ثقافة

هيفاء مديوني في “Trace et Signe”: حين تتحول الذاكرة التونسية إلى لغة ضوء بين الأثر والعلامة

في فضاء Galerie DADA 19 بالباردو، لا تقترح الفنانة التونسية هيفاء مديوني معرضا تشكيليا تقليديا بقدر ما تبني تجربة حسية مركبة عنوانها “Trace et Signe”، حيث تتداخل اللوحة مع الصوت والضوء والجسد، وتتحول الذاكرة إلى مادة قابلة للرؤية والإنصات في آن واحد. إنه معرض يشتغل على حدود الفن، حيث لا يعود العمل التشكيلي سطحا ساكنا، بل يصبح فضاء حيّا يتنفس العلامات ويعيد إنتاجها.

بين الأثر والعلامة: سؤال الهوية في زمن التحول

منذ العنوان، يضع المعرض المتلقي أمام ثنائية كثيفة الدلالة: الأثر والعلامة. فالأثر هو ما تتركه التجربة الإنسانية من بصمات في المادة والذاكرة، أما العلامة فهي محاولة الإنسان لترجمة هذا الأثر ومنحه معنى قابلًا للقراءة.

في هذا السياق، لا تتعامل هيفاء مديوني مع الرموز الأمازيغية أو الحرف العربي أو اللاتيني كعناصر زخرفية، بل كطبقات متراكمة من ذاكرة تونسية متوسطية مفتوحة على التاريخ والتحول، حيث تتقاطع الجذور مع العبور، والهوية مع التعدد.

الرموز الأمازيغية: ذاكرة أولى تعود إلى الضوء

يحضر المكوّن الأمازيغي في أعمال المعرض بوصفه طبقة ذاكرة بصرية أولى، مرتبطة بالأرض والجسد والعمق المغاربي. هذه الرموز لا تُقدَّم كأثر متحفي جامد، بل كعلامات حيّة قابلة لإعادة القراءة داخل سياق فني معاصر.

من خلال هذا الاشتغال، تعيد الفنانة إدراج العلامة الأمازيغية داخل خطاب بصري حديث، لا يلغي بعدها التاريخي، بل يحررها من التوظيف الفولكلوري، ويمنحها إمكانية جديدة للحياة داخل الفن المعاصر.

الحرف العربي واللاتيني: حوار ضفتي المتوسط

إلى جانب ذلك، يتحول الحرف العربي إلى عنصر تشكيلي مفتوح على الحركة والانسياب، حيث يفقد وظيفته اللغوية المباشرة ليصبح إيقاعا بصريا وملمسا جماليا يعيد تشكيل سطح اللوحة.

في المقابل، يظهر الحرف اللاتيني عبر الكولاج والوثائق والأوراق كإشارة إلى الضفة الأخرى من المتوسط، إلى أوروبا والهجرة والعبور الثقافي. غير أن حضوره لا يأتي في شكل قطيعة، بل في صيغة حوار بصري يجعل من الهوية نسيجا متراكبا لا كيانا مغلقا.

الكولاج والورق: ذاكرة تتحرك عبر المتوسط

تبدو المواد الورقية والكولاجات في المعرض كأنها وثائق عبور، لا تسجل فقط حركة الإنسان، بل حركة المعنى ذاته بين الضفاف. إنها أعمال تحاكي تجربة التنقل والهجرة، حيث لا يغادر الإنسان جذوره، بل يعيد تشكيلها داخل سياقات جديدة.

بهذا المعنى، يتحول العمل الفني إلى أرشيف حيّ للذاكرة، لا يحفظ الماضي فقط، بل يعيد تأويله باستمرار داخل الحاضر.

الضوء والصوت: من اللوحة إلى التجربة الحيّة

يمنح المابينغ البصري بعدا إضافيا لهذا الاشتغال، حيث يتحول الضوء إلى أداة تأويل تعيد إحياء العلامة وتجعلها في حالة حركة دائمة. الرمز هنا لا يبقى ثابتا، بل يتغير ويتحول وفق تفاعل الضوء مع المادة.

أما الصوت، كما صممه الفنان إلياس شيحاوي، فيفتح طبقة حسية أخرى داخل التجربة، حيث تصبح الذاكرة مسموعة بقدر ما هي مرئية. هذا التداخل بين الصوت والصورة يخرج المعرض من حدود التشكيل التقليدي نحو تجربة إدراكية متعددة الحواس.

نحو جسد يتذكر: لحظة الأداء الختامي

تتوج هذه التجربة يوم الأحد 28 جوان بعرض مابينغ وأداء حي بعنوان “Autoportrait et Performance”، يتمحور حول النساء الأمازيغيات ورمز تيفيناغ، في اشتغال يجمع بين الجسد والذاكرة والتاريخ.

في هذه اللحظة، ينتقل العمل من اللوحة إلى الجسد، ومن العلامة إلى الحضور الحي، ليصبح الفن سؤالا مفتوحا حول الذات داخل التاريخ الجماعي، وحول موقع المرأة والرمز في تشكيل الذاكرة الثقافية.

هوية مفتوحة على العالم

في مجملها، تقترح “Trace et Signe” رؤية فنية للهوية التونسية باعتبارها فضاء مركبا لا يمكن اختزاله، بل يتشكل من تداخل الأمازيغي والعربي والمتوسطي والانفتاح على العالم.

وفي هذا التداخل بين الحروف والرموز والضوء، يبدو أن العمل لا يبحث عن هوية نهائية، بل عن هوية في حالة حركة دائمة، تعيد تعريف نفسها عبر الأثر والعلامة، بين ما يختفي وما يبقى، وبين ما يُرى وما يُحسّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى