سيدي بوزيد تستعد لموسم الزيتون.. إنتاج ضخم ورهان حاسم على الأسعار والقيمة المضافة

مع اقتراب انطلاق موسم جني الزيتون، تستعد ولاية سيدي بوزيد لدخول مرحلة جديدة من النشاط الفلاحي الذي لا يمثل مجرد موعد موسمي بالنسبة إلى الجهة، بل يشكل أحد أهم ركائز اقتصادها المحلي ومصدرًا رئيسيًا لمداخيل آلاف العائلات وفرص الشغل المباشرة وغير المباشرة. وبين وفرة الإنتاج وثقل القطاع في النسيج الاقتصادي، تبرز هذا الموسم أسئلة أكبر من مجرد حجم الصابة، وتتعلق أساسًا بمستوى الأسعار، وكلفة الجني والتحويل، وتوفر اليد العاملة والسيولة، والأهم من ذلك قدرة المنظومة على تحويل الإنتاج إلى قيمة مضافة حقيقية تعود بالنفع على الفلاح والجهة والاقتصاد الوطني.
أكثر من 307 آلاف هكتار.. الزيتون شريان اقتصادي لسيدي بوزيد
تحتل سيدي بوزيد موقعًا متقدمًا في خارطة الإنتاج الوطني للزيتون، حيث تمتد غابات الزيتون بالجهة على مساحة تتجاوز 307 آلاف هكتار، وتضم أكثر من 23 مليون شجرة، بما يوفر سنويًا نحو 1.6 مليون يوم عمل. وهذه الأرقام تكشف بوضوح أن موسم الزيتون ليس نشاطًا فلاحيًا ظرفيًا، بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة ترتبط بها قطاعات النقل والخدمات والتجارة والتحويل والتخزين والتصدير.
وقد عززت الولاية خلال الموسم الماضي موقعها ضمن أهم مناطق الإنتاج، بإنتاج قارب 60.4 ألف طن من زيت الزيتون، فيما ساهمت مناطق الوسط الغربي مجتمعة بنحو 39 بالمائة من الإنتاج الوطني، بما يعكس الوزن الحقيقي لهذه المنطقة في منظومة الزيتون التونسية وقدرتها على التأثير في توازنات السوق والإنتاج والتصدير.
بنية تحويلية جاهزة.. 119 معصرة لاستيعاب المحصول
في إطار الاستعداد للموسم الجديد، تم تعزيز جاهزية المنظومة التحويلية بالجهة، التي تضم 119 معصرة، من بينها 107 معاصر عصرية و12 معصرة تقليدية، بطاقة تحويل يومية تتجاوز 6274 طنًا، إلى جانب طاقة تخزين تناهز 20 ألفًا و448 طنًا.
وتكتسي هذه القدرات أهمية خاصة مع دخول موسم الجني، باعتبار أن سرعة نقل المحصول وتحويله وتخزينه وفق الشروط المطلوبة تمثل عنصرًا أساسيًا في المحافظة على جودة الزيت وتفادي الخسائر التي يمكن أن تنتج عن التأخير في مختلف مراحل العملية.
كما شهدت الجهة استعدادات مبكرة شملت تخصيص الدولة، خلال السنة الماضية، مبلغ 40 مليون دينار لفائدة صغار الفلاحين للمساهمة في إنجاح أعمال الجني، في خطوة تعكس أهمية هذا القطاع بالنسبة إلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المناطق المنتجة.
مخبر جديد للجودة.. حماية للمنتج وتقريب للخدمات
ولا يتعلق الاستعداد للموسم بالجانب الكمي فقط، إذ أصبحت الجودة عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرة زيت الزيتون التونسي على المنافسة في الأسواق الخارجية. وفي هذا الإطار، تدعمت ولاية سيدي بوزيد بمخبر لتحليل وتذوق زيت الزيتون بمقر الديوان الجهوي للزيت، بما يتيح للفلاحين والمهنيين إجراء عمليات التحليل والتقييم محليًا، ويجنبهم عناء التنقل إلى ولايات أخرى.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية في ظل الحاجة إلى الانتقال تدريجيًا من التعامل مع زيت الزيتون باعتباره مادة فلاحية خام إلى منتج غذائي ذي مواصفات دقيقة وقيمة تسويقية مرتفعة، تكون الجودة فيه جزءًا أساسيًا من القدرة على النفاذ إلى الأسواق وليس مجرد مرحلة تقنية في مسار الإنتاج.
المرجين والفيتورة.. من عبء بيئي إلى فرصة اقتصادية
وتطرح عمليات العصر بدورها تحديًا بيئيًا لا يقل أهمية عن تحديات الإنتاج والتسويق، بالنظر إلى الكميات الكبيرة من المخلفات الناتجة عن المعاصر. وتتوفر الجهة على طاقة استيعاب تناهز 41 ألف متر مكعب موزعة بين مصبين جماعيين مطابقين للمواصفات ونحو 100 مصب فردي، إضافة إلى تخصيص حوالي 6 آلاف هكتار لنشر مادة المرجين.
غير أن النقاش يتجه اليوم تدريجيًا نحو البحث عن مقاربة أكثر اقتصادية لهذه المخلفات، خاصة مادة الفيتورة، التي يمكن أن تتحول من نفايات مرتبطة بموسم العصر إلى مادة قابلة للتثمين والاستغلال في مجالات الطاقة والصناعة. وهو ما من شأنه أن يفتح بابًا جديدًا أمام القطاع لخلق قيمة مضافة إضافية بدل الاكتفاء بمعالجة مخلفات الإنتاج من زاوية بيئية بحتة.
اليد العاملة.. معركة صامتة تسبق موسم الجني
ورغم الاستعدادات اللوجستية، فإن الميدان يفرض تحديات أخرى قد تؤثر مباشرة في مردودية الموسم، وفي مقدمتها نقص اليد العاملة وارتفاع كلفة أجورها. ومع توسع المساحات المزروعة بالزيتون وتزامن فترة الجني مع حاجيات فلاحية أخرى، يصبح توفير العمال والعاملات في التوقيت المناسب من أبرز الرهانات المطروحة أمام المنتجين.
ولا تتوقف المسألة عند توفير اليد العاملة، بل تشمل أيضًا تنظيم نقل العمال وتأمين ظروف العمل والسلامة وتحسين المسالك الفلاحية، حتى لا تتحول صعوبات الوصول إلى الحقول ونقل المحصول إلى عامل إضافي يرفع كلفة الإنتاج ويؤخر وصول الزيتون إلى المعاصر.
الأسعار والسيولة.. الفلاح بين كلفة الإنتاج وتقلبات السوق
يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا لدى الفلاح مرتبطًا بسعر البيع، في ظل تذبذب الأسواق المحلية والعالمية وعدم استقرار الأسعار، مقابل ارتفاع مختلف عناصر الكلفة المرتبطة بالجني والنقل والعصر والتخزين.
وتزداد أهمية هذا الجانب مع الحاجة إلى توفير سيولة مالية فورية في بداية الموسم، حيث لا يستطيع الفلاح تأجيل دفع تكاليف الجني والنقل، في وقت قد لا يحصل فيه على عائد محصوله بالسرعة نفسها. ومن هنا تبرز أهمية التمويل الفلاحي في هذه المرحلة، ودور البنوك والمؤسسات المالية في توفير قروض وتمويلات في آجال تتلاءم مع طبيعة الموسم، بما يساعد المنتجين وأصحاب المعاصر على تجاوز الضغط المالي دون اضطرارهم إلى البيع تحت ضغط الحاجة إلى السيولة.
الرهان الأكبر.. من زيت سائب إلى علامة تحمل اسم سيدي بوزيد
لكن الرهان الحقيقي بالنسبة إلى سيدي بوزيد لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الإنتاج أو عدد الأطنان التي تمر عبر المعاصر. فالقيمة الاقتصادية الكبرى للقطاع تبدأ عندما تنجح الجهة في الاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة المضافة داخل منظومتها الإنتاجية.
ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة واضحة إلى تطوير وحدات التعليب والتغليف والتسويق، ودعم العلامات التجارية المحلية، والعمل على بناء هوية تجارية لزيت الزيتون المنتج في سيدي بوزيد قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية. فالانتقال من بيع الزيت السائب إلى تسويق منتج معلب يحمل علامة ومواصفات وهوية ومصدرًا معروفًا يمكن أن يغير بصورة جوهرية حجم العائد الاقتصادي الذي تستفيد منه الجهة.
نجاح الموسم لا يقاس بالصابة فقط
موسم الزيتون في سيدي بوزيد يدخل إذن مرحلة تتجاوز الحسابات التقليدية للصابة والإنتاج. فنجاح الموسم سيقاس أيضًا بمدى قدرة مختلف المتدخلين على حماية الفلاح من تقلبات الأسعار، وتوفير التمويل في الوقت المناسب، وضمان اليد العاملة والنقل، والحفاظ على الجودة، والتصرف السليم في مخلفات العصر، ثم تحويل المنتج النهائي إلى سلعة ذات قيمة مضافة مرتفعة.
وبقدر ما تمثل أرقام الإنتاج مصدر قوة للجهة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية توزيع العائد الاقتصادي على مختلف حلقات المنظومة، من الفلاح إلى المعصرة والتخزين والتعليب والتسويق والتصدير. وعندها فقط يمكن للثروة الزيتونية أن تتحول من موسم فلاحي متكرر إلى رافعة تنموية مستدامة، قادرة على خلق الثروة وفرص العمل وتعزيز حضور سيدي بوزيد على خريطة الزيتون التونسي والأسواق العالمية.




