وطنية

13 أوت: عيد المرأة… أم يوم النفاق الجماعي بامتياز؟

قلتُها ذات يوم أمام الكاميرا، وربما استفزّت عبارتي البعض: «لا نستحق عيدًا… نحن كائن مثلنا مثل الرجال.»
واليوم، في 13 أوت، لا أتراجع عن كلمتي.
بل أريد أن أقولها بصوت أعلى:
المرأة لا تحتاج إلى عيد حتى تكون إنسانة.
لا تحتاج إلى يوم في السنة كي نذكّرها بأنها قوية، جميلة، عظيمة، مضحية، صابرة، أمًّا، زوجة، ابنة، عاملة، أو «نصف المجتمع».
لكن المفارقة المؤلمة أن المجتمع الذي يقول للمرأة «كل عام وأنتِ بخير» في 13 أوت، قد يقضي بقية العام في إخبارها، بطريقة مباشرة أو ناعمة، كيف يجب أن تتصرف، وماذا يجب أن ترتدي، ومتى تتزوج، ومتى تنجب، ومتى تصمت، ومتى تسامح، ومتى «تتحمل».
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
لماذا نحتفل به بالضبط؟
نحتفل بامرأة انتزعت حقوقًا؟ نعم.
نحتفل بتاريخ تونسي لا يمكن إنكاره؟ بالتأكيد.
في 13 أوت 1956 صدر الأمر المتعلق بإصدار مجلة الأحوال الشخصية، وشكلت محطة مفصلية في تاريخ الأسرة والمرأة في تونس، ومن بين ما جاءت به منع تعدد الزوجات وتنظيم مسائل الزواج والطلاق وغيرها.

لكن التاريخ العظيم لا يعني أن الحكاية انتهت.
فالحقوق التي كُتبت في القانون لا تصبح بالضرورة واقعًا في الشارع.
وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي.
ما قيمة أن نقول للفتاة التونسية إن لها الحق في أن تحلم، إذا كان أول سؤال يُطرح عليها عندما تكبر هو: «متى ستتزوجين؟»
ما قيمة أن نقول للمرأة «كوني مستقلة»، ثم نحاسبها عندما تستخدم استقلالها؟
ما قيمة أن نقول لها «كوني قوية»، ثم نعاقبها اجتماعيًا عندما ترفض أن تتحمل ما لا يُطلب من الرجل تحمله؟
وما معنى أن نحتفل بحرية المرأة، إذا كانت المرأة المطلقة مثلًا مطالبة طوال الوقت بتقديم مرافعة دفاع عن نفسها وكأنها متهمة؟
لماذا تحتاج المرأة دائمًا إلى تفسير حياتها؟
هذه هي النقطة التي أريد أن أتوقف عندها اليوم.
نحن لا أريد عيدًا يقول للمرأة: «أنتِ استثنائية.»
نريد مجتمعًا يقول لها:
«أنتِ عادية… ومن حقك أن تعيشي كإنسانة.»
من حقها أن تنجح دون أن تُتهم بالتعالي.
من حقها أن تفشل دون أن يقال: «وهذه نتيجة تمردها.»
من حقها أن تتزوج، ومن حقها ألا تتزوج.
من حقها أن تحب، ومن حقها أن تقول «لا».
من حقها أن تبدأ من جديد.
من حقها أن تكبر دون أن يصبح عمرها تهمة.
ومن حقها أن تكون جميلة دون أن يتحول جمالها إلى دعوة مفتوحة للحكم عليها.

ومن حقها أيضًا أن تكون قوية، وأن تكون متعبة، وأن تبكي، وأن تقول: «لا أستطيع.»

فالمرأة ليست آلة للتحمل.

وليست مشروع تضحية دائم.

وليست مطالبة بأن تكون «امرأة خارقة» حتى تستحق الاحترام.

والأخطر من ذلك كله أن بعض النساء أنفسهن أصبحن حارسات على السجن الذي صنعه المجتمع لهن.

امرأة تراقب امرأة.

امرأة تحاكم امرأة.

امرأة تقول لأخرى: «كيف تجرأتِ؟»

وكأن الحرية إذا وصلت إلى امرأة، انتقصت من امرأة أخرى.
حرية امرأة لا تهدد امرأة أخرى.
وكرامة امرأة لا تنتقص من كرامة الرجل.
والمساواة ليست حربًا على الرجال.
وهنا أعود إلى عبارتي القديمة:
«نحن كائن مثلنا مثل الرجال.»
ربما كانت الجملة قصيرة، لكنها تحمل سؤالًا أكبر:
ماذا نحتاج أصلًا إلى أن نقارن المرأة بالرجل حتى نثبت قيمتها؟

لماذا لا نقول ببساطة:

هي إنسان. وهو إنسان.
لهما الكرامة نفسها، وإن اختلفا في أشياء كثيرة.

لا نحتاج إلى تحويل المرأة إلى رجل كي نمنحها حقوقها.
ولا نحتاج إلى إلغاء الرجل حتى نحرر المرأة.
نحتاج فقط إلى أن نتوقف عن بناء قيمة الإنسان على جنسه.

تونس التي صنعت في 1956 لحظة تشريعية سبقت بها كثيرًا من المجتمعات، لا يجب أن تكتفي بالتصفيق لنفسها.

لذلك، في عيد المرأة، لا نريد وردة.ولا منشورًا مليئًا بكلمات من نوع «المرأة نصف المجتمع» ولا صورًا لنساء مبتسمات مع عبارة «كل عام وأنتِ سر النجاح».
نحن نريد شيئًا أصعب.

نريد احترامًا لا يحتاج إلى مناسبة.نريد عدالة لا تعمل بدوام جزئى .

نحن نريد رجلًا لا يشعر أن استقلال المرأة إهانة لرجولته.

ونريد امرأة لا ترى نجاح امرأة أخرى تهديدًا لها.

نريد أمًّا تربي ابنتها على أن تكون صاحبة قرار، وتربي ابنها في الوقت نفسه على أن المرأة ليست خادمة في بيت المستقبل.

نتمنى أن يأتي يوم لا نحتاج فيه إلى 13 أوت كي نتذكر أن للمرأة كرامة،يوم يصبح فيه احترامها عادة، لا حملة.
وحقوقها واقعًا، لا شعارًا.
وحريتها أمرًا طبيعيًا، لا موضوعًا للنقاش.
عندها فقط…
ربما نستطيع أن نلغي عيد المرأة بل ستكون فقط، كما يجب أن تكون منذ البداية:
إنسانًا كامل الحقوق.

قبل أن ترفعوا شعارات المساواة، اسألوا: هل كان الله بحاجة إلى 13 أوت كي يمنح المرأة إنسانيتها؟ القرآن قالها قبل كل المؤتمرات والمواثيق والشعارات: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾. وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. وقال إن معيار الكرامة هو التقوى، لا الجنس. لذلك، ليست القضية أن الله “منح المرأة حقوقها” ثم جاء البشر ليكتشفوها؛ القضية أن الإنسان كثيرًا ما احتاج قرونًا ليطبق على أرض الواقع ما قرره له دينه من كرامة ومسؤولية. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: هل نحتفل كل عام لأننا منحنا المرأة حقوقًا… أم لأننا ما زلنا عاجزين عن احترام حقوق قالها الله قبل أن نكتب نحن قوانيننا؟.

قبل أن ترفعوا شعارات المساواة، اسألوا: هل كان الله بحاجة إلى 13 أوت كي يمنح المرأة إنسانيتها؟ القرآن قالها قبل كل المؤتمرات والمواثيق والشعارات: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾. وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾. وقال إن معيار الكرامة هو التقوى، لا الجنس. لذلك، ليست القضية أن الله “منح المرأة حقوقها” ثم جاء البشر ليكتشفوها؛ القضية أن الإنسان كثيرًا ما احتاج قرونًا ليطبق على أرض الواقع ما قرره له دينه من كرامة ومسؤولية. وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: هل نحتفل كل عام لأننا منحنا المرأة حقوقًا… أم لأننا ما زلنا عاجزين عن احترام حقوق قالها الله قبل أن نكتب نحن قوانيننا؟.

شيماء العباسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى