الشاذلي العرفاوي: المسرح علاج نفسي يبني الشخصية ويحميها من الانحراف.. و«تاج الحاضرة» مثال على الدراما التونسية الجريئة

أكد الممثل والمخرج المسرحي الشاذلي العرفاوي أن المسرح لم يكن بالنسبة إليه مجرد مجال فني أو مهنة، بل كان مدرسة للحياة ووسيلة لصقل الشخصية وتوجيه السلوك، معتبراً أن الفن الرابع قادر على لعب دور علاجي ونفسي عميق، خصوصاً في مساعدة الإنسان على التخلص من الضغوط والعقد والشحنات السلبية.
وخلال استضافته في برنامج «كورنيش»، السبت، استعاد العرفاوي أبرز محطات مسيرته الفنية، متحدثاً عن علاقته المبكرة بالمسرح، وتأثيره في خياراته ومساره الشخصي والمهني، قبل أن يتطرق إلى كواليس عدد من الأعمال التي شارك فيها، وفي مقدمتها مسلسل «تاج الحاضرة».
الشاذلي العرفاوي: المسرح «يصلح الإنسان ويبني شخصيته»
استعاد الشاذلي العرفاوي بدايات علاقته بالمسرح منذ سنوات التعليم الأساسي، عندما التحق بنادي المسرح، مؤكداً أن سحر هذا الفن دفعه منذ ذلك الوقت إلى التمسك به ومواصلة الطريق، وصولاً إلى مرحلة البكالوريا ثم الالتحاق بالمعهد العالي للفن المسرحي.
وقال العرفاوي إن المسرح احتضنه وشكل «بوصلته في الحياة»، معتبراً أن الفن الرابع كان له دور أساسي في بناء شخصيته ومنحه الطموح والهدف، ومؤكداً أن مسار حياته كان من الممكن أن يكون مختلفاً تماماً لولا المسرح.
ومن هذا المنطلق، يرى العرفاوي أن أهمية المسرح لا تتوقف عند حدود العرض فوق الخشبة أو المتعة الفنية، وإنما تمتد إلى بناء الإنسان نفسه، من خلال منحه مساحة للتعبير واكتشاف الذات والتفاعل مع الآخرين.
«المسرح علاج نفسي كامل»
ولم يتردد العرفاوي في وصف المسرح بأنه «علاج نفسي كامل» (Thérapie)، معتبراً أن ممارسة الفن ومتابعته يمكن أن تساعد الإنسان على التحرر من عدد من العقد والتوترات، فضلاً عن تفريغ الشحنات السلبية.
ويعكس هذا التصور تجربة شخصية عاشها العرفاوي، الذي يؤكد أن المسرح لم يغيّر مساره المهني فحسب، بل ترك أثراً عميقاً في شخصيته وطريقة نظرته إلى الحياة.
وبالنسبة إليه، فإن الفن يمكن أن يؤدي وظيفة اجتماعية ونفسية تتجاوز الترفيه، خصوصاً عندما يتحول المسرح إلى فضاء يكتشف فيه الإنسان نفسه ويتعلم التعبير عن مشاعره ومواجهة مخاوفه وبناء علاقاته مع محيطه.
من «شباك على البحر» إلى مسيرة فنية ثرية
وتحدث العرفاوي عن أولى تجاربه المسرحية من خلال عمل «شباك على البحر»، الذي شارك فيه خلال بداياته وتم تقديمه ضمن مهرجان المسرح البلدي ببنزرت، حيث لقي العمل إشادة من الجمهور.
وكان لذلك النجاح أثر كبير في تعميق ارتباطه بالمسرح، ودفعه إلى مواصلة اكتشاف عالم الفن الرابع ومتابعة مختلف التظاهرات المسرحية، من أيام قرطاج المسرحية إلى أحدث الإنتاجات والأعمال التي عرفتها الساحة الفنية التونسية.
ويكشف هذا المسار عن علاقة بدأت في سن مبكرة وتحولت تدريجياً من شغف إلى مشروع حياة، ثم إلى مسيرة فنية كرست حضور العرفاوي لدى الجمهور التونسي.
العرفاوي يتحدث عن «شراسة» الوسط الفني
وبالحديث عن تجربته في الوسط الفني، لم يخفِ العرفاوي صعوبة المجال وما يصفه بـ«الشراسة» التي تطبع المنافسة داخله، مؤكداً أن الفنان يجد نفسه في مواجهة تحديات متعددة لا تتعلق فقط بموهبته، وإنما أيضاً بظروف الإنتاج وطبيعة الأدوار والاختيارات الفنية.
وأشار إلى أن نحو 90% من الأعمال التي شارك فيها حققت نجاحاً لافتاً، مؤكداً في الوقت نفسه أنه يدافع عادة عن أعماله وأدواره من الناحية الأخلاقية، حتى عندما لا تحقق بعض الأعمال النجاح المنتظر.
«تاج الحاضرة».. مشروع رفضته التلفزة الوطنية بسبب الكلفة
ومن أبرز المحطات التي توقف عندها الشاذلي العرفاوي مسلسل «تاج الحاضرة»، الذي وصفه بأنه من أهم الأعمال التي أُنتجت في تونس.
وكشف العرفاوي أن له دوراً في تقديم كاتب السيناريو رضا القحام والمشروع إلى المخرج سامي الفهري، مستعيداً في الوقت ذاته جانباً من كواليس ولادة هذا العمل الذي أثار اهتمام الجمهور عند عرضه.
وأوضح أن مشروع المسلسل عُرض في البداية على التلفزة الوطنية، وكان من المنتظر أن يتولى الراحل شوقي الماجري إخراجه، غير أن المشروع لم ير النور في تلك المرحلة بسبب ارتفاع تكاليف إنتاجه.
وبحسب رواية العرفاوي، فإن سامي الفهري خاض لاحقاً مغامرة إنتاج العمل، وأصر على تخصيص ميزانية ضخمة له، وهو ما انعكس على مستوى الديكورات والإكسسوارات التي كانت، وفق وصفه، حقيقية وباهظة التكلفة.
دعوة إلى تجاوز الدراما الاجتماعية
وفي ختام حديثه، دعا الشاذلي العرفاوي صناع الدراما التونسية إلى تجاوز النمط الاجتماعي التقليدي الذي هيمن لفترة طويلة على الإنتاج التلفزيوني، والانفتاح أكثر على الأعمال الملحمية والتاريخية.
ويرى العرفاوي أن الدراما التونسية قادرة على خوض تجارب أكثر طموحاً من خلال استثمار التاريخ والشخصيات والأحداث الكبرى، بما يسمح بإنتاج أعمال ذات قيمة فنية عالية وقادرة في الوقت نفسه على المنافسة واستقطاب الجمهور.
وبين المسرح الذي يراه «علاجاً نفسياً» ودراما تاريخية يطالب بمزيد من الجرأة في إنتاجها، يطرح الشاذلي العرفاوي رؤية تتجاوز حدود تجربته الشخصية، لتضع الفن أمام وظيفة أكبر: بناء الإنسان، وتحرير طاقاته، وصناعة أعمال قادرة على ترك أثر حقيقي في المجتمع.


