وطنية

البطالة في تونس تتراجع إلى 14.9% في الثلاثي الثاني.. وبطالة حاملي الشهائد العليا تقفز إلى 26.6%

أظهرت مؤشرات التشغيل والبطالة للثلاثي الثاني من سنة 2026، الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، تراجعاً طفيفاً في نسبة البطالة في تونس إلى 14.9% مقابل 15% خلال الثلاثي الأول، بالتوازي مع انخفاض عدد السكان النشيطين والمشتغلين.

ورغم أن التراجع المسجل في البطالة قد يبدو إيجابياً للوهلة الأولى، فإن الأرقام تكشف في المقابل عن مفارقات لافتة في سوق الشغل، أبرزها تراجع عدد المشتغلين وارتفاع نسبة البطالة لدى حاملي الشهائد العليا، بما يعكس استمرار الصعوبات التي تواجه فئة واسعة من الباحثين عن العمل، وخاصة النساء من أصحاب الشهادات الجامعية.

77.5 ألف شخص يغادرون دائرة السكان النشيطين

بلغ عدد السكان النشيطين خلال الثلاثي الثاني من السنة الحالية نحو 4 ملايين و190.5 ألف شخص، مقابل 4 ملايين و268 ألفاً خلال الثلاثي الأول، أي بتراجع قدره 77.5 ألف شخص.

ويتوزع السكان النشيطون بين 2 ملايين و887.7 ألف رجل و1 مليون و302.8 ألف امرأة، بما يمثل على التوالي 68.9% و31.1%.

كما تراجعت نسبة النشاط بـ1.2 نقطة مائوية، لتستقر عند 44.7% من مجموع السكان البالغين 15 سنة فما فوق، مقابل 45.9% خلال الثلاثي الأول.

وتكشف هذه الأرقام أن انخفاض نسبة البطالة لا يمكن قراءته بمعزل عن تطور حجم السكان النشيطين، إذ إن تقلص عدد الداخلين في سوق الشغل يمكن أن يؤثر بدوره في المؤشر العام للبطالة.

عدد المشتغلين يتراجع بـ58.2 ألف شخص

في المقابل، سجل عدد المشتغلين انخفاضاً خلال الثلاثي الثاني، ليستقر عند 3 ملايين و568.1 ألف شخص، مقابل 3 ملايين و626.3 ألفاً في الثلاثي الأول، أي بتراجع قدره 58.2 ألف مشتغل.

ويستحوذ الرجال على النصيب الأكبر من التشغيل، إذ بلغ عدد المشتغلين الذكور 2 ملايين و546 ألف شخص، مقابل 1 مليون و22.1 ألف امرأة، بما يمثل 71.4% و28.6% من إجمالي المشتغلين.

وتواصل الخدمات تصدرها لمختلف القطاعات من حيث التشغيل، مستأثرة بنسبة 49.9%، تليها الصناعات المعملية بنسبة 20.4%، ثم الفلاحة والصيد البحري بـ16.3%، والصناعات غير المعملية بـ13.5%.

وتؤكد هذه التوزيعات استمرار هيمنة قطاع الخدمات على سوق الشغل التونسية، في وقت يظل فيه التشغيل الصناعي والفلاحي أقل قدرة على استيعاب اليد العاملة مقارنة بحجم الطلب المتزايد على فرص العمل.

البطالة تنخفض إلى 14.9%.. ولكن

بلغ عدد العاطلين عن العمل خلال الثلاثي الثاني 622.4 ألف شخص، مقابل 641.7 ألفاً خلال الثلاثي الأول، أي بانخفاض قدره 19.3 ألف عاطل.

وانخفضت نسبة البطالة بشكل طفيف من 15% إلى 14.9%.

غير أن هذا التحسن الإجمالي يخفي تفاوتات كبيرة بين الرجال والنساء، إذ تراجعت البطالة لدى الرجال بـ0.5 نقطة مائوية لتبلغ 11.8%، بينما ارتفعت لدى النساء بـ0.9 نقطة لتصل إلى 21.6%.

كما بلغت البطالة 14.8% في الوسط الحضري مقابل 15% في الوسط الريفي، مقارنة بـ14.4% و16.5% على التوالي خلال الثلاثي الأول.

وتشير هذه المعطيات إلى أن سوق الشغل لا تزال بعيدة عن تحقيق توازن حقيقي بين مختلف الفئات والمناطق، خاصة في ما يتعلق بالنساء.

بطالة الشباب تتراجع.. لكن الأزمة لم تنتهِ

سجلت بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة تراجعاً من 37.5% إلى 35.4% بين الثلاثي الأول والثاني من سنة 2026.

وبلغت نسبة البطالة لدى الشباب الذكور 34.6% مقابل 37.1% لدى الإناث.

ورغم هذا الانخفاض، تبقى النسبة مرتفعة للغاية، بما يعكس استمرار صعوبة دخول الشباب إلى سوق الشغل وتحويل المؤهلات الدراسية والتكوينية إلى فرص عمل مستقرة.

المفارقة الأكبر: بطالة حاملي الشهائد العليا ترتفع إلى 26.6%

لكن الرقم الأكثر إثارة للانتباه في مؤشرات التشغيل الجديدة يتعلق بحاملي الشهائد العليا، إذ ارتفعت نسبة البطالة في صفوفهم بشكل واضح إلى 26.6% خلال الثلاثي الثاني، مقابل 24.2% خلال الثلاثي الأول.

وتزداد حدة المفارقة عند تفصيل الأرقام حسب الجنس، حيث بلغت البطالة لدى حاملي الشهائد العليا من الذكور 14.2%، مقابل 35.6% لدى الإناث.

وهذه الأرقام تضع ملف تشغيل خريجي الجامعات مجدداً في صدارة التحديات الاقتصادية والاجتماعية في تونس، خصوصاً أن ارتفاع مستوى التعليم لا يزال، بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب، غير كافٍ لضمان الاندماج السريع في سوق العمل.

كما تكشف الفجوة الكبيرة بين الرجال والنساء من حاملي الشهائد العليا عن إشكال أعمق يتعلق بقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل تتناسب مع المؤهلات الجامعية، وخاصة لفائدة النساء.

انخفاض البطالة لا يخفي هشاشة سوق الشغل

تكشف مؤشرات الثلاثي الثاني من سنة 2026 عن صورة مركبة لسوق الشغل التونسية: نسبة البطالة تراجعت بشكل طفيف، وعدد العاطلين انخفض، كما سجلت بطالة الشباب تراجعاً، لكن عدد السكان النشيطين والمشتغلين تراجع أيضاً، في حين ارتفعت بطالة حاملي الشهائد العليا.

وبالتالي، فإن قراءة رقم 14.9% باعتباره مؤشراً منفرداً على تحسن سوق الشغل قد تكون غير كافية. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في خفض نسبة البطالة، وإنما في خلق وظائف جديدة ومستقرة وذات قيمة مضافة، قادرة على استيعاب الشباب وخريجي الجامعات والنساء، وتحويل النمو الاقتصادي إلى فرص عمل فعلية.

وتظل الأرقام الجديدة بمثابة رسالة واضحة لصانعي السياسات الاقتصادية والاجتماعية: المطلوب ليس فقط خفض البطالة، بل إعادة بناء سوق شغل قادرة على استيعاب الكفاءات وتوفير فرص عادلة ومستدامة لكل الباحثين عن العمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى