بحث اقتصادي أكاديمي وسياساتي: تونس في فخّ النمو المنخفض
الاستثمار، التمويل، البطالة، والخيارات الاستراتيجية للفترة 2026–2030

نسخة بحثية قابلة للتحكيم الأكاديمي وصياغة السياسات
تاريخ الإصدار: 23 جويلية 2026
تاريخ إقفال البيانات: 22 جويلية 2026
دراسة تحليلية مستقلة – لا تمثل وثيقة رسمية لأي مؤسسة
ملاحظة النزاهة العلمية وحدود الصفة الأكاديمية
| صفة الوثيقة — هذه الدراسة محكمة الصياغة والمنهج، ومهيأة للمراجعة العلمية، لكنها لم تمر بعد بعملية تحكيم مجهول من مجلة أكاديمية. لذلك تُوصَف بأنها «ورقة بحثية قابلة للتحكيم» لا «بحث منشور ومحكّم» بالمعنى الإجرائي. |
تعتمد الدراسة حصراً على بيانات منشورة للمعهد الوطني للإحصاء، والبنك المركزي التونسي، ووزارة المالية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والأونكتاد، ووكالة النهوض بالاستثمار الخارجي. وقد استُخدمت بيانات مؤشرات التنمية العالمية لإعادة بناء السلاسل الزمنية الطويلة، فيما استُعملت البيانات الوطنية لسنة 2026 لتحديث التشخيص الظرفي.
البيانات الخاصة بسنة 2026 أولية بطبيعتها وقابلة للمراجعة. كما أن اختلاف تعريف الدين العمومي أو الاستثمار أو البطالة بين المؤسسات قد يولد فروقاً رقمية مشروعة. لذلك تورد الدراسة «جدول مصالحة منهجية» يوضح المصدر والتعريف بدلاً من دمج المؤشرات المختلفة في سلسلة واحدة دون تنبيه.
الملخص
تبحث هذه الدراسة في طبيعة المأزق الاقتصادي التونسي في منتصف سنة 2026، وتختبر الفرضية القائلة إن البلاد لا تواجه انهياراً مالياً وشيكاً بقدر ما تواجه فخاً مؤسسياً ومالياً للنمو المنخفض. تجمع الدراسة بين التحليل الوصفي للبيانات الماكرو-اقتصادية والاجتماعية للفترة 2000–2026، والمقارنة المؤسسية، وتقديرات قياسية استكشافية، ومعايرة سيناريوهات للفترة 2026–2030. وتُظهر النتائج أن تحسن النمو السنوي إلى 2.6% في الثلاثي الأول من 2026 تزامن مع انكماش فصلي قدره 0.3%، بما يعكس هشاشة التعافي واعتماده الجزئي على عوامل ظرفية، ولا سيما الفلاحة. كما تبرز الدراسة تراجع الاستثمار وتدهور كفاءته بعد 2011، وتزايد اعتماد الدولة على التمويل الداخلي، وارتفاع تعرض القطاع المصرفي للمخاطر السيادية، بما ينسجم مع آلية المزاحمة المالية. ويشير النموذج الاستكشافي للفترة 2010–2025 إلى ارتباط سلبي ذي دلالة إحصائية بين نمو مطالب البنوك على الحكومة ونمو مطالبها على القطاع الخاص؛ إذ ترتبط زيادة نقطة مئوية واحدة في مطالب الحكومة – مقاسة كنسبة من الكتلة النقدية الواسعة – بانخفاض يقارب نصف نقطة مئوية في نمو المطالب على القطاع الخاص، بعد التحكم في التضخم والنمو. ولا تمثل هذه النتيجة إثباتاً سببياً بسبب صغر العينة ومشكلات التزامن، لكنها تتسم بالمتانة عند استبعاد سنة 2020. كما يرتبط نمو الصادرات وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إيجابياً بالنمو في نموذج للفترة 2000–2024، بينما لا يظهر مستوى الاستثمار وحده دلالة مستقرة، بما يدعم أهمية جودة تخصيص رأس المال لا حجمه فقط. وتقترح الدراسة أربعة سيناريوهات: استمرار المسار، والإصلاح الجزئي، والتحول الاستثماري، والصدمة السلبية. وتخلص إلى أن بلوغ نمو مستدام بين 4% و5% لا يتطلب فقط رفع الاستثمار إلى نحو 19–20% من الناتج، بل خفض معامل رأس المال-الإنتاج الفعلي عبر الحوكمة، والمنافسة، وسرعة الإنجاز، وإصلاح التمويل، والطاقة، والمؤسسات العمومية. وتقدم الورقة حزمة تنفيذية متدرجة ومصفوفة مسؤوليات ومؤشرات قياس حتى 2030.
الكلمات المفتاحية: تونس؛ النمو الاقتصادي؛ الاستثمار؛ الدين العمومي؛ المزاحمة المالية؛ الائتمان؛ البطالة؛ الاستثمار الأجنبي؛ ICOR؛ سيناريوهات السياسات.
تصنيفات JEL: E22, E44, E62, F21, O11, O18, O55.
Abstract
This paper examines Tunisia’s economic predicament in mid-2026 and tests the proposition that the country faces not an imminent financial collapse, but an institutional and financial low-growth trap. The study combines descriptive macroeconomic and social analysis for 2000–2026, institutional assessment, exploratory econometric estimates, and calibrated scenarios for 2026–2030. The evidence shows that year-on-year real GDP growth of 2.6 percent in the first quarter of 2026 coexisted with a 0.3 percent quarter-on-quarter contraction, pointing to a fragile recovery partly driven by transitory agricultural factors. Investment has weakened, capital efficiency deteriorated after 2011, and the state has relied increasingly on domestic financial resources, raising banking-sector sovereign exposure and generating conditions consistent with financial crowding out. An exploratory 2010–2025 regression finds a statistically significant negative association between the growth of bank claims on government and the growth of claims on the private sector: a one-percentage-point increase in government claims, expressed as a share of broad money, is associated with about a half-percentage-point reduction in private-claims growth after controlling for inflation and GDP growth. The result is not interpreted causally because of the small sample and simultaneity risks, although it remains robust when 2020 is excluded. A separate 2000–2024 growth model finds positive associations for export growth and foreign direct investment, while the investment ratio alone is not robustly significant, underscoring the importance of capital allocation and implementation quality. Four scenarios are calibrated: baseline continuity, partial reform, investment transformation, and adverse shock. The paper concludes that sustained growth of 4–5 percent would require not merely raising investment toward 19–20 percent of GDP, but also reducing the effective incremental capital-output ratio through better governance, competition, project execution, financial reform, energy security, and state-owned enterprise restructuring. It concludes with a sequenced implementation matrix and measurable policy indicators through 2030.
Keywords: Tunisia; economic growth; investment; public debt; financial crowding out; credit; unemployment; FDI; ICOR; policy scenarios.
فهرس المحتويات
| العنوان | الصفحة |
| الملخص العربي | 3 |
| Abstract | 3 |
| قائمة الاختصارات والمفاهيم | 6 |
| الملخص التنفيذي | 6 |
| 1. المقدمة وإشكالية البحث | 9 |
| 2. الإطار النظري ومراجعة الأدبيات | 10 |
| 3. البيانات والمنهجية | 12 |
| 4. التشخيص الماكرو–اقتصادي | 14 |
| 5. المالية العمومية والقطاع المالي | 18 |
| 6. القطاع الخارجي والاستثمار والتمويل الدولي | 20 |
| 7. سوق العمل والفقر والتفاوت الجهوي | 22 |
| 8. النتائج القياسية الاستكشافية | 24 |
| 9. سيناريوهات تونس 2026–2030 | 26 |
| 10. برنامج السياسات المقترح | 28 |
| 11. المخاطر والقيود | 31 |
| 12. الخاتمة | 32 |
| المراجع | 33 |
| الملحق أ: البيانات السنوية المختارة | 34 |
| الملحق ب: النتائج القياسية الكاملة | 36 |
| الملحق ج: بروتوكول التحديث السنوي | 37 |
قائمة الاختصارات والمفاهيم
جدول 1. الاختصارات المستخدمة في الدراسة
| الاختصار | المعنى |
| BCT | البنك المركزي التونسي |
| INS | المعهد الوطني للإحصاء |
| WDI | مؤشرات التنمية العالمية – البنك الدولي |
| IMF | صندوق النقد الدولي |
| EBRD | البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية |
| FDI | الاستثمار الأجنبي المباشر |
| GFCF | التكوين الإجمالي لرأس المال الثابت |
| ICOR | معامل رأس المال-الإنتاج الإضافي |
| ARDL | نموذج الانحدار الذاتي ذي الفجوات الموزعة |
| HAC | أخطاء معيارية متينة لعدم تجانس التباين والارتباط الذاتي |
| SOE | مؤسسة عمومية |
| M3 | الكتلة النقدية الواسعة |
| JEL | تصنيف الدوريات الاقتصادية |
الملخص التنفيذي
| الاستنتاج المركزي — تونس لا تبدو في مسار إفلاس فوري، لكنها تتحرك داخل «توازن هش منخفض النمو»: قدرة على الوفاء بالالتزامات الأساسية، مقابل ضعف الاستثمار والإنتاجية والتشغيل وتآكل الخدمات ورأس المال البشري. |
تكشف المؤشرات المتاحة حتى 22 جويلية 2026 عن اقتصاد قادر على الصمود أكثر من قدرته على التحول. فقد بلغ النمو السنوي 2.6% في الثلاثي الأول، لكن الناتج المعالج موسمياً انكمش 0.3% مقارنة بالثلاثي السابق. ويشير هذا التزامن إلى أن المقارنة السنوية تستفيد من قاعدة منخفضة ومن تحسن قطاعات ظرفية، في حين لا تزال الديناميكية القصيرة الأجل ضعيفة (INS, 2026a).
تراجع التضخم العام إلى 5.3% في جوان 2026، غير أن تضخم الغذاء بلغ 7.1%. وبذلك لم تستعد الأسر قدرتها الشرائية السابقة؛ فالأسعار تواصل الارتفاع وإن بوتيرة أبطأ. ويزداد الأثر على الأسر محدودة الدخل لأن الغذاء والطاقة والنقل تستحوذ على حصة أكبر من ميزانياتها (INS, 2026b).
بلغت البطالة 15% في الثلاثي الأول من 2026، وبلغت بطالة الشباب 37.5%، بينما ظلت بطالة خريجي التعليم العالي مرتفعة ولا سيما لدى النساء. تكشف هذه التركيبة عن بطالة هيكلية مرتبطة بضعف الطلب على المهارات، وبالفجوة بين التعليم والاقتصاد المنتج، وبالتفاوت الجهوي (INS, 2026c; EBRD, 2026a).
لا تعني صعوبة النفاذ إلى أسواق المال الدولية أن تونس فقدت التمويل الخارجي كله. الأدق أن هيكل التمويل تغيّر: تقلص التمويل السيادي العام غير المخصص، بينما استمرت قروض المشاريع في المياه والطرق والاتصالات والطاقة والحماية الاجتماعية. هذا التحول يقلص حرية الموازنة، لكنه يحافظ على قنوات تمويل تنموي مرتبطة بالحوكمة والتنفيذ.
أصبحت مزاحمة الدولة للقطاع الخاص في السوق المالية أحد القيود المركزية. فارتفاع مطالب البنوك على الحكومة وتعرضها للمخاطر السيادية يوفر تمويلاً قصير الأجل للخزينة، لكنه يضعف الائتمان المتاح للمؤسسات، ويرفع ترابط مخاطر الدولة والبنوك، ويحد من الاستثمار الخاص. وتنسجم النتائج القياسية الاستكشافية للدراسة مع هذه الآلية.
تراجع معدل الاستثمار وتدهورت كفاءته. وتبين حسابات ICOR أن الاقتصاد احتاج بعد 2011 إلى وحدات رأسمالية أكبر لإنتاج وحدة نمو إضافية مقارنة بالعقد السابق. ولذلك لا يكفي رفع الاستثمار رقمياً؛ بل يجب تحسين اختيار المشاريع، والإنجاز، والحوكمة، والربط اللوجستي، وتوفر الطاقة، والتمويل، والمنافسة.
تقترح الدراسة مسار تحول يرفع الاستثمار تدريجياً إلى 19–20% من الناتج، ويخفض ICOR الفعلي إلى 4–4.5، بما يتيح نمواً معايراً بين 4.2% و5% قرب 2030. ولا يعد هذا المسار توقعاً حتمياً، بل نتيجة مشروطة بإصلاحات متزامنة في المالية، والائتمان، والمؤسسات العمومية، والطاقة، والتراخيص، والتعليم والتكوين، والاندماج الجهوي.
جدول 2. لوحة القراءة السريعة للاقتصاد التونسي في منتصف 2026
| المجال | المؤشر الأحدث | القراءة |
| النمو | 2.6% سنوياً في T1-2026؛ -0.3% فصلياً | تعافٍ هش وغير متجانس |
| التضخم | 5.3% في جوان؛ الغذاء 7.1% | تراجع الوتيرة لا يعني تراجع مستوى الأسعار |
| البطالة | 15%؛ الشباب 37.5% | اختلال هيكلي في خلق الوظائف والمهارات |
| التجارة | عجز H1-2026 يقارب 12.57 مليار د.ت | ارتفاع الواردات أسرع من الصادرات |
| الاحتياطي | 23.052 مليار د.ت؛ 91 يوم توريد في 22 جويلية | هامش أمان قابل للإدارة لكنه محدود |
| الدين | نحو 82–85% حسب التعريف والمؤسسة | فروق منهجية، لكن المستوى مرتفع في جميع المقاييس |
| الاستثمار | منخفض قياساً باحتياجات التحول | المشكلة في الحجم والكفاءة معاً |
1. المقدمة وإشكالية البحث
دخل الاقتصاد التونسي سنة 2026 بعد أكثر من عقد اتسم بتباطؤ النمو، وتكرر الصدمات السياسية والصحية والمناخية والجيوسياسية، وتراجع الاستثمار، وارتفاع الدين، واستمرار البطالة. وقد أفرزت هذه التطورات خطابين متعارضين: خطاباً يتنبأ بانهيار مالي وشيك، وخطاباً يكتفي بإبراز قدرة الدولة على السداد وتراجع التضخم بوصفهما دليلاً على التعافي. تنطلق هذه الدراسة من أن كلا الخطابين ناقص؛ إذ يمكن للاقتصاد أن يتجنب الإفلاس وأن يبقى في الوقت نفسه داخل مسار تآكل طويل الأجل.
تتمثل المشكلة البحثية في تفسير سبب عدم تحول الاستقرار النسبي في بعض مؤشرات 2025–2026 إلى إقلاع استثماري وتحسن ملموس في التشغيل والخدمات العامة والدخل الحقيقي. وتفترض الدراسة أن القيد الرئيسي لا يعود إلى عامل واحد، بل إلى منظومة متفاعلة: ضعف الاستثمار وكفاءته، هيمنة حاجات الدولة التمويلية على القطاع المصرفي، عدم اليقين المؤسسي والتنظيمي، عجز الطاقة والتجارة، اختلال سوق العمل، والتفاوت الجهوي.
1.1 سؤال البحث المركزي
| سؤال البحث — ما الآليات التي تفسر استمرار النمو المنخفض في تونس، وما الشروط الكمية والمؤسسية اللازمة للانتقال إلى نمو مستدام يتجاوز 4% خلال الفترة 2026–2030 دون تقويض الاستقرار المالي والاجتماعي؟ |
1.2 الأسئلة الفرعية
- هل التحسن المسجل في 2025 وبداية 2026 تحول هيكلي أم تعافٍ ظرفي مدفوع بالفلاحة وقاعدة المقارنة؟
- إلى أي مدى يرتبط الاعتماد المتزايد على التمويل البنكي الداخلي بانخفاض نمو الائتمان الموجه للقطاع الخاص؟
- هل يمثل انخفاض معدل الاستثمار القيد الوحيد، أم أن انخفاض كفاءة رأس المال أكثر حسماً؟
- هل فقدت تونس التمويلات والاستثمارات الخارجية، أم تحول التمويل من دعم سيادي عام إلى تمويل موجه للمشاريع؟
- ما المسار الواقعي للدين والبطالة والنمو تحت سيناريوهات مختلفة حتى 2030؟
1.3 الفرضيات
- H1: النمو الحالي أقل من أن يولد انخفاضاً سريعاً ومستداماً في البطالة، بسبب ضعف كثافته التشغيلية والتركيب القطاعي.
- H2: توسع مطالب النظام المصرفي على الحكومة يرتبط سلبياً بنمو المطالب على القطاع الخاص، بما ينسجم مع المزاحمة المالية.
- H3: أثر الاستثمار على النمو يتوقف على كفاءة رأس المال والمؤسسات؛ لذلك لا تكفي زيادة معدل الاستثمار دون خفض ICOR الفعلي.
- H4: التمويل الدولي لم ينقطع، لكنه أصبح أكثر توجهاً نحو مشاريع محددة وأقل مرونة في دعم الموازنة.
- H5: الانتقال إلى نمو 4–5% ممكن حسابياً، لكنه مشروط بإصلاح متزامن للتمويل والطاقة والمنافسة والمؤسسات العمومية والتنفيذ.
1.4 مساهمة الدراسة
تتمثل القيمة المضافة في الجمع بين أحدث البيانات الوطنية لسنة 2026 وسلاسل دولية طويلة، وفي مصالحة الاختلافات المنهجية بين المؤسسات، وفي تقديم اختبار قياسي استكشافي للمزاحمة المالية، ومعايرة سيناريوهات نمو باستخدام الاستثمار وICOR، ثم تحويل النتائج إلى مصفوفة سياسات قابلة للقياس. ولا تدعي الدراسة بناء نموذج توازن عام أو إثبات سببية كاملة؛ بل تقدم تشخيصاً قابلاً للتكرار وقاعدة لتطوير بحث أعمق.
2. الإطار النظري ومراجعة الأدبيات
2.1 النمو، تراكم رأس المال، والإنتاجية
ينطلق نموذج سولو من أن تراكم رأس المال يرفع الناتج في الأجل المتوسط، لكن تناقص العوائد يجعل النمو الطويل الأجل معتمداً على التقدم التقني والإنتاجية الكلية للعوامل (Solow, 1956). وبالنسبة إلى تونس، يعني ذلك أن زيادة المباني والآلات لا تضمن وحدها نمواً مرتفعاً إذا تعطلت المشاريع، أو انخفضت المنافسة، أو لم تتوفر الطاقة والمهارات والأسواق.
s f(k*) = (δ + n + g) k* (1) حالة التوازن في نموذج سولو
يستخدم معامل ICOR كأداة تقريبية لربط نسبة الاستثمار بالنمو. وكلما ارتفع المعامل، احتاج الاقتصاد إلى استثمار أكبر لإنتاج نقطة نمو، وهو ما قد يعكس ضعف جودة المشاريع أو طول آجال التنفيذ أو الاختناقات المؤسسية. ولأنه مؤشر حسابي وليس علاقة بنيوية ثابتة، تستعمله الدراسة لمعايرة السيناريوهات لا للتنبؤ الحتمي.
ICOR_t = (I_t / Y_t) / g_t (2) معامل رأس المال-الإنتاج الإضافي
2.2 المزاحمة المالية والارتباط السيادي-المصرفي
تظهر المزاحمة عندما تمتص الحكومة قدراً متزايداً من المدخرات والائتمان المحليين، فتقل الموارد المتاحة للقطاع الخاص أو ترتفع كلفتها. وقد تكون المزاحمة سعرية عبر ارتفاع الفائدة، أو كمية عبر تخصيص البنوك محافظها للدين الحكومي، أو تنظيمية عبر تفضيل الأصول السيادية. وتزداد المخاطر حين تكون البنوك والدولة شديدة الترابط؛ إذ يضعف تدهور الجدارة السيادية ميزانيات البنوك، بينما يرفع ضعف البنوك كلفة إنقاذها على الدولة (King & Levine, 1993; Levine, 2005; World Bank, 2024).
في الاقتصادات ذات سوق رأسمال محدودة ورقابة على حركة رأس المال، قد تتمكن الدولة من تمويل نفسها داخلياً مدة طويلة، لكن الثمن يظهر في نمو أبطأ للائتمان المنتج والاستثمار. ولا تعني هذه الآلية أن كل دين حكومي ضار؛ فالاقتراض لتمويل بنية تحتية عالية العائد قد يزاحم الائتمان في الأجل القصير لكنه يرفعه لاحقاً. الفاصل هو استخدام الموارد، ومدة التمويل، واستدامة الدين، وكفاءة المشروع.
2.3 الدين والنمو
لا يقدم الأدب الاقتصادي عتبة واحدة صالحة لكل الدول تجعل الدين ضاراً آلياً. يتوقف الأثر على العملة، ومتوسط الاستحقاق، وحصة الدين الخارجي، وسعر الفائدة الحقيقي، والنمو، وعمق السوق المالية، وجودة الإنفاق. لذلك تتجنب الدراسة استعمال نسبة 80% أو 90% كحد إفلاس، وتركز بدلاً من ذلك على احتياجات التمويل السنوية، ومخاطر إعادة التمويل، وتكوين الدائنين، والالتزامات المحتملة للمؤسسات العمومية (Panizza & Presbitero, 2014).
2.4 التضخم، القدرة الشرائية، والسياسة النقدية
تفرق الدراسة بين انخفاض التضخم وانخفاض الأسعار. فالتضخم الأقل يعني تباطؤ الزيادة، بينما يبقى المستوى السعري المرتفع متراكماً. كما أن تمويل الخزينة مباشرة أو بصورة غير مباشرة من البنك المركزي لا يؤدي آلياً إلى تضخم فوري بنفس المقدار، لأن النتيجة تتوقف على فجوة الناتج، وسرعة تداول النقود، والطلب على السيولة، والواردات وسعر الصرف. إلا أن الاعتماد المتكرر عليه يضعف مصداقية السياسة النقدية ويزيد مخاطر الهيمنة المالية.
2.5 التشغيل وقانون أوكن
ينص قانون أوكن في صيغته التجريبية على علاقة عكسية بين نمو الناتج وتغير البطالة، لكن قوة العلاقة تختلف باختلاف مرونة سوق العمل والإنتاجية والتركيب القطاعي. وفي تونس قد يرفع النمو الزراعي أو الصناعات كثيفة رأس المال الناتج دون خلق عدد كبير من الوظائف، بينما قد تخلق الخدمات غير الرسمية وظائف منخفضة الجودة. لذلك تقيس الدراسة اتجاه العلاقة ولا تفترض معامل أوكن ثابتاً (Okun, 1962).
ΔU_t = α + β g_t + ε_t, β < 0 (3) صيغة أوكن المبسطة
2.6 الأدبيات الخاصة بتونس
وصفت دراسة «الثورة غير المكتملة» القيود التونسية بأنها ناتجة عن الامتيازات التنظيمية، وضعف المنافسة، وانقسام الاقتصاد بين قطاع مُصدر أكثر كفاءة وقطاع داخلي مقيد، بما يحد من الاستثمار والإنتاجية (World Bank, 2014). كما أبرزت دراسات سوق العمل عدم التطابق بين التعليم والمهارات المطلوبة، وارتفاع بطالة الشباب والنساء والخريجين (AfDB, 2011; ILO, 2020; World Bank, 2023).
أما تحويلات المهاجرين، فتشير الأدبيات إلى أنها تدعم الاستهلاك والاستقرار الخارجي، لكن أثرها على النمو يتوقف على الوساطة المالية والبيئة الاستثمارية. وقد وجدت دراسات على تونس علاقات إيجابية أو غير خطية بين التحويلات والنمو، مع الحاجة إلى أدوات تحول التدفقات من وظيفة تأمينية أسرية إلى تمويل استثماري منتج (Jouini, 2015; Kouni, 2016; Bouoiyour et al., 2017).
3. البيانات والمنهجية
3.1 تصميم البحث
تعتمد الدراسة مقاربة مختلطة من أربع مراحل: أولاً، تشخيص وصفي للمؤشرات الماكرو-اقتصادية والاجتماعية؛ ثانياً، تحليل مؤسساتي لهيكل التمويل والاستثمار؛ ثالثاً، تقديرات قياسية استكشافية لعلاقات النمو والائتمان والبطالة؛ رابعاً، معايرة سيناريوهات 2026–2030 باستخدام فرضيات الاستثمار وICOR والدين. هذه البنية ملائمة لورقة سياسات بحثية، لكنها لا تعوض نموذجاً هيكلياً كاملاً.
3.2 المصادر والنطاق الزمني
جدول 3. مصادر البيانات واستخداماتها
| المصدر | المتغيرات | الفترة | الاستخدام |
| INS | النمو، الأسعار، التشغيل، التجارة | 2026؛ بيانات ظرفية أولية | مرجع التحديث الوطني |
| BCT | الاحتياطي، أيام التوريد، الفائدة | حتى 22 جويلية 2026 | مؤشرات يومية/شهرية |
| وزارة المالية | الموازنة، العجز، الدين | 2025–2026 | تعريفات مالية وطنية |
| World Bank WDI | سلاسل النمو والاستثمار والائتمان والتضخم | 1990–2025 حسب السلسلة | قابلية المقارنة الزمنية |
| World Bank MPO/CPF | التوقعات والفقر والتمويل الهيكلي | 2025–2028 | توقعات ومراجعات مؤسساتية |
| IMF WEO | توقعات النمو والدين والتضخم | أفريل 2026 | تعريف الحكومة العامة |
| EBRD | القطاع المصرفي، الاستثمار، اللامساواة | 2026–2031 | تشخيص مؤسساتي |
| FIPA/UNCTAD | الاستثمار الأجنبي | 2024–2025 | تدفقات ومشاريع |
3.3 المتغيرات
جدول 4. المتغيرات الأساسية
| الرمز | التعريف | الوحدة | المصدر |
| g | نمو الناتج الحقيقي | % سنوياً | WDI/INS |
| I/Y | التكوين الإجمالي لرأس المال الثابت | % من الناتج | WDI/WB |
| Xg | نمو الصادرات الحقيقية | % | WDI |
| FDI | تدفقات الاستثمار الأجنبي | % من الناتج | WDI |
| π | تضخم أسعار المستهلك | % | WDI/INS |
| U | البطالة | % من قوة العمل | ILO/INS |
| Cg | نمو مطالب البنوك على الحكومة | نقطة من M3 | WDI |
| Cp | نمو مطالب البنوك على القطاع الخاص | نقطة من M3 | WDI |
3.4 النماذج القياسية
يقدّر نموذج النمو بالعادية الصغرى مع أخطاء معيارية HAC، نظراً لاحتمال عدم تجانس التباين والارتباط الذاتي في عينة سنوية صغيرة. ويستعمل الاستثمار بفجوة سنة لتقليل التزامن المباشر، دون الادعاء بحل كامل لمشكلة السببية العكسية.
g_t = α + β₁(I/Y)_{t-1} + β₂Xg_t + β₃FDI_t + β₄π_t + β₅g_{t-1} + ε_t (4) نموذج النمو الاستكشافي
يختبر نموذج المزاحمة ما إذا كان نمو المطالب على الحكومة يرتبط بتراجع نمو المطالب على القطاع الخاص، مع التحكم في النمو والتضخم. وتستعمل المتغيرات بصيغة التدفقات كنسبة من M3، وهي أكثر ملاءمة من مستويات غير مستقرة زمنياً.
Cp_t = α + β₁Cg_t + β₂g_t + β₃π_t + ε_t (5) نموذج المزاحمة المالية
أما معادلة أوكن فتربط تغير البطالة بالنمو وبالتغير المتأخر في البطالة. ونظراً لصغر العينة والصدمات الكبيرة، تعد النتائج وصفية لاتجاه العلاقة لا تقديراً نهائياً لمعامل هيكلي.
ΔU_t = α + β₁g_t + β₂ΔU_{t-1} + ε_t (6) نموذج كثافة التشغيل
3.5 اختبارات الاستقرارية والمتانة
أظهرت اختبارات ديكي-فولر الموسعة أن نمو الناتج ونمو الصادرات مستقران في المستوى، بينما كانت نسبة الاستثمار والتضخم في المستوى وبعض نسب المطالب المصرفية غير مستقرة أو ضعيفة الاستقرارية. لذلك جرى استخدام النمو أو الفروق في نموذج المزاحمة، مع إبقاء النموذج العام استكشافياً. كما أُعيد تقدير نموذج المزاحمة بعد استبعاد سنة 2020، واستُخدم تقدير متين من نوع Huber للتحقق من عدم هيمنة القيم الشاذة.
3.6 حدود الاستدلال
- العينات السنوية صغيرة، خصوصاً للفترة بعد
- التزامن بين النمو والاستثمار والائتمان يحد من الاستدلال السببي.
- توجد انقطاعات وتعديلات في بعض السلاسل الوطنية والدولية.
- لا يقيس النموذج جودة المؤسسات أو عدم اليقين التنظيمي مباشرة.
- المحاكاة السيناريوية معايرة مشروطة وليست تنبؤاً احتماليا.
4. التشخيص الماكرو-اقتصادي: من التعافي إلى فخ النمو
4.1 النمو: تحسن سنوي وهشاشة فصلية
سجل الناتج الحقيقي نمواً سنوياً قدره 2.6% في الثلاثي الأول من 2026، مدفوعاً بارتفاع القيمة المضافة الفلاحية 6.8%، والصناعات المعملية 3.1%، والخدمات 2.2%، بينما تراجع البناء 7.1%. غير أن الناتج انكمش 0.3% على أساس فصلي معدل موسمياً. وتكشف هذه الصورة أن التعافي لا يزال غير متوازن، وأن الاعتماد على موسم فلاحي أفضل يرفع التقلب ويحد من استدامة النمو (INS, 2026a).
الشكل 1. نمو الناتج الحقيقي في تونس، 2000–2028 (السنوات 2026–2028 توقعات البنك الدولي). المصدر: WDI؛ World Bank (2026a).
استعاد الاقتصاد مستوى الناتج السابق للجائحة ببطء، لكن نصيب الفرد والإنتاجية لم يدخلا مساراً قوياً. ويعني نمو بنحو 2.1–2.5% في 2026 أن الزيادة قد لا تتجاوز كثيراً نمو السكان والإنتاجية الضعيفة، وأن هامش تخفيض البطالة والدين يظل محدوداً. ويختلف تقدير صندوق النقد عن البنك الدولي، لكن الفارق بين 2.1% و2.5% لا يغير التشخيص البنيوي: النمو دون مستوى التحول.
4.2 الاستثمار: الانخفاض والكفاءة
تظهر مراجعة البنك الدولي أن معدل الاستثمار انخفض بنحو ثماني نقاط مئوية مقارنة بمتوسط 2015–2019 ليبلغ 12.8% من الناتج في متوسط 2022–2024 وفق تعريف المراجعة. في المقابل تسجل WDI نسبة 15.2% في 2024 وفق مراجعة وتعريف مختلفين. لا ينبغي اعتبار أحد الرقمين خطأ؛ فالفروق قد تنتج عن قياس الاستثمار الكلي مقابل التكوين الثابت أو تحديث الحسابات القومية. لكن كلاهما يؤكد أن المعدل أدنى من احتياجات تحديث البنية والطاقة والصناعة.
الشكل 2. التكوين الإجمالي لرأس المال الثابت كنسبة من الناتج. المصدر: World Bank WDI.
تكمن المشكلة الثانية في كفاءة الاستثمار. بلغ وسيط ICOR المحسوب نحو 5.6 في 2000–2010، ثم ارتفع إلى نحو 9.3 في 2011–2019، وإلى 12.5 في 2015–2019. ورغم تحسنه في السنوات الإيجابية بعد الجائحة، تظل النتيجة شديدة الحساسية للتقلب. ويشير الارتفاع التاريخي إلى أن الاستثمار بعد 2011 ولد نمواً أقل لكل وحدة رأسمال، وهو ما يتسق مع تأخر المشاريع والاختناقات التنظيمية والطاقة وعدم اليقين.
جدول 5. مؤشرات ICOR التاريخية التقريبية في سنوات النمو الموجب فوق 0.5%
| الفترة | الوسيط | المتوسط | عدد السنوات المحتسبة |
| 2000-2010 | 5.58 | 6.85 | 11 |
| 2011-2019 | 9.25 | 11.40 | 8 |
| 2015-2019 | 12.54 | 13.80 | 5 |
| 2021-2024 | 5.93 | 6.23 | 3 |
| قراءة منهجية — ICOR المرتفع لا يثبت أن كل المشاريع غير منتجة؛ فقد يرتفع بعد الأزمات بسبب طاقات إنتاج معطلة أو تأخر أثر الاستثمار. لكنه ينبه إلى أن رفع الاستثمار دون إصلاح التنفيذ قد يزيد الدين أكثر مما يزيد النمو. |
4.3 التضخم والطلب الداخلي
تراجع تضخم الاستهلاك إلى 5.3% في جوان 2026 مقارنة بذروة تجاوزت 9% في 2023، لكن تضخم الغذاء بلغ 7.1%. ويعكس ذلك استمرار ضغط أسعار المواد الأساسية والواردات والمناخ وهوامش التوزيع. كما أن الطلب الداخلي ارتفع في الثلاثي الأول، بينما زادت الواردات الحقيقية 9.3% مقابل نمو الصادرات 4.2%، ما يعني أن جانباً من الطلب يتسرب إلى الخارج ويضغط على الميزان التجاري (INS, 2026a; INS, 2026b).
الشكل 3. التضخم والبطالة وفق السلاسل الدولية، 2010–2025. المصدر: World Bank WDI/ILO modeled estimate.
4.4 المصالحة بين التقديرات المؤسسية
جدول 6. مصالحة أبرز الفروق المنهجية بين المصادر
| المؤشر | البنك الدولي | صندوق النقد | المصدر الوطني | سبب الاختلاف |
| نمو 2026 | 2.5% | 2.1% | — | اختلاف نموذج وتاريخ التوقع |
| الدين 2025/2026 | 82.2% في 2025؛ 83.3% في 2026 | 84.9% في 2026 | 82.1% في 2025 | الحكومة العامة مقابل تعريف وطني/نطاق المؤسسات |
| التضخم 2026 | 5.5% متوسط سنوي | 7.0% نهاية فترة بحسب WEO | 5.3% جوان | متوسط سنوي ≠ نهاية فترة ≠ قراءة شهرية |
| الاستثمار | 12.8% متوسط 2022–24 في مراجعة CPF | — | — | WDI يسجل 15.2% في 2024؛ اختلاف تعريف/مراجعة |
5. المالية العمومية والقطاع المالي: الاستقرار قصير الأجل ومخاطر المزاحمة
5.1 الدين ليس رقماً منفرداً
بلغ الدين العمومي وفق بيانات وزارة المالية نحو 82.1% من الناتج في 2025، بينما تتوقع تقديرات البنك الدولي 83.3% في 2026، ويعطي صندوق النقد رقماً أعلى تحت تعريف الحكومة العامة. وفي جميع الحالات، لا تتمثل الخطورة في النسبة وحدها، بل في احتياجات التمويل السنوية، وارتفاع حصة التمويل الداخلي، ومتوسط الاستحقاق، ومخاطر المؤسسات العمومية، وحساسية الموازنة للطاقة والفائدة.
يؤدي الاعتماد على السوق المحلية إلى تقليل مخاطر سعر الصرف مقارنة بالدين الخارجي، لكنه ينقل العبء إلى البنوك والمؤسسات المالية الوطنية. وقد يصبح استقرار الخزينة على المدى القصير على حساب قدرة الاقتصاد الخاص على التوسع، خصوصاً إذا كانت البنوك تفضل السندات الحكومية على القروض الاستثمارية التي تتطلب تقييماً ومتابعة ورأس مال رقابياً.
5.2 بنية القطاع المصرفي والارتباط السيادي
يمثل النظام المصرفي قرابة كامل الأصول المالية في تونس، بينما تظل أسواق رأس المال والتمويل غير المصرفي محدودة. وتشير استراتيجية EBRD 2026–2031 إلى أن تعرض البنوك للسيادة تضاعف أكثر من ثلاث مرات بين 2015 و2023، وبلغ نحو 22% من الأصول، وأن إقراض القطاع العام بلغ 26% من إجمالي القروض، مع قروض متعثرة تقارب 14% في 2023. هذا التركيب يحد من قدرة البنوك على تحمل مخاطر مؤسسات جديدة وصغرى (EBRD, 2026a).
الشكل 4. الائتمان للقطاع الخاص ومطالب النظام المصرفي على الحكومة كنسبة من الناتج. المصدر: World Bank WDI.
الشكل 5. نمو المطالب المصرفية على الحكومة والقطاع الخاص كنقاط من M3. المصدر: World Bank WDI.
5.3 التمويل النقدي والهيمنة المالية
يمكن لتمويل استثنائي من البنك المركزي أن يمنع اضطراباً فورياً في السداد، لكن تكراره يضعف الفصل بين السياسة المالية والنقدية. وقد لا يظهر الأثر التضخمي مباشرة إذا عُوض بسحب سيولة أو بارتفاع الطلب على النقود أو بتراجع الائتمان الخاص، إلا أن المخاطر تتراكم عبر توقعات التضخم، والضغط على الاحتياطي، وتآكل استقلالية البنك المركزي، وزيادة الاعتماد على أدوات إدارية.
| قاعدة سياساتية — ينبغي ألا يكون المعيار «منع التمويل المباشر مطلقاً» أو «اعتباره مالاً مجانياً»، بل تحديد سقف ومدة واستخدام واضح، ونشر أثره النقدي، وربطه بخطة عودة إلى التمويل العادي. |
6. القطاع الخارجي والاستثمار والتمويل الدولي
6.1 التجارة والعجز الخارجي
بلغت صادرات السلع 34.645 مليار دينار خلال السداسي الأول من 2026، مقابل واردات قدرها 47.215 ملياراً، أي عجز يقارب 12.57 مليار دينار. وارتفعت الصادرات نحو 9% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، لكن الواردات ارتفعت 13.3%، فانخفضت نسبة التغطية إلى قرابة 73.4%. ويشير ذلك إلى أن تحسن الصادرات لم يكن كافياً لمعادلة نمو الطلب على الطاقة والسلع الوسيطة والرأسمالية والاستهلاكية (INS, 2026d).
الشكل 6. صادرات وواردات السلع في السداسي الأول من 2025 و2026. المصدر: INS؛ حسابات الدراسة.
ليس كل ارتفاع في الواردات سلبياً؛ فزيادة واردات الآلات والمكونات قد تسبق توسعاً إنتاجياً. لذلك يجب تحليل التركيب لا الرقم الإجمالي. غير أن التبعية الطاقية وارتفاع الواردات الاستهلاكية يضغطان على الحساب الجاري والاحتياطي دون خلق قدرة تصديرية مقابلة.
6.2 الاحتياطي وسعر الصرف
بلغ صافي الموجودات من العملة الأجنبية 23.052 مليار دينار في 22 جويلية 2026، ما يعادل 91 يوم توريد، مع معدل فائدة مديري 7%. يمثل هذا المستوى هامش أمان قابلاً للإدارة، لكنه محدود أمام صدمة طاقة أو جفاف أو تراجع سياحي. وتبقى السياحة وتحويلات الجالية من أهم مصادر الاستقرار الخارجي، بينما لا تزال تدفقات الاستثمار الأجنبي أقل من المطلوب لتمويل التحول (BCT, 2026).
6.3 هل خسرت تونس التمويلات؟
توضح محافظ المؤسسات متعددة الأطراف أن التمويل لم ينقطع، لكنه تحول. فقد استمرت مشاريع الأمن المائي والطرق والطاقة الشمسية والاتصالات والحماية الاجتماعية والفيضانات وتمويل التجارة. واستثمر EBRD نحو 398 مليون يورو في 12 مشروعاً خلال 2025، وأطلق تمويلات للجيل الخامس والألياف والطاقة الخضراء. كما موّل البنك الدولي برنامجاً للأمن المائي بقيمة 332.5 مليون دولار، وقدم البنك الإفريقي تمويلات للطرق والإصلاح والاندماج الاقتصادي.
جدول 7. أمثلة على استمرار التمويل التنموي الموجه
| الممول | البرنامج | القيمة المعلنة | الطبيعة |
| البنك الدولي | الأمن المائي | 332.5 مليون دولار | بنية وإدارة المياه |
| EBRD | محفظة تونس 2025 | 398 مليون يورو / 12 مشروعاً | اتصالات، طاقة، قطاع خاص |
| EBRD/اتصالات تونس | 5G والألياف | حتى 190 مليون يورو | ربط رقمي وتحديث الشبكة |
| البنك الإفريقي | طرق في سبع ولايات | 80.16 مليون يورو | الربط الجهوي والسلامة |
| البنك الإفريقي | إصلاحات واندماج ونمو أخضر | نحو 294 مليون يورو | تمويل سياساتي مشروط |
| البنك الإفريقي | CAP Emploi | 90 مليون يورو + منحة | التشغيل وريادة الأعمال |
| البنك الدولي | الحماية من الفيضانات | 50 مليون دولار تمويل إضافي | المرونة المناخية |
وعليه، فالمشكلة ليست قطيعة دولية كاملة، بل تراجع التمويل السيادي المرن وصعوبة النفاذ إلى سوق السندات، مقابل استمرار التمويل المخصص الذي يخضع لمؤشرات ومشتريات ومتابعة. وهذا التحول يقلص قدرة الحكومة على سد العجز العام، لكنه قد يرفع جودة الإنفاق إذا تحسن التنفيذ.
6.4 الاستثمار الأجنبي وتحويلات الجالية
ارتفع الاستثمار الدولي المعلن وفق FIPA في 2024 و2025، وتركز بصورة كبيرة في الصناعة والطاقة والخدمات. غير أن تدفقات FDI كنسبة من الناتج تظل محدودة مقارنة بحاجات التمويل، بينما تبلغ التحويلات الشخصية حصة أكبر بكثير. ويعني ذلك أن تونس تستفيد من جاليتها كصمام استقرار وتحويل دخل، أكثر مما تستفيد منها كقناة رأسمال مخاطر وتقنية وشبكات سوق.
الشكل 7. الاستثمار الأجنبي المباشر والتحويلات الشخصية كنسبة من الناتج. المصدر: World Bank WDI.
7. سوق العمل، الفقر، والتفاوت الجهوي
7.1 البطالة الهيكلية
بلغ عدد العاطلين 641.7 ألفاً في الثلاثي الأول من 2026، ونسبة البطالة 15%. وبلغت بطالة الشباب 37.5%، بينما بلغت بطالة حاملي الشهادات العليا 24.2% ووصلت إلى نحو 32% لدى النساء. تكشف هذه الأرقام أن المشكلة لا تقتصر على تباطؤ الدورة الاقتصادية؛ بل تشمل عدم تطابق المهارات، وضعف الاستثمار في القطاعات كثيفة المعرفة، والتمييز الجهوي والجندري، وطول الانتقال من الدراسة إلى العمل (INS, 2026c).
تعمل نسبة كبيرة من المشتغلين في القطاع غير المنظم، وتقدر استراتيجية EBRD أن العمل غير الرسمي يمثل 44% من التشغيل الخاص، مقابل 35% في القطاع الخاص الرسمي و21% في القطاع العام. يخفف القطاع غير الرسمي البطالة الظاهرة لكنه يضعف الإنتاجية والحماية الاجتماعية والجباية، ويجعل الصدمات أكثر كلفة على الأسر.
7.2 النمو وكثافة التشغيل
أظهر نموذج أوكن الاستكشافي معاملاً سالباً للنمو، أي إن ارتفاع النمو يرتبط باتجاه انخفاض البطالة، لكن المعامل لم يبلغ دلالة 5% في العينة 1992–2025. وتتسق هذه النتيجة مع ضعف كثافة التشغيل وعدم استقرار العلاقة بسبب الصدمات والتغيرات المنهجية. لذلك لا يكفي استهداف رقم نمو كلي؛ بل يجب توجيه مزيج القطاعات نحو فرص عمل منتجة.
7.3 الفقر والتفاوت الجهوي
تظهر آخر البيانات التفصيلية المتاحة تفاوتاً حاداً: نحو 4.7% في تونس الكبرى مقابل 22.5% في الشمال الغربي و37% في الوسط الغربي. كما ارتفع معامل جيني من 32.8 في 2015 إلى 33.7 في 2021. وتشكل هذه الفجوات قيداً على النمو لأنها تحرم مناطق من البنية والمهارات والأسواق، وتزيد الهجرة الداخلية والخارجية، وتضعف الثقة في الدولة (World Bank, 2025a).
الشكل 8. معدلات الفقر الجهوية المختارة وفق آخر تقديرات تفصيلية متاحة. المصدر: World Bank (2025a) استناداً إلى البيانات الوطنية.
7.4 القدرة الشرائية والطبقة الوسطى
تراجع التضخم لا يعيد الأجور الحقيقية المفقودة تلقائياً. وإذا ارتفعت الأسعار التراكمية أسرع من الأجور خلال عدة سنوات، فإن تثبيت التضخم عند 5% يبقي مستوى المعيشة تحت الضغط. كما أن تدهور الخدمات العامة يدفع الأسر إلى شراء خدمات خاصة في الصحة والتعليم والنقل، وهو ما يعمل كضريبة غير مرئية على الطبقة الوسطى.
8. النتائج القياسية الاستكشافية
8.1 نموذج النمو 2000–2024
جدول 8. نتائج نموذج النمو الاستكشافي
| المتغير | المعامل | HAC SE | t | p |
| الثابت | 2.529 | 6.025 | 0.42 | 0.675 |
| الاستثمار المتأخر | -0.012 | 0.225 | -0.06 | 0.956 |
| نمو الصادرات | 0.189** | 0.088 | 2.15 | 0.031 |
| FDI / الناتج | 0.534** | 0.212 | 2.52 | 0.012 |
| التضخم | -0.347 | 0.263 | -1.32 | 0.188 |
| النمو المتأخر | -0.082 | 0.094 | -0.87 | 0.384 |
بلغ عدد المشاهدات 25، ومعامل التحديد R² = 0.525 وR² المعدل = 0.400. يرتبط نمو الصادرات بالنمو بمعامل موجب يقارب 0.189 ودلالة عند 5%، ويرتبط FDI بمعامل موجب يقارب 0.534 ودلالة قوية. أما نسبة الاستثمار المتأخرة فلا تظهر دلالة مستقرة. لا يعني ذلك أن الاستثمار غير مهم؛ بل إن مستوى الاستثمار وحده قد لا يلتقط الكفاءة والتركيب والفجوات الزمنية، كما أن الاستثمار نفسه يتأثر بالنمو.
| التفسير الصحيح — النتائج تقيس ارتباطات مشروطة داخل عينة صغيرة؛ ولا يجوز تحويل معاملات FDI أو الصادرات إلى مضاعفات سببية أو توقعات آلية. |
8.2 نموذج المزاحمة المالية 2010–2025
جدول 9. نتائج نموذج نمو الائتمان الخاص والمزاحمة المالية
| المتغير | المعامل | HAC SE | t | p |
| الثابت | 15.057*** | 1.633 | 9.22 | 0.000 |
| نمو مطالب الحكومة | -0.509** | 0.211 | -2.41 | 0.016 |
| نمو الناتج | -0.164** | 0.080 | -2.06 | 0.040 |
| التضخم | -1.118*** | 0.292 | -3.83 | 0.000 |
بلغ R² = 0.575. جاء معامل نمو مطالب الحكومة سالباً عند -0.509 وبقيمة p = 0.016. وبقراءة تقريبية، ترتبط زيادة نقطة مئوية واحدة في نمو مطالب الحكومة كنسبة من M3 بانخفاض يقارب نصف نقطة في نمو المطالب على القطاع الخاص، بعد التحكم في التضخم والنمو. وظل المعامل قريباً من -0.501 ودالاً عند استبعاد 2020.
جاء التضخم سالباً ودالاً، وهو ما قد يعكس تشديد السياسة النقدية، وتآكل القيمة الحقيقية للائتمان، وارتفاع المخاطر والكلفة. أما معامل النمو فكان حساساً جداً لسنة الجائحة وفقد دلالته عند استبعادها، لذلك لا يُفسر بنيوياً.
8.3 نموذج أوكن
جدول 10. نموذج تغير البطالة
| المتغير | المعامل | HAC SE | t | p |
| الثابت | 0.488 | 0.451 | 1.08 | 0.280 |
| نمو الناتج | -0.172* | 0.104 | -1.65 | 0.099 |
| تغير البطالة المتأخر | -0.025 | 0.117 | -0.21 | 0.832 |
بلغ معامل نمو الناتج -0.172، أي اتجاه عكسي كما تتوقع النظرية، لكنه لم يكن دالاً عند 5% (p = 0.099). تشير النتيجة إلى أن النمو في تونس لا يتحول بطريقة مستقرة وسريعة إلى خفض البطالة، بسبب التركيب القطاعي، وعدم الرسمية، وتغير المشاركة في سوق العمل، والهجرة، والصدمات.
8.4 اختبارات المتانة والتشخيص
جدول 11. ملخص التشخيص والمتانة
| النموذج | الملاءمة | الارتباط الذاتي | الخلاصة |
| نموذج النمو | n=25; R²=0.525 | Durbin-Watson=2.10 | حساسية للصدمات؛ بواقي غير طبيعية جزئياً |
| نموذج المزاحمة | n=16; R²=0.575 | Durbin-Watson=2.18 | المعامل الحكومي متين دون 2020 |
| نموذج أوكن | n=33; R²=0.176 | Durbin-Watson=1.93 | اتجاه صحيح ودلالة ضعيفة |
9. سيناريوهات تونس 2026–2030
9.1 منهج المعايرة
لا تقدم السيناريوهات توقعات رسمية أو احتمالات رقمية، بل مسارات مشروطة. يبدأ المسار المرجعي بتوقعات البنك الدولي 2026–2028، ثم يمددها بحذر. ويُبنى مسار الإصلاح على ارتفاع الاستثمار وتحسن ICOR، بينما يضيف السيناريو السلبي صدمة طاقة أو مناخ وتمويل. أما الدين فيُعاير وفق اتجاه النمو والعجز الأولي والفائدة، دون ادعاء نموذج استدامة دين كامل.
جدول 12. فرضيات السيناريوهات
| السيناريو | الاستثمار/الناتج | ICOR الفعلي | النمو قرب 2030 | الفرضية المؤسسية |
| استمرار الوضع | 15–16% | 7–8 | 2.2–2.5% | تمويل داخلي مرتفع؛ إصلاحات محدودة |
| إصلاح جزئي | 17–18% | 5–6 | 3.0–3.7% | تحسين التراخيص والطاقة والائتمان |
| تحول استثماري | 19–20% | 4–4.5 | 4.2–5.0% | تنفيذ مؤسساتي متزامن ومنافسة وصادرات |
| صدمة سلبية | 13–15% | 8–10 | 1.0–2.2% | طاقة/جفاف/تراجع سياحة وتمويل |
الشكل 9. معايرة مسارات نمو الناتج، 2026–2030. إعداد الدراسة؛ 2026–2028 في المرجعي مستندة إلى World Bank (2026a).
الشكل 10. مسارات توضيحية للدين العمومي، 2026–2030. إعداد الدراسة؛ ليست توقعات رسمية.
9.2 السيناريو المرجعي: توازن منخفض النمو
يفترض استمرار النمو حول 2.2–2.5%، وبقاء الاستثمار ضعيفاً والتمويل الداخلي مرتفعاً. تستطيع الدولة في هذا المسار خدمة الالتزامات الأساسية، لكن الدين ينخفض ببطء، والبطالة تظل قرب 14–16%، وتتواصل هجرة الكفاءات وتراجع جودة رأس المال العمومي. هذا هو السيناريو الأكثر اتساقاً مع الاتجاهات الحالية إذا لم تحدث صدمة أو إصلاح كبير.
9.3 سيناريو الإصلاح الجزئي
يفترض معالجة بعض الاختناقات: آجال ملزمة للتراخيص، تسريع الطاقة المتجددة، تحسين إدارة المشاريع، إعادة توجيه الائتمان، وعقود أداء للمؤسسات العمومية. يرتفع الاستثمار إلى 17–18% ويتحسن ICOR، فيبلغ النمو 3–3.7%. يسمح ذلك بتخفيض تدريجي للبطالة والدين، لكنه لا يخلق تحولاً جهوياً وصناعياً كاملاً.
9.4 سيناريو التحول الاستثماري
يجمع بين رفع الاستثمار إلى 19–20% وتحسين كفاءته، وتوسيع الصادرات، وإصلاح سوق الائتمان، وربط الجالية بالاستثمار، وتحديث الطاقة والمياه واللوجستيات. يمكن تحت هذه الشروط أن يتجاوز النمو 4% قرب 2029 ويقترب من 5% في 2030. لكن الفشل في خفض ICOR يجعل نفس الاستثمار يولد ديناً أعلى بدل نمو أعلى.
9.5 سيناريو الصدمة
يفترض ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة أو جفافاً أو اضطراباً أمنياً إقليمياً يؤثر في السياحة والتجارة والتمويل. ينخفض النمو إلى نحو 1–2%، ويرتفع التضخم والضغط على الاحتياطي، ويزداد التمويل النقدي. ويظهر هذا السيناريو الحاجة إلى احتياط مالي وطاقي ومائي، لا إلى توقع الصدمة فقط.
10. برنامج السياسات المقترح
10.1 المبادئ الحاكمة
- الاستقرار ليس هدفاً منفصلاً عن النمو؛ بل يجب أن يحمي القدرة الإنتاجية.
- الإصلاح الاجتماعي لا يساوي التقشف؛ بل إعادة توجيه الموارد نحو المستحقين والاستثمار.
- الاستثمار الخاص المحلي هو الاختبار الأول للثقة قبل الاستثمار الأجنبي.
- كل إصلاح يجب أن يحدد كلفته، ومسؤوله، وأجله، ومؤشر قياسه.
- تسلسل الإصلاحات ضروري لتجنب صدمات الأسعار والبطالة وعدم الثقة.
10.2 المحور الأول: عقد ثقة مالي ونقدي
تحتاج تونس إلى إطار مالي متوسط المدى منشور يشمل الدين المباشر، وضمانات المؤسسات العمومية، والمتأخرات، والتمويل من البنك المركزي، وجدول الاستحقاقات. ويجب وضع سقف سنوي للتمويل الاستثنائي، وخطة رجوع، وتقرير مشترك للمالية والبنك المركزي عن أثره على السيولة والتضخم والاحتياطي.
10.3 المحور الثاني: تحرير الاستثمار والتنفيذ
يجب الانتقال من منطق الترخيص المفتوح زمنياً إلى آجال قانونية قصوى وقرار معلل، مع منصة واحدة تتبع الملف، وموافقة ضمنية في الأنشطة منخفضة المخاطر، ومحاكم تجارية متخصصة، وسجل رقمي للعقار الصناعي، واستقرار تعاقدي وجبائي للمشاريع الكبرى. ولا ينبغي أن يكون الهدف زيادة عدد التراخيص الصادرة، بل تقليص الزمن من القرار إلى الإنتاج.
10.4 المحور الثالث: إصلاح الائتمان والقطاع المصرفي
يُقترح مسار تدريجي لتقليص انكشاف البنوك على الدولة، دون صدمة مفاجئة لسوق الدين. ويتضمن تطوير سندات مؤسسات، وضمانات ائتمانية للمصدرين والمؤسسات الصغرى، وإصلاح البنوك العمومية، ومعالجة القروض المتعثرة، وفتح المجال لرأس المال المخاطر والتكنولوجيا المالية، ونشر بيانات فصلية عن توزيع الائتمان حسب حجم المؤسسة والجهة والقطاع.
10.5 المحور الرابع: سياسة صناعية وتصديرية
تملك تونس ميزة القرب من أوروبا وكفاءات هندسية وقاعدة صناعية في الميكانيك والكهرباء والنسيج والخدمات. ينبغي تحويل هذه القاعدة نحو الإلكترونيات المضمنة، ومكونات السيارات الكهربائية، والطيران، والأجهزة الطبية، والبرمجيات والأمن السيبراني، والصناعات الغذائية عالية القيمة، والتدوير والمعادن. ويجب قياس النجاح بالقيمة المضافة المحلية والموردين التونسيين، لا بقيمة الصادرات الخام فقط.
10.6 المحور الخامس: الطاقة والمياه واللوجستيات
عجز الطاقة قيد على التجارة والاستثمار معاً. يتطلب المسار تسريع الشمس والرياح والتخزين وتحديث الشبكة والربط ELMED، وتبسيط الإنتاج الذاتي للمؤسسات. وفي المياه، يجب الجمع بين تقليل التسرب، وإعادة الاستخدام، والتحلية بالطاقة المتجددة، وتسعير يحمي الحاجات الأساسية ويحد من الهدر. كما يجب ربط المناطق الداخلية بممرات لوجستية وموانئ ومناطق صناعية فعالة.
10.7 المحور السادس: الجالية ورأس المال البشري
لا يكفي إصدار سندات للجالية دون ثقة. تقترح الدراسة صناديق مشاريع شفافة بالعملة، وحوكمة مستقلة، وتقارير أثر، وإمكانية تداول أو خروج، ومنصة لتصدير الخدمات الهندسية والمعرفية من داخل تونس. كما ينبغي إنشاء مسارات عودة مؤقتة للكفاءات، وعقود بحث وتدريس واستشارة، وربط الجامعات بمشاريع الشركات.
10.8 المحور السابع: الحماية الاجتماعية والتشغيل
ينبغي تحويل الدعم العام تدريجياً إلى حماية موجهة بعد بناء سجل اجتماعي موثوق وآلية تظلم، مع الحفاظ على سلة أساسية ونقل وطاقة للفئات الهشة. ويجب ربط التكوين المهني بعقود طلب من المؤسسات، وقياس البرامج بنسبة الإدماج والأجر والاستمرارية بعد 12 شهراً، لا بعدد المسجلين فقط.
جدول 13. مصفوفة التنفيذ والمتابعة
| المجال | الإجراء | المسؤول | الأجل | مؤشر الأداء |
| شفافية الدين والتمويل | نشر إطار مالي 3 سنوات وسقف تمويل BCT | المالية + BCT | 2026–2027 | احتياجات التمويل؛ التمويل النقدي/الناتج |
| التراخيص | آجال قصوى ومنصة قرار واحدة | رئاسة الحكومة + الاستثمار | 6–18 شهراً | المدة الوسيطة لبدء المشروع |
| الائتمان | خفض تدريجي للانكشاف السيادي وتطوير الضمانات | BCT + المالية + البنوك | 2027–2030 | حصة القطاع الخاص من نمو الائتمان |
| المؤسسات العمومية | عقود أداء ونشر التكاليف والديون | رئاسة الحكومة | 2026–2029 | التحويلات والعجز وجودة الخدمة |
| الطاقة | تسريع مشاريع متجددة وشبكة وتخزين | الطاقة + STEG | 2026–2030 | MW جديدة؛ خفض عجز الطاقة |
| المياه | تقليل التسرب وإعادة الاستخدام والتحلية | الفلاحة + البيئة | 2026–2030 | فاقد الشبكة؛ م3 معالجة/محلاة |
| الصناعة | سلاسل قيمة محلية وموردون وصادرات تقنية | الصناعة + CEPEX | 2027–2030 | قيمة مضافة محلية؛ موردون تونسيون |
| الجالية | صناديق وسندات مشاريع محكومة | المالية + الخارجية | 2027 | استثمار الجالية غير العقاري |
| التشغيل | تكوين تعاقدي حسب طلب الشركات | التشغيل + التعليم | سنوي | إدماج 12 شهراً؛ الأجر الوسيط |
| الجهات | ممرات لوجستية ومناطق إنتاج مرتبطة بالموانئ | التجهيز + النقل | 2027–2032 | استثمار وتشغيل حسب الولاية |
10.9 ترتيب الأولويات
جدول 14. التسلسل الزمني المقترح
| المرحلة | الأولويات |
| أول 100 يوم | نشر بيانات الدين والضمانات؛ منصة متابعة المشاريع؛ قائمة الاختناقات الطاقية والمائية؛ بيانات توزيع الائتمان. |
| السنة الأولى | سقف تمويل البنك المركزي؛ آجال التراخيص؛ عقود أداء للمؤسسات الكبرى؛ ضمان ائتماني للمصدرين؛ سجل اجتماعي وتظلم. |
| 2027–2028 | مشاريع شبكة وطاقة وتخزين؛ إصلاح البنوك العمومية؛ ممرات جهوية؛ صناديق الجالية؛ تكوين تعاقدي. |
| 2029–2030 | تقييم الأثر؛ خفض الدين والانكشاف السيادي؛ توسيع الصناعات التقنية؛ تعميم الإصلاح الناجح جهوياً. |
11. المخاطر والقيود العلمية والسياساتية
11.1 مخاطر التنفيذ
- مقاومة المصالح المستفيدة من التراخيص والامتيازات والاحتكارات.
- تنفيذ إصلاح الدعم قبل اكتمال الاستهداف وآلية التظلم.
- خفض تمويل الدولة من البنوك بسرعة دون بدائل، بما يخلق أزمة سيولة سيادية.
- رفع الاستثمار العام دون قدرة تنفيذ، فيرتفع الدين و
- تعدد الهياكل المسؤولة وغياب مركز قرار ومتابعة.
- الصدمات المناخية والطاقة والجغرافيا السياسية.
11.2 القيود الإحصائية
لا تزال أحدث بيانات الفقر المفصلة أقدم من مؤشرات النشاط والأسعار، كما يصعب قياس الاقتصاد غير المنظم وهجرة الكفاءات ورأس المال الخاص الخارج من البلاد. وتختلف بعض التعريفات بين WDI والحسابات الوطنية، وقد تُراجع بيانات 2025–2026. لذلك ينبغي تحديث الدراسة سنوياً وإعادة التقدير عند توفر قاعدة أطول.
11.3 القيود القياسية
لا تستخدم الدراسة أدوات خارجية أو صدمات شبه تجريبية تسمح بإثبات السببية. وقد تكون مطالب الحكومة والائتمان الخاص والتضخم محددة بصورة متزامنة. كما أن عدد المشاهدات السنوية بعد 2010 محدود. وللبحث اللاحق، يُقترح بناء قاعدة فصلية واستخدام SVAR أو Local Projections، أو بيانات بنكية/مؤسساتية جزئية، أو نموذج بانل مقارن مع دول متوسطية.
11.4 أجندة بحث لاحقة
- بناء نموذج استدامة دين ديناميكي يتضمن المؤسسات العمومية والضمانات.
- تقدير مضاعفات الاستثمار العام حسب القطاع باستخدام بيانات فصلية.
- قياس أثر انكشاف كل بنك على الدولة في ائتمان المؤسسات الصغرى.
- تقدير خسائر هجرة الكفاءات ومكاسب شبكات الجالية.
- إنشاء مصفوفة مدخلات-مخرجات محدثة لقياس القيمة المضافة المحلية للصادرات.
- نمذجة أثر الطاقة المتجددة والتخزين على الميزان التجاري والنمو.
12. الخاتمة
تخلص الدراسة إلى أن وصف تونس بأنها دولة مفلسة لا تدعمه المؤشرات المتاحة، كما أن وصفها بأنها دخلت مرحلة تعافٍ مستقر لا تدعمه بنية الاستثمار والتشغيل والتمويل. الواقع هو توازن منخفض النمو: الدولة تسدد وتدفع وتستورد الأساسيات، لكن الاقتصاد لا يراكم رأس مالاً وإنتاجية وثقة بالسرعة المطلوبة.
لم تخسر تونس كل رؤوس الأموال أو المشاريع. ما خسرته بدرجة أكبر هو قابلية تحويل الإمكانات إلى استثمار سريع ومنتج: سنوات من التأخير، وارتفاع كلفة عدم اليقين، واتساع الارتباط بين الدولة والبنوك، وضعف الاندماج الجهوي، وهجرة الكفاءات. وفي المقابل لا تزال البلاد تمتلك قاعدة صناعية، وقرباً من أوروبا، وجالية قوية، ورأس مال بشرياً، ومؤسسات دولة قابلة للإصلاح، وفرصاً في الطاقة والمياه والتكنولوجيا.
الرسالة الأساسية لصانع القرار هي أن زيادة الإنفاق أو التقشف وحدهما لن يحلا المشكلة. المطلوب إعادة هندسة تخصيص الموارد: تحويل التمويل من تغطية الماضي إلى بناء القدرة الإنتاجية، وتحويل الدعم من عام إلى موجه، وتحويل الجالية من تحويلات استهلاك فقط إلى رأس مال وشبكات، وتحويل الاستثمار من تراخيص إلى إنتاج فعلي، وتحويل المؤسسات العمومية من التزامات غير شفافة إلى عقود أداء.
| الحكم النهائي — يمكن لتونس أن تبلغ نمواً يتجاوز 4% قبل نهاية العقد، لكن ليس بمجرد انتظار موسم فلاحي جيد أو تمويل خارجي جديد. الشرط هو رفع الاستثمار وتحسين كفاءته معاً، وتقليص المزاحمة، وتأمين الطاقة والمياه، وإعادة بناء الثقة المؤسسية. دون ذلك، سيكون الاستقرار الظاهري شكلاً من أشكال التراجع النسبي البطيء. |
لطفي برق الليل




