وطنية

تقرير صادم: تأخر مشروع الشبكة الحديدية السريعة يكلف تونس 100 مليون دينار سنوياً

بعد سنوات من الانتظار، لم يعد مشروع الشبكة الحديدية السريعة بإقليم تونس الكبرى مجرد ورشة تأخرت عن موعدها، بل أصبح ملفاً يطرح أسئلة عميقة حول كلفة التعطيل في المشاريع العمومية. فوفق تقييم مفصل أنجزه المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، بلغت الخسائر المباشرة الناجمة عن تأخر المشروع نحو 100 مليون دينار سنوياً، في وقت كان من المنتظر أن ينقل أكثر من 600 ألف مسافر يومياً ويخفف الضغط الخانق على شبكة النقل والطرقات بالعاصمة وضواحيها.

ويكشف التقرير أن التأخير، الذي امتد لنحو عشر سنوات، لم ينعكس فقط على المالية العمومية، بل حرم مئات الآلاف من المواطنين من منظومة نقل حديثة كان يُفترض أن تُحدث تحولاً جذرياً في التنقل داخل إقليم تونس الكبرى.

مشروع بمليارات الدنانير… وطموحات لم تتحقق

صُممت المرحلة الأولى من مشروع الشبكة الحديدية السريعة لتشمل إنجاز الخطين D وE، إلى جانب البنية التحتية المشتركة، من ورشة صيانة بسيدي فتح الله، ونفق السيدة المنوبية، ومحطات كهربائية فرعية، ومركز قيادة موحد.

وتبلغ الكلفة الإجمالية المعلنة للمشروع حوالي 1.217 مليار دينار، موّلت الدولة التونسية نحو 40 بالمائة منها، بينما تم توفير 60 بالمائة عبر قروض وتمويلات أوروبية من مؤسسات مالية دولية.

وكان الهدف الأساسي من المشروع فك العزلة عن عدد من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، على غرار سيدي حسين والزهروني، وتوفير وسيلة نقل جماعي سريعة وآمنة تستجيب للطلب المتزايد على خدمات النقل الحضري.

تضارب الصلاحيات… أحد أبرز أسباب التعطيل

بحسب التقرير، لم يكن الجانب الفني وحده وراء تأخر المشروع، بل لعبت الإشكاليات التنظيمية دوراً محورياً في تعطيل الإنجاز.

وأشار المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى وجود فصل واضح بين شركة الشبكة الحديدية السريعة، المكلفة بإنجاز المشروع، والشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية، التي يفترض أن تتولى استغلاله، وهو ما أدى إلى تداخل في الصلاحيات وتعطل عدد من الإجراءات الفنية والإدارية، وأثر بشكل مباشر في نسق تقدم الأشغال.

ويرى التقرير أن ضعف التنسيق بين مختلف الهياكل المتدخلة حوّل المشروع إلى مثال بارز على الكلفة الباهظة التي يمكن أن تنتج عن غياب الحوكمة الفعالة في إدارة المشاريع العمومية الكبرى.

خسائر مالية تتراكم عاماً بعد عام

لم تتوقف تداعيات التأخير عند حدود تعطيل تشغيل الخطوط، بل امتدت إلى خسائر مالية متراكمة تحملتها الدولة.

ويشير التقرير إلى أن التأخر في سحب القروض واستكمال الإجراءات الإدارية أدى إلى دفع غرامات تأخير بقيمة 5 ملايين دينار لفائدة الشركة الكورية الجنوبية هيونداي روتيم، الموردة لجزء من تجهيزات المشروع.

كما ساهم تراجع قيمة الدينار التونسي أمام اليورو خلال سنوات التعطيل في ارتفاع الكلفة النهائية للمشروع، فضلاً عن ضياع عائدات تشغيلية كان من الممكن تحقيقها لو دخلت الشبكة الخدمة في الآجال المحددة.

كلفة اقتصادية تتجاوز الأرقام

ويرى التقرير أن الخسارة الحقيقية لا تُقاس فقط بالمبالغ المالية، بل تشمل أيضاً التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي يتحملها المواطن يومياً.

فاستمرار الاعتماد على وسائل نقل تقليدية وشبكة طرقات مكتظة أدى إلى هدر ملايين ساعات العمل سنوياً بسبب الازدحام، وهو ما انعكس على الإنتاجية، واستهلاك الوقود، وارتفاع تكاليف التنقل، فضلاً عن زيادة الانبعاثات البيئية.

وبذلك، لم يعد تأخر مشروع الشبكة الحديدية السريعة مجرد تأجيل لإنجاز بنية تحتية، بل أصبح عاملاً مؤثراً في الأداء الاقتصادي وجودة الحياة داخل العاصمة وضواحيها.

دعوات لتعزيز الحوكمة والشفافية

وسلط التقرير الضوء أيضاً على ضعف الشفافية في إدارة المشروع، مشيراً إلى أن آخر البيانات والتقارير المنشورة على الموقع الرسمي تعود إلى سنة 2014، إلى جانب وجود تباينات في الأرقام المعلنة بين الجهات الرسمية والجهات المانحة.

ويخلص التقرير إلى أن إنقاذ المشروع لا يقتصر على استكمال الأشغال، بل يتطلب مراجعة منظومة الحوكمة وآليات التنسيق بين المؤسسات، وتعزيز الشفافية في نشر المعطيات المتعلقة بالمشاريع العمومية، حتى لا تتكرر السيناريوهات نفسها في مشاريع استراتيجية أخرى تحتاجها تونس لتحقيق نقلة حقيقية في البنية التحتية والنقل الجماعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى