اقتصاد

مريم الدريدي: بين ازدهار الاقتصاد وانكسار الاستقرار: هل التطور المالي نعمة للنمو أم بوابة للهشاشة؟

حوار عرض على موجات اذاعة RTCI

مداخلة الطالبة مريم الدريدي 

عندما يُطرح مفهوم النمو الاقتصادي، غالبًا ما ينصرف الذهن إلى مؤشرات ظاهرة مثل خلق مواطن الشغل، ارتفاع الإنتاج، أو توسّع الشركات الكبرى. غير أن خلف هذه الصورة المباشرة يكمن عنصر أقل وضوحًا لكنه أكثر تأثيرًا: النظام المالي. البنوك، القروض، الادخار، الأسواق المالية، والدفع الرقمي ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي قنوات حيوية تُغذّي الاقتصاد وتحدد مساره. من هذا المنطلق تنطلق الباحثة مريم الدريدي في مقالتها لتطرح سؤالًا محوريًا وحاسمًا:
هل يُعدّ التطور المالي محركًا للنمو الاقتصادي، أم أنه قد يتحول إلى مصدر هشاشة وعدم استقرار؟

هذا السؤال لا يحمل إجابة بسيطة، بل يفتح المجال أمام نقاش علمي عميق يوازن بين المنافع الكبيرة للمال المنظم والمخاطر الكامنة في انفلاته عن الاقتصاد الحقيقي.

ماهية التطور المالي: أكثر من مجرد بنوك وأسواق

تُعرّف مريم الدريدي التطور المالي بوصفه عملية شاملة تشمل تطور المؤسسات المالية، تنوع الأدوات، كفاءة الأسواق، ووجود أطر قانونية وتنظيمية تحكم حركة رأس المال. لا يتعلق الأمر فقط بتكاثر البنوك أو توسع الأسواق، بل بقدرة النظام المالي على تعبئة المدخرات، توزيع المخاطر، وتوجيه الموارد نحو الأنشطة الأكثر إنتاجية.

في صورته المثلى، يسمح التطور المالي بتقليص تكاليف المعاملات، تسهيل الولوج إلى التمويل، وتحسين إدارة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على أداء الاقتصاد ككل.

من حياة الأفراد إلى ديناميكية الاقتصاد

لا يبقى أثر التطور المالي حبيس المؤشرات الكلية، بل يتجسد في تفاصيل الحياة اليومية للأفراد. فحين يصبح النظام المالي أكثر تطورًا، تتيسر عمليات الدفع، ويتاح الحصول على القروض، ويُفتح المجال أمام المبادرات الفردية والمشاريع الصغرى.
هذا الانسياب المالي يختصر الوقت والجهد، ويمنح الأفراد قدرة أكبر على التخطيط، الاستثمار، وتحسين مستوى العيش. ومن هنا تؤكد مريم الدريدي أن المال ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لخدمة الإنسان والاقتصاد معًا.

لماذا يُنظر إلى التطور المالي كمحرك للنمو؟

ترى مريم الدريدي أن النظام المالي المتطور يُعدّ أحد الأعمدة الأساسية للنمو الاقتصادي، لأنه يعزز الاستثمار، يرفع الإنتاجية، ويدعم الابتكار. فكلما كانت القنوات المالية أكثر كفاءة، زادت قدرة الاقتصاد على تحويل المدخرات إلى استثمارات منتجة.

كما تميز الباحثة بين نموذجين رئيسيين للأنظمة المالية:

  • النظام القائم على البنوك، حيث تلعب المؤسسات البنكية الدور المركزي في التمويل.

  • النظام القائم على الأسواق، حيث تتصدر أسواق السندات والأسهم عملية تعبئة الموارد.

ولا يكمن التفوق في أحد النموذجين بحد ذاته، بل في مدى تكيفه مع البنية الاقتصادية ومستوى التنظيم والرقابة.

التجربة الهندية: نمو مدفوع بالمال… ولكن بشروط

تستحضر مريم الدريدي التجربة الهندية كنموذج دال على الأثر الإيجابي للتطور المالي عندما يكون مصحوبًا بإصلاحات مؤسساتية. فقد ساهم تطور القطاع البنكي، والأسواق المالية، وانتشار الخدمات المالية الرقمية في تعزيز الادخار، تسهيل الائتمان، ودعم توسع الأعمال.

غير أن هذه التجربة تكشف أيضًا عن وجه آخر للحقيقة: التطور المالي لا يضمن نموًا عادلاً تلقائيًا. إذ قد يؤدي، في غياب سياسات تصحيحية، إلى تعميق الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بإدماج النساء والفئات الهشة في النظام المالي.

عندما يتحول التطور إلى خطر

تبلغ أطروحة مريم الدريدي ذروتها عند التحذير من الإفراط المالي. فحين يتضخم القطاع المالي ويتجاوز حجمه الاقتصاد الحقيقي، يصبح مصدرًا للاختلال بدل الاستقرار. وتشبه الباحثة ذلك بالإفراط في استهلاك القهوة: القليل منها يعزز التركيز، أما الإفراط فيقود إلى القلق والاضطراب.

الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 تمثل المثال الأوضح على هذا الانفصال الخطير بين المال والإنتاج، حيث تحولت الأدوات المالية المعقدة وغير الخاضعة للرقابة إلى عامل تدمير واسع للاقتصادات والمجتمعات.

التنظيم والرقابة: الشرط الحاسم للتوازن

تخلص مريم الدريدي إلى أن التنظيم ليس عائقًا أمام التطور المالي، بل شرطًا لنجاحه. فالدولة والهيئات الرقابية مطالبة بوضع قواعد واضحة، مراقبة تطبيقها، وضمان توجيه النشاط المالي نحو خدمة الاقتصاد الحقيقي.

بدون هذه الرقابة، يفقد النظام المالي بوصلته، ويتحول من أداة للنمو إلى مصدر عدم استقرار.

المال في خدمة الإنسان

في خلاصة مكثفة لكنها عميقة، تؤكد مريم الدريدي أن النظام المالي صُمم ليكون وسيلة لتسهيل حياة الناس وتحقيق النمو الاقتصادي، لا أداة للهيمنة أو الإضرار بالمجتمعات. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تطوير finance بحد ذاته، بل في إيجاد التوازن الدقيق بين التوسع المالي، الاقتصاد الحقيقي، والتنظيم الرشيد.

إنها رسالة واضحة:
حين يعمل المال من أجل الإنسان، يصبح محركًا للتقدم؛ وحين ينفلت عنه، يتحول إلى مصدر هشاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى