اقتصاد

ميزانية تونس 2027 تحت المجهر: ماهر الكتاري يدعو إلى تغيير منوال التنمية وخلق الثروة بدل الترفيع في الضرائب والاقتراض

بين ضرورة تعبئة موارد الدولة، وتفاقم الضغوط على المؤسسات الاقتصادية، ومخاطر التوسع في الاقتراض، يطرح مشروع قانون المالية لسنة 2027 أسئلة جوهرية بشأن قدرة الاقتصاد التونسي على استعادة نسق النمو وخلق مواطن الشغل وضمان استدامة المالية العمومية. وفي قراءة نقدية لمشروع الميزانية، يدعو ماهر الكتاري إلى تجاوز الحلول الظرفية نحو إصلاحات هيكلية تعالج أسباب التعثر الاقتصادي، وتدعم القطاع المنظم، وتحد من الاقتصاد الموازي، مع توجيه التمويل نحو الاستثمار والإنتاج وتسديد مستحقات المؤسسات لدى الدولة.

في حلقة جديدة من برنامج «90 دقيقة مع L’IACE»، حاور الصحفي أيمن الحرباوي ماهر الكتاري، رئيس لجنة المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب، حول أبرز التوجهات التي يتضمنها مشروع قانون المالية لسنة 2027، وما يثيره من رهانات اقتصادية واجتماعية ومالية. ولم يقتصر النقاش على الأرقام ومصادر تمويل الميزانية، بل امتد إلى طبيعة الخيارات الاقتصادية التي تحتاجها تونس، وحدود الإجراءات الجبائية، وإشكاليات تمويل المؤسسات الناشئة، ودور البنك المركزي في تمويل الخزينة، فضلا عن ضرورة مراجعة الإطار القانوني المنظم للنشاط الاقتصادي.

ميزانية 2027.. من المقاربة الاجتماعية إلى أولوية دفع النمو

يرى ماهر الكتاري أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 ينبغي أن يُقرأ ضمن التوجهات الاستراتيجية للدولة للفترة 2026-2030، لا باعتباره نصا تشريعيا قادرا بمفرده على معالجة جميع الإشكاليات الاقتصادية المتراكمة. فالقانون، وفق تصوره، يمثل حلقة ضمن مسار أوسع لتنفيذ الخيارات الاقتصادية والسياسية للدولة، وهو ما يستدعي عدم تحميله أكثر مما تسمح به أدواته وإجراءاته.

وفي المقارنة بين قانوني المالية لسنتي 2026 و2027، يشير الكتاري إلى اختلاف في الأولويات؛ إذ اتسم قانون 2026، بحسب تقييمه، بطابع اجتماعي أوضح، في حين يتجه مشروع قانون 2027 بدرجة أكبر نحو دعم النشاط الاقتصادي وتحفيز المبادرة والاستثمار. ويستند هذا التوجه إلى مجموعة من الإجراءات التي تشمل خطوط تمويل للمؤسسات والشركات الناشئة، ومبادرات تستهدف الطلبة الراغبين في بعث مشاريعهم، إلى جانب تخفيضات في بعض المعاليم الديوانية.

ولا يعني هذا التحول، في نظر رئيس لجنة المالية، التخلي عن البعد الاجتماعي، بل إعادة التفكير في الشروط الاقتصادية الضرورية لاستدامته. فتمويل السياسات الاجتماعية لا يمكن أن يستند إلى الاقتراض وحده أو إلى الترفيع المتواصل في الضرائب، وإنما يتطلب اقتصادا أكثر إنتاجية وقدرة على خلق الثروة وتوسيع قاعدة المساهمين في تمويل الدولة.

ويختزل الكتاري هذه المقاربة في فكرة أساسية مفادها أن السياسة الاجتماعية المستدامة تحتاج إلى نمو اقتصادي حقيقي، وأن معالجة النتائج الاجتماعية للتعثر لا يمكن أن تنجح على المدى الطويل إذا ظلت أسباب التعثر قائمة.

نسبة نمو لا تقل عن 4%.. الرهان على استيعاب البطالة وخريجي الجامعات

يضع الكتاري النمو الاقتصادي في صدارة التحديات التي تواجه تونس، معتبرا أن تحقيق نسبة نمو في حدود 4% أو أكثر يمثل هدفا ضروريا حتى يتمكن الاقتصاد من استيعاب أعداد العاطلين عن العمل وخريجي الجامعات ومراكز التكوين المهني الذين يدخلون سوق الشغل سنويا.

ويشير، خلال الحوار، إلى أن نسب النمو المحدودة لا توفر فرص العمل الكافية لاستيعاب الوافدين الجدد على سوق الشغل، وهو ما يجعل البطالة إحدى النتائج المباشرة لضعف قدرة الاقتصاد على التوسع وخلق مواطن شغل جديدة.

لكن الوصول إلى هذا المستوى من النمو لا يتحقق، وفق قراءته، بمجرد إدراج إجراءات تحفيزية في قانون المالية، مهما كانت أهميتها. فالمطلوب هو تهيئة بيئة اقتصادية تسمح للمؤسسات بالنمو، وتساعد المستثمرين على توسيع أنشطتهم، وتقلص العراقيل التي تحد من الإنتاج والتنافسية.

ومن هذا المنطلق، يدعو الكتاري إلى الانتقال من معالجة مظاهر الأزمة إلى تفكيك أسبابها الأساسية. فالتخفيض في بعض المعاليم الديوانية أو الجبائية قد يخفف الأعباء عن المؤسسات، لكنه لا يكفي إذا ظلت الإشكاليات المرتبطة بالبنية التحتية، والانفتاح الاقتصادي، والإجراءات القانونية، ومناخ الاستثمار دون معالجة جذرية.

ويعكس هذا الموقف دعوة إلى تغيير طريقة التفكير في السياسة الاقتصادية: فبدلا من الاقتصار على إجراءات متفرقة لتخفيف الضغط على المؤسسات، ينبغي بناء منظومة متكاملة تساعدها على الاستثمار والتوسع والتشغيل، بما يسمح بتحويل النمو إلى موارد إضافية للدولة وفرص اقتصادية للمجتمع.

الجباية تمثل نحو 91% من الموارد.. لكن من يتحمل العبء الحقيقي؟

من أبرز النقاط التي تناولها الحوار تركيبة موارد ميزانية الدولة لسنة 2027، إذ أشار الكتاري إلى أن المداخيل الجبائية تمثل قرابة 91% من إجمالي الموارد، في ظل تقديرات تبلغ نحو 69 مليار دينار للنفقات مقابل قرابة 58 مليار دينار للمداخيل، منها حوالي 50 مليار دينار من الموارد الجبائية.

وتكشف هذه الأرقام، وفق النقاش، عن الأهمية الكبيرة التي تحتلها الضرائب في تمويل ميزانية الدولة، لكنها تفتح في الوقت نفسه باب التساؤل بشأن مدى عدالة توزيع العبء الجبائي بين مختلف مكونات الاقتصاد التونسي.

فالمشكلة، بحسب الكتاري، لا تكمن أساسا في ارتفاع نسبة مساهمة الجباية في الموارد العمومية، بل في محدودية القاعدة الاقتصادية التي تتحمل فعليا هذا العبء. ويشير إلى أن القطاع المنظم يتحمل الجزء الأكبر من الالتزامات الجبائية، في حين يظل جزء مهم من النشاط الاقتصادي خارج دائرة التصريح والخلاص.

وفي هذا السياق، يطرح رئيس لجنة المالية إشكالية استمرار الضغط على المؤسسات والأفراد المنخرطين في الاقتصاد المنظم، مقابل صعوبة إدماج الأنشطة الموازية في الدورة الاقتصادية الرسمية.

وتكمن خطورة هذا الوضع في أنه قد يؤدي إلى تحميل المؤسسات الملتزمة قانونيا أعباء إضافية، في الوقت الذي تتمتع فيه أنشطة منافسة خارج الإطار المنظم بهوامش حركة أوسع، بما يضعف قدرة المؤسسات المهيكلة على المنافسة والاستثمار والتشغيل.

ومن هنا، يدعو الكتاري إلى توسيع القاعدة الجبائية من خلال إدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة، بدلا من مواصلة الاعتماد على زيادة الضغط الجبائي على الفئات والمؤسسات التي تساهم أصلا في تمويل الدولة.

الاقتصاد الموازي.. منافسة غير متكافئة تهدد المؤسسات المنظمة

يقدم الكتاري مثالا من قطاعات التوريد وتجارة السيارات لتوضيح الاختلالات التي قد تنشأ عن التفاوت في الأعباء بين الاقتصاد المنظم والاقتصاد الموازي. فالمؤسسة التي تعمل في إطار قانوني تتحمل، بحسب المثال الذي أورده، تكاليف مرتبطة بالديوانة والأداءات ومعاليم أخرى، في حين يمكن أن تصل بضائع إلى السوق خارج المسالك الرسمية ودون تحمل الأعباء نفسها.

ويؤدي هذا التفاوت إلى إضعاف القدرة التنافسية للمؤسسات المنظمة، حتى عندما تكون أكثر التزاما بالقوانين وأكثر استعدادا للاستثمار والتوسع. فالعبء الإضافي لا يقتصر على تقليص هامش الربح، بل يمكن أن ينعكس على الأسعار وحجم المبيعات وفرص الانتداب.

وفي المقابل، لا تستطيع الدولة الاستفادة من كامل الإمكانات الجبائية التي يوفرها النشاط الاقتصادي، ما دامت أجزاء من الدورة التجارية خارج منظومة التصريح والخلاص.

وبناء على ذلك، يدعو الكتاري إلى معالجة هذه الإشكالية من خلال مقاربة مزدوجة: مراجعة الأعباء التي تثقل كاهل بعض القطاعات المنظمة، والعمل في الوقت نفسه على الحد من التهرب والأنشطة الموازية، بما يسمح باستعادة التوازن في المنافسة.

فكلما تحسنت قدرة المؤسسة المنظمة على التوسع، ارتفعت فرص زيادة الإنتاج والتشغيل، وتطورت مساهمتها في الصناديق الاجتماعية وفي موارد الدولة. وبذلك يصبح إدماج الاقتصاد الموازي جزءا من سياسة أوسع لخلق الثروة، لا مجرد إجراء يهدف إلى تحسين المداخيل الجبائية.

هل تكفي التخفيضات الجبائية والديوانية لإنعاش الاقتصاد؟

رغم أهمية التسهيلات التي يتضمنها مشروع قانون المالية، لا يرى الكتاري أنها تمثل، بمفردها، حلا كافيا للإشكاليات الاقتصادية. فالتخفيض في بعض المعاليم قد يمنح المؤسسات متنفسا، لكنه لا يضمن بالضرورة تحول ذلك إلى استثمارات جديدة أو توسع في الإنتاج أو ارتفاع في نسب التشغيل.

ويشدد في هذا السياق على ضرورة التمييز بين الإجراءات التي تخفف الأعباء بصورة ظرفية والإصلاحات التي تغير البيئة الاقتصادية بصورة مستدامة.

فالمؤسسة تحتاج، إلى جانب الكلفة الجبائية المعقولة، إلى منظومة قانونية واضحة، وإجراءات إدارية أكثر سلاسة، وإمكانية النفاذ إلى الأسواق، وشروط تسمح لها بالتعامل مع الخارج وتطوير نشاطها دون عراقيل هيكلية.

ومن ثم، فإن نجاح قانون المالية لا ينبغي أن يقاس بعدد التخفيضات أو خطوط التمويل التي يتضمنها فحسب، بل بقدرته على توفير شروط نمو فعلي ينعكس على الإنتاج والتشغيل والمداخيل العمومية.

وتبرز هنا إحدى الرسائل الأساسية للحوار: تخفيف الأعباء ضروري، لكنه لا يعوض إصلاح القواعد التي تحدد قدرة المؤسسات على العمل والنمو والمنافسة.

الاقتراض الداخلي.. الدولة أمام حدود التمويل من السوق المحلية

انتقل النقاش إلى إحدى أكثر المسائل حساسية في مشروع الميزانية، وهي كيفية تمويل عجز الدولة بين الاقتراض الداخلي والخارجي.

وفي هذا الإطار، أشار الكتاري إلى أن تقديرات التمويل تتضمن اللجوء إلى السوق المحلية بمبلغ يقارب 20 مليار دينار، مقابل نحو 7 مليارات دينار من القروض الخارجية، وفق الأرقام التي عرضها خلال الحوار.

ويعكس هذا التوجه تحولا مقارنة بفترات كان فيها الاعتماد على الاقتراض الخارجي أكبر، إذ أصبحت القروض الداخلية تحتل مكانة متقدمة في تمويل احتياجات الدولة.

لكن هذا الخيار يطرح، بحسب الكتاري، ضرورة الانتباه إلى قدرة السوق المحلية على مواصلة توفير التمويلات المطلوبة دون الإضرار بالاستثمار الخاص.

فالبنوك التي توجه جزءا أكبر من مواردها إلى تمويل الدولة قد تجد نفسها أمام هامش أقل لتمويل المؤسسات والمشاريع الخاصة، وهو ما يمكن أن يحد من الاستثمارات الجديدة ويضعف فرص التوسع الاقتصادي.

ولا يدعو الكتاري إلى اعتبار الاقتراض الداخلي خيارا مرفوضا في حد ذاته، بل يؤكد ضرورة المحافظة على توازن بين التمويل الداخلي والخارجي، مع تجنب تجاوز مستويات يمكن أن تضغط على البنوك أو تحد من قدرتها على تمويل النشاط الاقتصادي.

ومن هذا المنطلق، ترتبط مسألة الاقتراض مباشرة بقدرة الدولة على خلق موارد إضافية. فكلما توسع النشاط الاقتصادي وارتفعت المداخيل الجبائية دون زيادة الضغط على الملتزمين، تراجعت الحاجة إلى الاعتماد المتزايد على الاقتراض لتمويل النفقات.

تمويل البنك المركزي.. بين توفير السيولة ومخاطر التضخم

من الملفات التي حظيت بحيز مهم في الحوار مسألة التمويل المباشر للخزينة من البنك المركزي، خاصة في ظل التسهيلات التي أشار الكتاري إلى أنها تبلغ نحو 9.8 مليارات دينار، دون فائدة، مع فترة سداد تمتد إلى 15 سنة وفترة إمهال لثلاث سنوات، وفق ما ورد في النقاش.

وفي تقييمه لهذه الآلية، لا يتبنى الكتاري موقفا رافضا بصورة مطلقة للجوء إلى البنك المركزي، لكنه يشدد على ضرورة إخضاع هذا التمويل لضوابط قانونية واضحة تحدد سقفه وشروطه وكيفية استخدامه.

ويشير إلى أن النقاش بشأن مراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي يمكن أن يشكل فرصة لإرساء قواعد تنظم هذه التسهيلات، بما في ذلك تحديد نسبة قصوى مرتبطة بالناتج المحلي الإجمالي، وضبط شروط السداد وفترات الإمهال.

وتستهدف هذه المقاربة، وفق تصوره، تجنب الاستخدام غير المنضبط للتمويل النقدي، مع الإبقاء على إمكانية اللجوء إليه في إطار محدد وواضح.

فالمشكلة لا تتعلق بتوفير السيولة فقط، بل بكيفية توجيهها وبالنتائج التي يمكن أن تترتب عنها. إذ يمكن أن يؤدي ضخ أموال إضافية في الاقتصاد، إذا اتجه أساسا إلى زيادة الاستهلاك دون توسع مواز في العرض والإنتاج، إلى تغذية الضغوط التضخمية.

أما إذا وجه التمويل إلى الاستثمار والإنتاج وتسديد المستحقات المتخلدة بذمة الدولة لفائدة المؤسسات، فيمكن أن يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية وتحسين قدرة الشركات على مواصلة نشاطها.

وهنا يضع الكتاري معيارا أساسيا لتقييم هذا النوع من التمويل: ليس حجم الأموال المتاحة وحده، بل طبيعة استخدامها ومدى مساهمتها في خلق قيمة اقتصادية حقيقية.

نحو توجيه 9.8 مليارات دينار إلى خلاص مستحقات المؤسسات

من بين المقترحات التي كشف عنها الكتاري خلال الحوار، التفكير في تعديل الفصل المتعلق بالتمويل المباشر من البنك المركزي، بهدف توجيه المبلغ المقدر بنحو 9.8 مليارات دينار إلى تسديد مستحقات المؤسسات المتخلدة لدى الدولة، عوض توجيهه بالكامل إلى تمويل الميزانية.

ويستند هذا المقترح إلى ما تواجهه مؤسسات عمومية وخاصة من صعوبات عندما تتأخر الدولة في تسديد مستحقاتها مقابل الخدمات أو الالتزامات التعاقدية التي أنجزتها لفائدتها.

فتأخر الخلاص لا يمثل مجرد مشكلة محاسبية، بل يمكن أن يتحول إلى عائق مباشر أمام النشاط الاقتصادي. فالمؤسسة التي لا تحصل على مستحقاتها في الوقت المناسب قد تجد نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المزودين أو خلاص الأجور أو تمويل حاجيات الإنتاج، وهو ما يضعف قدرتها على الاستثمار والتوسع.

ومن هذا المنطلق، يعتبر الكتاري أن توجيه هذه الأموال إلى خلاص الديون المتخلدة بذمة الدولة يمكن أن يساعد على إعادة ضخ السيولة في الدورة الاقتصادية، ويمنح المؤسسات المعنية قدرة أكبر على استعادة توازناتها المالية.

كما يمكن لهذا التوجه أن يحد من مخاطر استخدام التمويل في نفقات استهلاكية لا تقابلها زيادة في الإنتاج، بما ينسجم مع هدف احتواء الضغوط التضخمية.

ويكتسب المقترح أهمية إضافية بالنظر إلى ترابط الملفات الاقتصادية: فتسديد مستحقات المؤسسات يحسن قدرتها على النشاط، وتحسن النشاط يساهم في خلق الثروة ومواطن الشغل، وهو ما يدعم بدوره موارد الدولة والصناديق الاجتماعية.

غير أن هذا التوجه يظل، وفق ما ورد في الحوار، مقترحا يعمل الكتاري على إعداده، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره إجراء نهائيا تمت المصادقة عليه.

الشركات الناشئة.. التمويل وحده لا يكفي لضمان النجاح

خصص الحوار حيزا مهما لخطوط التمويل الموجهة إلى المبادرات الاقتصادية والشركات الناشئة، ومن بينها خط تمويل بقيمة 10 ملايين دينار لدعم الأموال الذاتية للشركات الناشئة، إلى جانب آليات أخرى لفائدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

ويرى الكتاري أن هذه الإجراءات تمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لأنها تشجع على المبادرة الاقتصادية وتساعد على خلق مؤسسات جديدة بدلا من الاعتماد حصريا على زيادة الضغط الجبائي على الشركات القائمة.

لكنه يحذر، في المقابل، من المبالغة في تقدير أثر التمويلات المحدودة إذا لم تترافق مع إصلاحات أوسع تشمل الإطار القانوني المنظم للنشاط الاقتصادي.

فالإشكال الذي تواجهه الشركات الناشئة، بحسب قراءته، لا يقتصر على نقص الأموال، بل يتعلق أيضا بقدرتها على الانفتاح على الأسواق الخارجية، وجذب الاستثمارات، وتيسير المعاملات المالية العابرة للحدود.

ويضع الكتاري قانون الصرف ضمن أبرز المسائل التي تستوجب المراجعة، معتبرا أن بعض القيود والإجراءات الحالية قد تعرقل توسع المؤسسات الناشئة التي تنطلق من تونس ثم تسعى إلى التحول إلى شركات ذات حضور عالمي.

وتكمن المخاطرة، في هذا السياق، في أن تنجح المؤسسة في مرحلة التأسيس بفضل التمويل والدعم، ثم تضطر لاحقا إلى نقل جزء من نشاطها أو توسعها إلى الخارج بسبب صعوبات الإطار القانوني المحلي.

وبذلك، لا تصبح المسألة مجرد توفير أموال لإنشاء الشركات، بل ضمان قدرتها على النمو والاستقرار داخل تونس. فالغاية، وفق ما يؤكده الكتاري، ليست مساعدة المؤسسات على الانطلاق فحسب، وإنما توفير الشروط التي تسمح لها بالتوسع والبقاء والمساهمة في الاقتصاد الوطني.

تمويل الطلبة.. من انتظار الوظيفة إلى ثقافة المبادرة

من الإجراءات التي توقف عندها الكتاري أيضا تخصيص خط تمويل بقيمة 5 ملايين دينار لفائدة الطلبة الراغبين في بعث مشاريع اقتصادية، معتبرا أن أهمية هذا الإجراء تتجاوز قيمته المالية المباشرة إلى ما يمكن أن يحدثه من تحول في عقلية الشباب.

فالتفكير في المبادرة الاقتصادية، وفق هذه المقاربة، لا ينبغي أن يبدأ بعد التخرج أو عند تعذر العثور على وظيفة، بل يمكن أن ينطلق منذ سنوات الدراسة الجامعية أو التكوين المهني.

ويرى الكتاري أن تشجيع الطلبة على التفكير في إنشاء المشاريع وتطوير الأفكار وتحويلها إلى أنشطة اقتصادية من شأنه أن يفتح أمامهم آفاقا مهنية مختلفة، ويعزز ثقافة خلق الثروة والمبادرة الفردية.

ويستحضر في هذا السياق نماذج لمؤسسي شركات تكنولوجية عالمية انطلقت أفكارهم في مراحل مبكرة من حياتهم، للتأكيد على أن الجامعة يمكن أن تكون فضاء لتطوير المشاريع، لا مجرد محطة تسبق البحث عن وظيفة.

لكن نجاح هذا التوجه يتطلب أكثر من إتاحة التمويل. فهو يحتاج إلى المرافقة والتكوين وتيسير الإجراءات، فضلا عن توفير إطار قانوني يسمح بتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للاستمرار والنمو.

وتتمثل القيمة الأساسية لهذا الإجراء، وفق قراءة الكتاري، في المساهمة في تغيير التصورات السائدة حول المستقبل المهني، من خلال تعزيز مكانة المبادرة الخاصة وخلق المشاريع إلى جانب المسارات المهنية التقليدية.

دعم الانتدابات والتكفل بالأجور.. إجراء مفيد لكنه ليس حلا جذريا

تناول الحوار أيضا آليات دعم المؤسسات في الانتداب والتكفل بجزء من الأجور، ومنها إجراء أشار الكتاري إلى أنه يتيح مساهمة للدولة بنسبة 50% في إطار شروط محددة.

ويقر رئيس لجنة المالية بأن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تساعد المؤسسات على الانتداب وتخفف بعض تكاليف التشغيل، خاصة في ظل الصعوبات المالية التي تواجهها بعض الأنشطة الاقتصادية.

لكنه يميز بوضوح بين فائدة الإجراء على المدى القصير وقدرته على معالجة أسباب ضعف التشغيل على المدى الطويل.

فدعم الأجور لا يضمن وحده استقرار المؤسسة أو توسعها، كما أن قدرة الدولة على تحمل هذه الالتزامات تظل مرتبطة بوضعيتها المالية وبمدى انتظامها في تسديد مستحقاتها.

ومن هنا، يعود الكتاري إلى الفكرة التي كررها طوال الحوار: إذا لم تنمُ المؤسسة ولم تتحسن قدرتها على الإنتاج وتحقيق الأرباح، فإن إجراءات الدعم ستظل محدودة الأثر.

أما عندما تتوفر شروط النمو، فيمكن للمؤسسات أن توسع نشاطها وتنتدب بصورة أكثر استدامة، بما يخفف الحاجة إلى التدخلات الظرفية ويدعم في الوقت نفسه الموارد الجبائية والاجتماعية.

قانون الصرف لسنة 1976.. إصلاح هيكلي يتجاوز حدود قانون المالية

في ختام المحاور الاقتصادية التي تناولها الحوار، يبرز إصلاح قانون الصرف والتجارة الخارجية باعتباره أحد الملفات التي يراها الكتاري ضرورية لتغيير بيئة الأعمال في تونس.

فالقوانين المنظمة للمعاملات المالية والتجارة الخارجية تمثل، في نظره، جزءا أساسيا من الشروط التي تحدد قدرة المؤسسات على العمل والانفتاح والتوسع. ولذلك، فإن الاكتفاء بتعديل بعض المعاليم أو إحداث خطوط تمويل جديدة لا يعالج بالضرورة العراقيل التي تواجهها الشركات، خاصة الناشئة منها.

ويدعو الكتاري إلى مراجعة الإطار القانوني الذي يعود إلى سنة 1976، والعمل على وضع منظومة أكثر ملاءمة للتطورات الاقتصادية والتكنولوجية ومتطلبات الاستثمار والانفتاح على الأسواق العالمية.

ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات التي تحتاج إلى التعامل مع شركاء أجانب أو جذب تمويلات خارجية أو التوسع خارج السوق المحلية. فكلما كانت الإجراءات أكثر وضوحا وسلاسة، تحسنت قدرة الشركات على استغلال الفرص المتاحة وتعزيز حضورها الاقتصادي.

ولا يطرح الكتاري هذا الإصلاح باعتباره مسألة تقنية معزولة، بل يربطه مباشرة بهدف تحقيق نمو اقتصادي أقوى. فمراجعة قانون الصرف، إلى جانب تطوير القواعد المنظمة للاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، يمكن أن تساهم في معالجة جانب من الأسباب الهيكلية التي تحد من قدرة الاقتصاد على خلق الثروة.

ميزانية 2027 أمام اختبار النتائج.. هل تنتقل تونس من إدارة الأزمة إلى صناعة النمو؟

تكشف مواقف ماهر الكتاري، خلال حواره مع الصحفي أيمن الحرباوي في برنامج «90 دقيقة مع L’IACE»، عن رؤية تعتبر أن التحدي الأساسي الذي تواجهه تونس لا يتمثل في توفير موارد إضافية للميزانية فحسب، بل في تغيير الشروط التي ينتج ضمنها الاقتصاد هذه الموارد.

فزيادة المداخيل الجبائية لا ينبغي أن تقوم على الضغط المتواصل على المؤسسات المنظمة، كما أن تمويل عجز الميزانية لا يمكن أن يستمر في التوسع دون مراعاة قدرة السوق المحلية على تمويل الاستثمار الخاص. وبالمثل، فإن إحداث خطوط تمويل للشركات الناشئة والطلبة يظل محدود الأثر إذا لم يترافق مع إصلاحات قانونية وإدارية تتيح للمشاريع النمو والاستقرار.

ومن هذه الزاوية، يصبح مشروع قانون المالية لسنة 2027 مناسبة لطرح أسئلة أعمق حول دور الدولة في تحفيز الإنتاج، وطبيعة العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وكيفية تحقيق التوازن بين متطلبات الإنفاق العمومي واستدامة المالية العامة.

كما يبرز الحوار أهمية ربط الإجراءات المالية بعضها ببعض: فتسديد مستحقات المؤسسات يمكن أن يدعم سيولتها، وتوسيع النشاط المنظم يمكن أن يعزز الموارد الجبائية، وإصلاح قوانين الاستثمار والصرف يمكن أن يفتح فرصا جديدة أمام المؤسسات، في حين يظل النمو الاقتصادي شرطا أساسيا لتحسين التشغيل وتدعيم الصناديق الاجتماعية.

الخلاصة أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بميزانية تتضمن أرقاما جديدة أو خطوط تمويل إضافية، بل بقدرة الخيارات الاقتصادية على التحول إلى نتائج ملموسة: مؤسسات أقوى، واستثمار أكبر، ومواطن شغل أكثر، وقاعدة جبائية أوسع، وضغوط أقل على المالية العمومية. وهي المعادلة التي يضعها الكتاري في صلب النقاش حول مستقبل الاقتصاد التونسي، معتبرا أن معالجة الأسباب الهيكلية للتعثر تظل الطريق الأكثر استدامة لخلق الثروة وتمويل السياسة الاجتماعية للدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى