تونس قبل موسم الأمطار.. هل تكفي الاستعدادات لتفادي الفيضانات؟

مع اقتراب موسم الأمطار من ذروته، تدخل تونس مرحلة اختبار حقيقية لمدى جاهزية بنيتها التحتية وشبكات تصريف مياه الأمطار، بعد أسابيع من التدخلات الوقائية التي شملت جهر الأودية وتنظيف القنوات والمجاري وصيانة المنشآت المائية.
وتشير أحدث المعطيات الرسمية إلى أن الدولة وضعت برنامجاً واسعاً للتوقي من مخاطر الفيضانات، غير أن حجم الأشغال المتبقية، إلى جانب استمرار عدد من المشاريع الكبرى في طور الإنجاز، يطرح سؤالاً أساسياً: هل ستكون التدخلات الوقائية جاهزة في الوقت المناسب لمواجهة أمطار غزيرة ومركزة قد تتجاوز في بعض المناطق قدرة شبكات التصريف؟
أكثر من 2600 كيلومتر خضعت للجهر والتنظيف
على مستوى وزارة التجهيز والإسكان، تجاوزت أشغال جهر وتنظيف القنوات ومجاري المياه 2600 كيلومتر بين جانفي وأوت 2026، أي نحو 70 بالمائة من البرنامج السنوي، وفق المعطيات التي تم تقديمها خلال شهر سبتمبر الجاري.
وكان البرنامج السنوي قد حُدد في حدود 3800 كيلومتر من القنوات والمجاري، إلى جانب جهر وتنظيف نحو 70 هكتاراً من أحواض تجميع المياه.
أما بالنسبة إلى الأودية، فقد تم إلى موفى جويلية جهر وتنظيف 131 كيلومتراً من أصل 363 كيلومتراً مبرمجة، موزعة على 18 ولاية، فيما تتواصل التدخلات لاستكمال بقية الأشغال.
كما تمت صيانة 83 بحيرة جبلية، في حين تتواصل الأشغال للتعهد بـ116 بحيرة أخرى.
وبخصوص شبكات ومجاري مياه الأمطار، بلغت الأشغال المنجزة إلى موفى جويلية 476 كيلومتراً، ضمن برنامج يشمل جهر 1038 كيلومتراً، وهو ما يعني أن جزءاً مهماً من البرنامج كان لا يزال في طور الإنجاز أو ينتظر الاستكمال.
132 مليون دينار لمعالجة أضرار فيضانات جانفي
ولا تبدأ الاستعدادات لموسم الأمطار من الصفر، إذ ما تزال الدولة تتعامل مع آثار الفيضانات التي شهدتها عدة مناطق خلال جانفي 2026.
وقد تم رصد 132 مليون دينار لفائدة 15 ولاية لمعالجة الأضرار، على قسطين، من بينها قسط أول بقيمة 84 مليون دينار مخصص للتدخل في 120 نقطة.
وتكتسي هذه النقاط أهمية خاصة، باعتبار أن الأمطار التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الأولى من السنة كشفت عن مواقع تعاني هشاشة في منظومة تصريف المياه، أو تحتاج إلى تدخلات هندسية تتجاوز عمليات التنظيف والصيانة الدورية.
مشاريع كبرى للحماية.. لكن الأشغال متواصلة
بالتوازي مع عمليات الجهر والتنظيف، تتواصل أشغال مشاريع كبرى لحماية المدن والمناطق العمرانية من الفيضانات، بكلفة جملية تناهز مئات الملايين من الدنانير.
وتختلف هذه المشاريع عن التدخلات الموسمية، باعتبارها تتعلق بتعزيز البنية التحتية للحماية على المدى الطويل، من خلال تهيئة مجاري المياه وإنجاز منشآت جديدة وتحسين قدرة المناطق المعرضة للخطر على تصريف مياه الأمطار.
غير أن استمرار عدد من هذه المشاريع إلى نهاية السنة يعني أن جزءاً من منظومة الحماية الهيكلية ما يزال قيد الإنجاز، وهو ما يجعل جاهزية المنشآت القائمة وشبكات التصريف الحالية عاملاً حاسماً خلال موسم الأمطار الحالي.
البلديات.. الحلقة التي لا تقل أهمية
ولا تقع مسؤولية التصدي لمخاطر الفيضانات على وزارة التجهيز وحدها، إذ تتحمل البلديات جانباً مهماً من عمليات تنظيف وصيانة الشبكات والمنشآت والمجاري الموجودة داخل المناطق العمرانية.
وتبرز أهمية هذا الدور خصوصاً بالنسبة إلى الشبكات الثانوية التي تربط الأحياء والمناطق السكنية بشبكات التصريف الرئيسية.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن أغلب المدن التونسية لا تتوفر على شبكات متكاملة لتصريف مياه الأمطار، في ظل محدودية الإمكانيات المادية والفنية لدى عدد من البلديات.
وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف الرئيسية في منظومة الحماية: فقد تكون المنشآت الرئيسية في حالة جيدة، لكن ضعف الشبكات الثانوية داخل الأحياء يمكن أن يؤدي إلى تجمع المياه في الشوارع والمناطق السكنية قبل وصولها إلى قنوات التصريف الرئيسية.
صفاقس نموذج لحجم التدخلات المطلوبة
في صفاقس، انطلقت منذ بداية أوت عمليات جهر وتنظيف وصيانة شبكة تصريف مياه الأمطار، وتشمل العملية نحو 2200 فوهة لتصريف المياه، في إطار الاستعداد للموسم الجديد.
وتكشف هذه الأرقام حجم العمل المطلوب على المستوى المحلي، خاصة في المدن ذات الكثافة العمرانية المرتفعة والتي تضم عدداً كبيراً من النقاط التي يمكن أن تتحول إلى مناطق لتجمع المياه عند تسجيل تساقطات غزيرة خلال فترة زمنية قصيرة.
ولم تبق الاستعدادات في إطار الإجراءات النظرية، إذ شهد شهر سبتمبر تساقطات هامة في عدد من المناطق، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات ودعوات إلى اليقظة، وأعادت إلى الواجهة مسألة قدرة شبكات التصريف على استيعاب كميات كبيرة من المياه في وقت وجيز.
الفيضانات لا تنتج دائماً عن انسداد القنوات
وتشير المعطيات الفنية إلى أن مخاطر الفيضانات في المدن لا ترتبط فقط بانسداد قنوات تصريف المياه.
فالتوسع العمراني وارتفاع نسبة المساحات المعبدة والإسمنتية يقللان من قدرة مياه الأمطار على التسرب الطبيعي إلى الأرض، في حين يؤدي نقص الشبكات الثانوية في بعض المناطق إلى تراكم المياه داخل الأحياء والشوارع قبل وصولها إلى المنشآت الرئيسية.
كما يمثل إلقاء الفضلات ومخلفات البناء داخل مجاري المياه وشبكات التصريف عاملاً إضافياً يزيد من صعوبة التدخل، ويجعل بعض النقاط بحاجة إلى عمليات تنظيف متكررة.
من الاستعداد الموسمي إلى اختبار الجاهزية
وتقوم الاستعدادات الرسمية لموسم الأمطار على الوقاية والصيانة والرصد والإنذار المبكر والتدخل السريع، مع دعوة مختلف الهياكل المركزية والجهوية والمحلية إلى استكمال الأشغال قبل بلوغ ذروة الموسم.
كما تم التأكيد على ضرورة ترتيب النقاط السوداء والمناطق والمنشآت المعرضة للفيضانات وفق درجة الأولوية، وتحيين قواعد بيانات النقاط الزرقاء، وتعزيز منظومات الرصد والإنذار المبكر وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين.
لكن الأرقام تكشف في الوقت نفسه أن جزءاً مهماً من البرنامج الوقائي كان لا يزال قيد الإنجاز خلال الصيف، سواء تعلق الأمر بالأودية أو شبكات تصريف مياه الأمطار أو البحيرات الجبلية أو مشاريع الحماية من الفيضانات.
أرقام كبيرة.. والاختبار في الميدان
وتكشف معطيات أخرى أن وزارة التجهيز خصصت 37 مليون دينار لأشغال الجهر خلال سنة 2026، فيما تمتد شبكة المنشآت الخاضعة للمعاينة إلى نحو 2600 كيلومتر، مع حاجة بعض المناطق إلى تدخلات دورية وشهرية.
كما تتواصل مشاريع لحماية المناطق العمرانية من الفيضانات بكلفة تناهز مئات الملايين من الدنانير، في حين تتقدم الدراسة الاستراتيجية الوطنية لإدارة مخاطر الفيضانات، وسط استمرار إشكالية نقص شبكات تصريف مياه الأمطار في أغلب المدن.
وبين برنامج سنوي يشمل آلاف الكيلومترات من القنوات والمجاري، ومئات الكيلومترات من الأودية، وأكثر من ألف كيلومتر من شبكات تصريف مياه الأمطار، ومشاريع كبرى للحماية، يبقى السؤال الحقيقي مرتبطاً بقدرة هذه المنظومة على العمل بشكل متكامل عند هطول أمطار غزيرة ومركزة.
فنجاح الاستعدادات لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تم تنظيفها أو المنشآت التي تمت صيانتها، وإنما بمدى قدرة مختلف مكونات المنظومة، من الدولة إلى البلديات، ومن الشبكات الرئيسية إلى الثانوية، على الاستجابة في اللحظة التي تتحول فيها الأمطار من ظاهرة طبيعية إلى خطر على المدن والسكان.
ومع دخول الخريف، سيكون الميدان هو الاختبار الفعلي لكل هذه الاستعدادات.



