وطنية

GNV و CTN وكرامة المسافر المنسية.. حين يتحوّل السفر إلى اختبار للكرامة

ما يحدث في بعض قاعات الانتظار قبل الإبحار ليس مجرّد خلل تنظيمي عابر، ولا مشكلة تقنية بسيطة يمكن اختزالها في غياب مكيّف أو مروحة أو عدد كافٍ من مقابس الكهرباء. إنّه مشهد كامل يكشف أزمة أعمق: أزمة احترام الإنسان حين يتحوّل المسافر من “زبون له كرامة وحقوق” إلى “رقم في طابور طويل”.

1. قاعة انتظار بلا شروط إنسانية

حين يجد الإنسان نفسه في قاعة مغلقة، مزدحمة، بلا تهوية كافية، بلا نوافذ حقيقية، بلا تكييف، بلا مراوح، وبعدد محدود جداً من مقابس الكهرباء لعشرات أو مئات المسافرين، فإنّنا لم نعد أمام نقص في الرفاهية، بل أمام غياب للحدّ الأدنى من شروط الاستقبال الإنساني.

2. نحن لا نطلب الرفاهية بل الحدّ الأدنى

الأمر لا يتعلّق بالكمال ولا بالرفاهية الزائدة. نحن لا نطلب صالات فاخرة، ولا خدمات خمس نجوم، ولا امتيازات خاصة. نحن نتحدث عن الهواء. عن الجلوس. عن النظافة. عن التنظيم. عن المعلومة الواضحة. عن معاملة تحترم العائلات، الأطفال، النساء، كبار السن، والمرضى الذين ينتظرون لساعات طويلة قبل الصعود إلى السفينة.

3. المشكلة ليست القدرة بل غياب الإلزام

المؤلم أنّ هذه الشركات تعرف جيداً ما يجب فعله. شركة تنقل آلاف المسافرين بين أوروبا وشمال إفريقيا تعرف معنى التكييف. تعرف معنى التهوية. تعرف معنى تنظيم الطوابير. تعرف معنى توفير مقاعد كافية. تعرف معنى تجهيز قاعة انتظار تناسب عدد المسافرين. تعرف معنى أن يكون هناك حدّ أدنى من الراحة لمن دفع ثمن تذكرة سفر ليست رخيصة أصلاً.

4. لماذا لا تتحسن الخدمة؟

إذن المشكلة ليست أن GNV لا تستطيع أن تفعل أفضل. المشكلة أنّها، على ما يبدو، ليست مضطرة بما يكفي لأن تفعل أفضل.

طالما أنّ الناس تقبل كل شيء، فلن يتغيّر شيء. طالما أنّ المسافرين يقفون في الطوابير لساعات، ويتذمّرون بينهم بصوت منخفض، ثم يصمتون في النهاية، ويدفعون من جديد في السنة القادمة، فإنّ الشركات لن ترى سبباً جدياً لتغيير سلوكها. لماذا تستثمر في تحسين الخدمات إذا كان المسافر يدفع على أي حال؟ لماذا توسّع قاعات الانتظار إذا كانت القاعات الحالية، رغم سوء حالتها، تمتلئ كل موسم؟ لماذا تحترم شركة زبوناً لا يدافع جماعياً عن احترامه؟

5. ثقافة قبول الإهانة

هذه ليست مسؤولية الشركة وحدها، بل مسؤولية ثقافة كاملة تعوّدت على قبول الإهانة بصمت. نحن، كمجتمعات، كثيراً ما نتعامل مع سوء الخدمة وكأنّه قدر. نقول: “هذا عادي”، “دائماً هكذا”، “اصبر فقط”، “المهم أن نصل”. لكن هذه الجمل الصغيرة هي التي تصنع الكوارث الكبيرة. لأنّ الإنسان حين يقبل بالحدّ الأدنى من الإهانة مرة بعد مرة، تتحوّل الإهانة إلى نظام، ويتحوّل النظام إلى عادة، وتتحوّل العادة إلى واقع لا يعترض عليه أحد.

6. كرامة المسافر تبدأ قبل الصعود إلى السفينة

الكرامة لا تبدأ عندما نصعد إلى السفينة. الكرامة تبدأ في لحظة الانتظار. تبدأ عندما يرفض الإنسان أن يُعامل كقطيع. تبدأ عندما يقول: لا، هذا ليس طبيعياً. لا، هذا ليس مقبولاً. لا، ثمن التذكرة لا يعني أن أتخلى عن حقي في الهواء، والاحترام، والنظافة، والتنظيم، والمعلومة، والسلامة.

7. المسافر ليس حقيبة تُنقل من ميناء إلى ميناء

المسافر ليس حقيبة يتم نقلها من ميناء إلى ميناء. المسافر إنسان. وراء كل تذكرة هناك عائلة، أطفال، أمّ، أب، عامل مهاجر، طالب، مريض، شخص انتظر سنة كاملة ليعود إلى بلده أو ليرى أهله. وراء كل سيارة في الطابور قصة. ووراء كل مسافر تعب، مال، وقت، وذاكرة مرتبطة بالوطن.

8. الربح لا يلغي المسؤولية الأخلاقية

إذا كانت الشركات الخاصة مثل GNV تتحرك بمنطق الربح، فإنّ هذا لا يعفيها من المسؤولية الأخلاقية. الربح لا يعني غياب الاحترام. التجارة لا تعني سحق الكرامة. والنقل البحري ليس مجرّد بيع مقعد أو سرير في سفينة، بل هو خدمة إنسانية تمسّ كرامة الناس وسلامتهم وراحة عائلاتهم.

9. أين دور CTN كشركة وطنية؟

لكن المشكلة لا تتوقف عند GNV.

حتى CTN، التي من المفترض أن تكون شركة وطنية تحمل معنى أعمق من مجرّد النقل التجاري، لا تقوم دائماً بالدور الذي ينتظره منها التونسيون بالخارج. شركة وطنية لا ينبغي أن تتصرف فقط كفاعل تجاري يبحث عن الربح في موسم الذروة. هي مطالبة أيضاً بأن تكون سنداً رمزياً واقتصادياً واجتماعياً لجالية تعيش في الخارج، تعمل طوال السنة، تدفع الضرائب، ترسل الأموال، وتبقى مرتبطة بوطنها رغم المسافة.

10. عندما يصبح الحنين إلى الوطن فرصة تجارية

عندما تتحوّل العودة إلى تونس في الصيف إلى عبء مالي ثقيل، وعندما تصبح الأسعار في أوقات الذروة مرهقة للعائلات، وعندما يشعر التونسي بالخارج أن وطنه لا يخفف عنه بل يستفيد من حاجته العاطفية للعودة، فهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل الشركة الوطنية تخدم المواطن أم تستغل ضعفه الموسمي وحنينه إلى بلده؟

11. السفر إلى الوطن ليس رحلة سياحية عادية

ليس من العدل أن يتحوّل الحنين إلى الوطن إلى فرصة تجارية. ليس من العدل أن يدفع التونسي بالخارج ثمناً باهظاً فقط لأنه يريد أن يأخذ أطفاله ليروا أجدادهم، أو ليقضي بضعة أسابيع في بلده، أو ليحافظ على صلة أبنائه بجذورهم. الدولة التي تحترم أبناءها في الخارج يجب أن تفهم أنّ السفر إلى الوطن ليس رحلة سياحية عادية، بل علاقة وجدانية، عائلية، وثقافية.

12. CTN كان يجب أن تكون عامل توازن

CTN كان يفترض أن تكون عامل توازن، لا مجرّد منافس تجاري. كان يفترض أن تضغط على السوق نحو أسعار معقولة وخدمات أفضل. كان يفترض أن تكون معياراً للجودة والاحترام، لا أن تصبح جزءاً من نفس المنطق الموسمي الذي يجعل المواطن يدفع أكثر فقط لأنه لا يملك بديلاً حقيقياً في فترة معينة.

13. المسافر بين ضعف البدائل ومنطق الاستغلال

الخطير في كل هذا أنّ المسافر يجد نفسه محاصراً بين شركات خاصة تستغل ضعف البدائل، وشركة وطنية لا تقدّم دائماً البديل العادل الذي يليق بالمواطن. والنتيجة واحدة: عائلات تدفع كثيراً، تنتظر كثيراً، تتعب كثيراً، ثم تُعامل أحياناً وكأنها هي المشكلة، لا كأنها مصدر شرعية هذه الشركات وأرباحها.

14. مطالب بسيطة وليست مستحيلة

نحن لا نطلب المستحيل. نطلب فقط أن يتم التعامل مع المسافر كإنسان.

نطلب قاعات انتظار محترمة.
نطلب تهوية وتكييفاً في الصيف.
نطلب مقاعد كافية.
نطلب نظافة حقيقية.
نطلب مقابس كهرباء تناسب عدد المسافرين.
نطلب تنظيماً واضحاً للطوابير.
نطلب معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب.
نطلب احترام كبار السن والأطفال والعائلات.
نطلب أسعاراً معقولة، خاصة في مواسم عودة الجالية.
نطلب أن تكون الشركة الوطنية في صف المواطن، لا في صف منطق الاستغلال الموسمي.

15. الصمت جزء من المشكلة

المشكلة الكبرى أنّ الصمت أصبح جزءاً من المشكلة. كل مسافر يرى، يتذمّر، ثم ينسى. كل عائلة تعاني، ثم تقول: “المهم وصلنا”. كل شخص يعيش نفس التجربة، ثم لا يترك تعليقاً، لا يكتب شكوى، لا ينشر صورة، لا يطالب بحق. وهكذا يستمر النظام كما هو، لأنّ الشركات تفهم جيداً أن الغضب الفردي إذا لم يتحوّل إلى ضغط علني ومنظم، فهو مجرد ضجيج عابر.

16. التوثيق ليس انتقاماً بل فعل مواطنة

لهذا، فإن كتابة تعليق على Google Maps ليست أمراً بسيطاً أو تافهاً. نشر صورة ليس تفصيلاً. توثيق التجربة ليس انتقاماً. إنه فعل مواطنة. إنه طريقة سلمية وحضارية لقول الحقيقة. الشركات الحديثة تهتم بصورتها، بسمعتها، بتقييماتها، وبما يراه الناس عنها. وإذا لم ننقل الواقع كما هو، فسنكون نحن أيضاً جزءاً من صناعة الوهم.

17. ثقافة جديدة للدفاع عن الحقوق

السكوت ليس حياداً دائماً. أحياناً يكون السكوت مشاركة غير مباشرة في استمرار الإهانة.

نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل مع الخدمات. ثقافة لا تكتفي بالشكوى في المقاهي أو في الطوابير، بل توثّق، تكتب، تقارن، تقيّم، تطالب، وتنشر. لأنّ الحقوق لا تأتي فقط من القوانين، بل تأتي أيضاً من وعي الناس بقيمتهم.

18. الشركات تحترم الزبون الواعي

الشركة التي تعرف أن زبائنها واعون، منظّمون، يكتبون، يقيّمون، ويؤثرون على صورتها العامة، ستفكر ألف مرة قبل أن تهملهم.

أما إذا بقي المسافر مجرد فرد متعب، صامت، قابل بكل شيء، فإنّ السوق سيعامله كما يرضى هو أن يُعامل.

19. القضية أكبر من قاعة انتظار

في النهاية، القضية ليست فقط قاعة انتظار بلا مكيّف. القضية أكبر من ذلك بكثير. إنها سؤال عن قيمة الإنسان في منظومة النقل، وعن علاقة الشركات بالكرامة، وعن دور الدولة وشركاتها الوطنية تجاه مواطنيها في الخارج، وعن مسؤولية المسافر نفسه في الدفاع عن احترامه.

لا كرامة بلا وعي جماعي

من لا يرفع صوته من أجل الحدّ الأدنى، لن يحصل حتى على الحدّ الأدنى.

ومن يقبل أن يُعامل بلا كرامة، لا يجب أن يستغرب حين تتحول قلة الاحترام إلى قاعدة دائمة.

الاحترام لا يُستجدى.
الاحترام يُفرض بالوعي، بالكلمة، بالتوثيق، وبالرفض الجماعي للإهانة.

إذا أردنا أن تُعاملنا الشركات بشكل أفضل، فعلينا أولاً أن نتوقف عن قبول الأسوأ وكأنه أمر طبيعي.

الرحلة إلى الوطن يجب أن تكون جسراً للفرح واللقاء، لا اختباراً للإهانة والصبر والاستغلال.
ثم تُعامل أحياناً وكأنها هي المشكلة، لا كأنها مصدر شرعية هذه الشركات وأرباحها.
14. مطالب بسيطة وليست مستحيلة
نحن لا نطلب المستحيل. نطلب فقط أن يتم التعامل مع المسافر كإنسان.
نطلب قاعات انتظار محترمة.
نطلب تهوية وتكييفاً في الصيف.
نطلب مقاعد كافية.
نطلب نظافة حقيقية.
نطلب مقابس كهرباء تناسب عدد المسافرين.
نطلب تنظيماً واضحاً للطوابير.
نطلب معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب.
نطلب احترام كبار السن والأطفال والعائلات.
نطلب أسعاراً معقولة، خاصة في مواسم عودة الجالية.
نطلب أن تكون الشركة الوطنية في صف المواطن، لا في صف منطق الاستغلال الموسمي.
15. الصمت جزء من المشكلة
المشكلة الكبرى أنّ الصمت أصبح جزءاً من المشكلة. كل مسافر يرى، يتذمّر، ثم ينسى. كل عائلة تعاني، ثم تقول: “المهم وصلنا”. كل شخص يعيش نفس التجربة، ثم لا يترك تعليقاً، لا يكتب شكوى، لا ينشر صورة، لا يطالب بحق. وهكذا يستمر النظام كما هو، لأنّ الشركات تفهم جيداً أن الغضب الفردي إذا لم يتحوّل إلى ضغط علني ومنظم، فهو مجرد ضجيج عابر.
16. التوثيق ليس انتقاماً بل فعل مواطنة
لهذا، فإن كتابة تعليق على Google Maps ليست أمراً بسيطاً أو تافهاً. نشر صورة ليس تفصيلاً. توثيق التجربة ليس انتقاماً. إنه فعل مواطنة. إنه طريقة سلمية وحضارية لقول الحقيقة. الشركات الحديثة تهتم بصورتها، بسمعتها، بتقييماتها، وبما يراه الناس عنها. وإذا لم ننقل الواقع كما هو، فسنكون نحن أيضاً جزءاً من صناعة الوهم.
17. ثقافة جديدة للدفاع عن الحقوق
السكوت ليس حياداً دائماً. أحياناً يكون السكوت مشاركة غير مباشرة في استمرار الإهانة.
نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة في التعامل مع الخدمات. ثقافة لا تكتفي بالشكوى في المقاهي أو في الطوابير، بل توثّق، تكتب، تقارن، تقيّم، تطالب، وتنشر. لأنّ الحقوق لا تأتي فقط من القوانين، بل تأتي أيضاً من وعي الناس بقيمتهم.
18. الشركات تحترم الزبون الواعي
الشركة التي تعرف أن زبائنها واعون، منظّمون، يكتبون، يقيّمون، ويؤثرون على صورتها العامة، ستفكر ألف مرة قبل أن تهملهم.
أما إذا بقي المسافر مجرد فرد متعب، صامت، قابل بكل شيء، فإنّ السوق سيعامله كما يرضى هو أن يُعامل.
19. القضية أكبر من قاعة انتظار
في النهاية، القضية ليست فقط قاعة انتظار بلا مكيّف. القضية أكبر من ذلك بكثير. إنها سؤال عن قيمة الإنسان في منظومة النقل، وعن علاقة الشركات بالكرامة، وعن دور الدولة وشركاتها الوطنية تجاه مواطنيها في الخارج، وعن مسؤولية المسافر نفسه في الدفاع عن احترامه.
خاتمة: لا كرامة بلا وعي جماعي
من لا يرفع صوته من أجل الحدّ الأدنى، لن يحصل حتى على الحدّ الأدنى.
ومن يقبل أن يُعامل بلا كرامة، لا يجب أن يستغرب حين تتحول قلة الاحترام إلى قاعدة دائمة.
الاحترام لا يُستجدى.
الاحترام يُفرض بالوعي، بالكلمة، بالتوثيق، وبالرفض الجماعي للإهانة.
إذا أردنا أن تُعاملنا الشركات بشكل أفضل، فعلينا أولاً أن نتوقف عن قبول الأسوأ وكأنه أمر طبيعي.
الرحلة إلى الوطن يجب أن تكون جسراً للفرح واللقاء، لا اختباراً للإهانة والصبر والاستغلال.

لطفي برق الليل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى