترئة، والبناء الفوضوي، وغياب الدولة.
ويخلص الذوادي إلى أن المقارنات الدولية التي تضع تونس في مرتبة أقل من دول الشمال هي مقارنات مضللة، لأن تعديل النسب وفق مستوى الخدمات يجعل الضغط الجبائي الحقيقي في تونس من الأعلى عالمياً.
التعطيل الإداري والفساد: عندما تصبح الدولة سبب الهجرة
من أخطر ما طرحه الأسعد الذوادي، حديثه عن التعطيل الإداري الممنهج. فقد كشف عن مصنع يشغّل أكثر من 500 عامل، يهدد بفقدان حرفائه الدوليين بسبب عدم حصوله على شهادة وقاية، رغم استيفائه لشروط السلامة.
وبينما تعجز الإدارة عن منحه الوثيقة، تتسابق دول أخرى لعرض امتيازات مغرية عليه مقابل نقل نشاطه بالكامل. ويؤكد الذوادي أن هذا المثال ليس استثناءً، بل يعكس معاناة آلاف المؤسسات التي تصطدم بجدار إداري صلب، بلا تبرير ولا آجال.
الأسعد الذوادي: غياب جهاز تظلم فعّال يقتل الاستثمار
يرى الأسعد الذوادي أن المشكلة ليست في تطبيق القانون، بل في غياب آلية تظلم مستقلة وفعالة. فصاحب المؤسسة، حتى إن كان محقاً، لا يجد جهة تنصفه، ولا مساراً واضحاً للطعن، ما يجعله فريسة سهلة للابتزاز أو اليأس.
ويعتبر أن إنشاء جهاز تظلم حقيقي، بآجال مضبوطة وقرارات ملزمة، هو شرط أساسي لإنقاذ ما تبقى من الثقة بين الدولة والمستثمرين.
قوانين تشرّع الفساد بدل محاربته.. الأسعد الذوادي ينتقد قانون التصريح بالمكاسب
من أخطر النقاط التي أثارها الأسعد الذوادي، انتقاده الحاد للقانون عدد 46 لسنة 2018 المتعلق بالتصريح بالمكاسب وتضارب المصالح. ويصفه بأنه قانون قنّن الرشوة تحت مسمى “الهدايا”، وفتح الباب أمام تضارب المصالح داخل البرلمان.
ويؤكد رئيس المعهد أن الفصل المتعلق بتضارب المصالح سمح للنواب بالتصويت على قوانين تمسّ مهنهم مباشرة، وهو ما أدى إلى تعطيل إصلاحات أساسية، وإبقاء منظومة قانونية تخدم فئات محددة على حساب الاقتصاد الوطني.
من هجرة المؤسسات إلى انهيار روح المبادرة
يختم الأسعد الذوادي، رئيس معهد المستشارين الجبائيين مداخلته بتحذير واضح: تونس اليوم لا تفقد فقط مؤسساتها، بل تفقد روح المبادرة نفسها. فعندما يرى المستثمر كيف تُحجز وسائل الإنتاج، وتباع المعدات بأثمان بخسة، وتُغلق الأبواب أمام الحلول، فإنه يعزف نهائياً عن الاستثمار.
ويؤكد أن إنقاذ تونس لا يحتاج معجزات، بل إرادة سياسية حقيقية، وتطهير الإدارة، ومراجعة القوانين الفاسدة، وفتح حوار جدي مع أصحاب المؤسسات. فإما أن تُستعاد الثقة الآن، أو تتحول هجرة المؤسسات إلى نزيف دائم يصعب إيقافه.




