وطنية

حرائق صيف 2026 في تونس.. أكثر من 4400 هكتار من الغابات تحترق والقطاع الفلاحي أمام تحدي المناخ

لم تعد الحرائق التي شهدتها تونس خلال صيف 2026 مجرد ظاهرة موسمية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على حجم التحديات المناخية التي تواجه البلاد، بعدما امتدت ألسنة اللهب إلى مساحات غابية واسعة مهددة ثروة طبيعية استغرق تشكلها عقوداً، في وقت يعيش فيه القطاع الفلاحي مرحلة دقيقة تزامناً مع نهاية موسم الحصاد وارتفاع مخاطر الجفاف والحرارة.

ورغم نجاح تونس في تأمين الجزء الأكبر من صابة الحبوب وتجاوز موسم الحصاد دون خسائر وطنية كبرى، فإن الحرائق الأخيرة كشفت هشاشة المنظومات الطبيعية والريفية أمام التحولات المناخية المتسارعة، وطرحت من جديد أسئلة حول مدى جاهزية آليات الوقاية والتدخل لحماية الغطاء الغابي والمناطق الفلاحية.

4400 هكتار من الغابات تحت وطأة النيران

تكشف الأرقام حجم الأضرار التي خلفتها الحرائق المسجلة منذ بداية شهر ماي إلى غاية 23 جويلية 2026، حيث أتت النيران على حوالي 4400 هكتار من المساحات الغابية، مقابل 2705 هكتارات خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وفق المعطيات المتوفرة عن مصالح الحماية المدنية.

كما تم تسجيل 75 حريقاً داخل المناطق الغابية و108 حرائق بالمناطق الشجيرية، ما يعكس ارتفاعاً ملحوظاً في نسق الحرائق مقارنة بالمواسم السابقة، خاصة في ظل تزامنها مع موجات حرارة قوية ورياح ساهمت في سرعة انتشار النيران.

وتركزت أبرز الخسائر في ولايات الشمال الغربي التي تضم أكبر الثروات الغابية في تونس، على غرار جندوبة والكاف وباجة وبنزرت وسليانة وزغوان، حيث كانت بعض الحرائق واسعة النطاق، من بينها حريق ساقية سيدي يوسف بالكاف الذي أتى على حوالي 2000 هكتار، فيما سجلت ولاية زغوان خسائر قدرت بحوالي 905 هكتارات.

الغابات.. ثروة بيئية واقتصادية تحتاج سنوات للتعافي

لا يمكن اختزال خسائر الحرائق في عدد الأشجار التي التهمتها النيران، فالغابات التونسية تمثل منظومة بيئية متكاملة لها دور أساسي في حماية التربة، والحد من التصحر، والمحافظة على التنوع البيولوجي، فضلاً عن كونها مصدراً للرزق بالنسبة إلى آلاف العائلات في المناطق الريفية.

وتحتاج المناطق المتضررة إلى سنوات طويلة لاستعادة توازنها الطبيعي، خاصة في ظل استمرار الضغوط المناخية من ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية، وهو ما يجعل عملية إعادة التشجير وحماية المناطق الغابية تحدياً طويل المدى يتطلب تخطيطاً وإمكانيات إضافية.

الحبوب نجت من السيناريو الأسوأ.. لكن المخاطر متواصلة

جاءت الحرائق في فترة حساسة تزامنت مع موسم حصاد الحبوب، عندما تصبح الحقول الجافة أكثر عرضة للاشتعال، غير أن تقدم عمليات الحصاد ساهم في الحد من الخسائر، حيث لم تسجل الصابة الوطنية أضراراً كبيرة رغم المخاوف التي رافقت انتشار النيران.

لكن ذلك لا يعني غياب المخاطر بالنسبة للفلاحين، خاصة في ما يتعلق بالحقول المتأخرة في الحصاد، إضافة إلى مخزونات التبن والأعلاف التي تعد من أكثر المواد قابلية للاشتعال خلال فصل الصيف.

وفي المقابل، يواجه القطاع الفلاحي تحديات أخرى مرتبطة بالإجهاد المناخي، إذ تؤثر موجات الحر المتكررة ونقص المياه على مردودية عدد من الزراعات الصيفية والأشجار المثمرة، كما ترفع من حاجيات الري في وقت تعرف فيه عدة مناطق ضغطاً متزايداً على الموارد المائية.

917 تدخلاً لمواجهة الحرائق

أمام اتساع رقعة الحرائق، كثفت مصالح الغابات والحماية المدنية تدخلاتها، حيث تم تسجيل حوالي 917 عملية إخماد للحرائق منذ بداية الموسم، مقابل 620 تدخلاً خلال الفترة نفسها من سنة 2025.

وشملت هذه التدخلات مناطق غابية صعبة التضاريس، حيث تعيق طبيعة الأرض وسرعة الرياح وارتفاع درجات الحرارة عمليات السيطرة على النيران، ما يفرض توفير تجهيزات أكثر تطوراً وتعزيز الموارد البشرية المكلفة بالمراقبة والتدخل.

من التدخل إلى الوقاية.. تونس أمام ضرورة تغيير مقاربة التعامل مع الحرائق

أثبت صيف 2026 أن حرائق الغابات لم تعد مجرد حوادث ظرفية مرتبطة بفصل الصيف، بل أصبحت جزءاً من تحدٍ مناخي متصاعد يفرض اعتماد رؤية جديدة تقوم على الوقاية والاستباق أكثر من الاقتصار على التدخل بعد اندلاع النيران.

ويؤكد خبراء في المجال البيئي أن حماية الثروة الغابية وتأمين الأراضي الفلاحية يتطلبان استراتيجية متكاملة تشمل تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وصيانة المسالك الغابية وخطوط الحماية، وتعزيز دور أعوان الغابات، إلى جانب إشراك سكان المناطق الريفية في برامج الوقاية والمراقبة.

إن حرائق جويلية 2026 لم تترك فقط آلاف الهكتارات المتضررة، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً يفرض على تونس تعزيز جاهزيتها لحماية ثرواتها الطبيعية وضمان استدامة قطاعها الفلاحي في السنوات القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى