الصيد البحري في تونس تحت الضغط.. كلفة الإنتاج تلتهم 85% من المداخيل والبحارة يواجهون مستقبلاً غامضاً

تتفاقم الصعوبات التي يواجهها قطاع الصيد البحري في تونس، في ظل ارتفاع كلفة الإنتاج وتدهور البنية التحتية للموانئ ونقص التكوين وتراجع الوضع الاجتماعي للبحارة، إلى جانب إشكاليات تنظيمية وقانونية متراكمة. وحذّر صالح هديدر، نائب رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري المكلف بالصيد البحري، من أن استمرار هذه الأوضاع بات يهدد ديمومة النشاط ويدفع عدداً متزايداً من البحارة إلى العزوف عن المهنة.
وخلال حضوره يوم الخميس 8 أكتوبر 2026 في برنامج «إيكو ماغ»، اعتبر هديدر أن الأزمة ليست وليدة اليوم، مشيراً إلى أن الإطار القانوني المنظم للصيد البحري لم يشهد، وفق تصريحه، تغييرات منذ سنة 1994، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية والمهنية والاجتماعية على العاملين في القطاع.
كلفة الإنتاج تلتهم معظم المداخيل
تُعدّ كلفة الإنتاج من أبرز التحديات التي تواجه البحارة، إذ أوضح هديدر أن البنزين يمثل نحو 70 بالمائة من كلفة الأسماك البحرية، فيما تصل كلفة الإنتاج إجمالاً إلى قرابة 85 بالمائة، وفق تقديراته. ولا يتجاوز هامش الربح، بناءً على هذه الأرقام، 15 بالمائة، ما يضيّق قدرة البحارة على تغطية مصاريفهم وضمان استمرارية نشاطهم.
وتزداد الصعوبات مع محدودية مدة العمل الفعلي، إذ لا يتجاوز موسم الصيد في بعض الحالات ستة أشهر سنوياً، وهو ما ينعكس مباشرة على مداخيل البحارة ويجعلهم أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية وارتفاع أسعار مستلزمات النشاط.
موانئ متدهورة وموارد مالية تطرح أسئلة
ولا تقتصر الأزمة على الجانب المالي، بل تمتد إلى البنية التحتية لموانئ الصيد البحري، التي وصف هديدر وضعها بالمتدهور، مشيراً إلى تعطل عدد من الرافعات وغياب الأشغال الكبرى منذ سنوات.
وأثار المتحدث مسألة الموارد المالية لوكالة موانئ وتجهيزات الصيد البحري، قائلاً إن البحارة يساهمون باقتطاع يبلغ 2 بالمائة من مداخيلهم الخام لفائدة الوكالة، التي قدّر مواردها بنحو 50 مليون دينار. واعتبر أن وضع الموانئ يطرح تساؤلات بشأن مدى انعكاس الموارد المتوفرة على صيانة التجهيزات وتحسين الخدمات وظروف العمل.
نقص التكوين يهدد استمرارية المهن البحرية
ومن بين الإشكاليات الأخرى التي أشار إليها هديدر، نقص الكفاءات والتكوين، خاصة في ما يتعلق بربابنة السفن والميكانيكيين، وهو ما قد يؤثر على استمرارية النشاط ويزيد من صعوبة تعويض العاملين الذين يغادرون المهنة.
كما انتقد الإجراءات الإدارية المعتمدة، معتبراً أنها لا توفر الضمانات الكافية لاستمرارية القطاع ولا تعكس، وفق تقديره، توجهاً واضحاً نحو تطويره. ويضع هذا النقص في التكوين والتأطير مستقبل عدد من المهن البحرية أمام تحديات إضافية، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى تجديد كفاءاته وتحسين قدرته على الاستقطاب.
أسعار الأسماك وهوامش الوسطاء تحت المجهر
وفي ما يتعلق بارتفاع أسعار الأسماك، رأى هديدر أن وفرة العرض، خاصة بعد انتهاء فترات الراحة البيولوجية، يفترض أن تساهم في تراجع الأسعار. لكنه أشار إلى أن هوامش الربح المعتمدة من قبل الوسطاء تمثل، حسب تقديره، أحد العوامل التي تستوجب مزيداً من الرقابة.
ودعا في هذا السياق إلى مراقبة مسالك التوزيع والعمل على ضبط هوامش الربح، مشيراً إلى أن هامش الوسطاء يفترض ألا يتجاوز 30 بالمائة. ويطرح هذا الملف إشكالية التوازن بين ضمان دخل منصف للبحار وتوفير المنتوج للمستهلك بأسعار معقولة، في ظل تعدد حلقات الوساطة بين الإنتاج والبيع النهائي.
الصيد العشوائي يهدد الثروة البحرية
وحذّر هديدر من استمرار ممارسات الصيد العشوائي، مشيراً إلى صيد القرنيط خلال فترة الراحة البيولوجية في الصيف، فضلاً عن مواصلة الصيد بالكركارة، رغم منع هذه الممارسات. ودعا إلى التصدي للدخلاء على القطاع وإلزام جميع الناشطين باحترام الضوابط التنظيمية والقانونية.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى تأثير الصيد غير المنظم على الثروة السمكية واستدامة الموارد البحرية، فضلاً عن انعكاساته على البحارة الملتزمين بالقواعد القانونية. ويظل احترام فترات الراحة البيولوجية ومراقبة أساليب الصيد من المسائل المطروحة لضمان استمرارية النشاط وحماية المخزون السمكي.
تراجع التعويضات وتأخر صرفها يزيدان الضغوط
وتطرق هديدر إلى ملف التعويضات المرتبطة بالراحة البيولوجية، مشيراً إلى تراجع عدد مراكب الصيد بالجر المعنية بالتعويض في المنطقة الثالثة الممتدة من الشابة إلى الكتف، من 180 مركباً إلى 61 مركباً فقط، وفق الأرقام التي قدمها.
وأوضح أن البحارة يخضعون لاقتطاعات لفائدة الصندوق تصل إلى 1 بالمائة من المداخيل، إضافة إلى اقتطاع 40 بالمائة من مداخيل صيد التن الأحمر، في حين لم تتجاوز التعويضات، بحسب تصريحه، ثلاثة ملايين دينار، مع تسجيل تأخير كبير في صرفها. واعتبر أن الإجراءات المعتمدة أدت إلى تقليص عدد المنتفعين، بما زاد من الصعوبات التي يواجهها العاملون في القطاع.
توقف تصدير الكروفات الحمراء يثير تساؤلات
ومن الملفات التي أثارها المتحدث أيضاً إشكالية تصدير الكروفات الحمراء، مشيراً إلى توقف التصدير وعدم وضوح الأسباب، وفق ما جاء في تصريحه. وانتقد تخصيص حصة للتصدير إلى أوروبا في حدود 36 طناً، مقابل إنتاج يتجاوز 400 طن، معتبراً أن محدودية الحصة لا تنعكس على البحارة وحدهم، بل قد تؤثر كذلك على عائدات الدولة من التصدير.
ويعيد هذا الملف طرح مسألة تثمين المنتوج البحري وتوسيع فرص النفاذ إلى الأسواق الخارجية، بما يسمح بتحويل الإنتاج إلى مورد دخل أكثر استقراراً للمهنيين، شرط توضيح أسباب القيود القائمة ومراجعة آليات التصرف في حصص التصدير.
تقاعد لا يتجاوز 240 ديناراً بعد عقود من العمل
ولا تنفصل الصعوبات الاقتصادية عن هشاشة الوضع الاجتماعي للبحارة، إذ أشار هديدر إلى أن البحار الذي يقضي أكثر من 35 سنة في العمل قد لا يتجاوز جراية تقاعده 240 ديناراً، وفق تقديره. وتسلط هذه المعطيات الضوء على التحديات المرتبطة بالحماية الاجتماعية لهذه الفئة، التي تواجه ظروف عمل صعبة ومداخيل تتأثر بالمواسم وكلفة الإنتاج.
مقاربة تشاركية لإعادة إنقاذ القطاع
وفي ختام حديثه، شدد هديدر على أن مجموع هذه الإشكاليات يعكس، وفق تقييمه، ضعف العمل التشاركي بين سلطة الإشراف والمهنيين، داعياً إلى اعتماد مقاربة جديدة تقوم على التشاور مع ممثلي القطاع وإصلاح البنية التحتية للموانئ ومعالجة النقائص التنظيمية والتكوينية والاجتماعية.
وبين ارتفاع المصاريف وتراجع هوامش الربح ومشاكل التعويضات والتصدير، يواجه الصيد البحري في تونس تحدياً يتجاوز تحسين ظروف العمل اليومية إلى ضمان استمرارية المهنة وحماية الثروة البحرية. وتبقى معالجة هذه الملفات رهينة حلول عملية توازن بين الجدوى الاقتصادية للنشاط، واستدامة الموارد، وتحسين أوضاع البحارة الاجتماعية.




