التعداد العام للفلاحة في تونس.. من جمع الأرقام إلى بناء قاعدة بيانات تخدم الفلاح

لا تقتصر أهمية التعداد العام للفلاحة على معرفة عدد المستغلين والمساحات المزروعة وحجم الثروة الحيوانية، بل تتجاوز ذلك إلى إمكانية بناء قاعدة بيانات وطنية دقيقة ومحينة يمكن أن تصبح إحدى أهم أدوات الدولة في رسم سياساتها الفلاحية وتوجيه تدخلاتها ودعمها نحو مستحقيها. وفي ظل تحديات المياه والمناخ وارتفاع كلفة الإنتاج وتغير حاجيات الأسواق، تصبح المعلومة الميدانية الدقيقة جزءًا أساسيًا من القدرة على اتخاذ القرار في القطاع الفلاحي.
فتحي الأبيض: فرصة لبناء بنك معلومات وطني
واعتبر رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة والصيد البحري بزغوان، فتحي الأبيض، أن التعداد العام للفلاحة يمثل فرصة لإرساء بنك معطيات وطني دقيق حول القطاع، بما يسمح للدولة ببناء برامجها وتوجيه تدخلاتها استنادًا إلى معطيات ميدانية واضحة بدل الاعتماد على تقديرات متفرقة أو بيانات تحتاج إلى التحيين.
وأوضح الأبيض أن التعداد يمكن أن يوفر صورة أكثر شمولًا عن مختلف مكونات النشاط الفلاحي، من الثروة الحيوانية التي تشمل الأغنام والأبقار والماعز والإبل، إلى قطاع الصيد البحري، مرورًا بالمساحات المخصصة للزراعات الكبرى والزياتين والأشجار المثمرة وغيرها من الأنشطة الزراعية.
التحدي الحقيقي.. الوصول إلى الفلاح في الداخل
لكن قيمة أي تعداد لا تقاس فقط بحجم البيانات التي يتم جمعها، وإنما بدرجة دقة هذه البيانات وشموليتها. وفي هذا السياق، شدد فتحي الأبيض على ضرورة أن تصل عملية التعداد إلى الفلاحين في المناطق الداخلية، وخاصة صغار الفلاحين ومربي الماشية ومنتجي الزراعات الكبرى والزياتين.
وتكتسي هذه الفئات أهمية خاصة، باعتبار أن جزءًا كبيرًا من النشاط الفلاحي يتم خارج الهياكل الكبرى وفي مستغلات صغيرة ومتوسطة قد تكون أكثر عرضة للصعوبات المالية والمناخية ونقص الخدمات. وبالتالي فإن عدم الوصول إليها بشكل فعلي قد يؤدي إلى قاعدة بيانات لا تعكس بصورة كاملة الواقع الحقيقي للقطاع.
من الإحصاء إلى الدعم.. قاعدة البيانات يمكن أن تغيّر المعادلة
الرهان الأكبر يكمن في تحويل المعطيات التي سيجمعها التعداد إلى أدوات عملية يستفيد منها الفلاح مباشرة. فوجود بيانات دقيقة حول طبيعة المستغلة، ونوع النشاط، وحجم القطيع، والمساحات المزروعة، والإنتاج والاحتياجات، يمكن أن يساعد مستقبلاً على توجيه المنح والمساعدات وبرامج التأطير والإرشاد الفلاحي بصورة أكثر دقة.
ويبرز هنا تحديدًا ملف الإرشاد الفلاحي، الذي اعتبر فتحي الأبيض أن نقصه يمثل إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه القطاع في زغوان. فالفلاح لا يحتاج فقط إلى الدعم المالي، وإنما يحتاج أيضًا إلى المعلومة والخبرة والمرافقة الفنية التي تساعده على تحسين الإنتاجية والتعامل مع الأمراض والتغيرات المناخية وترشيد استعمال المياه واعتماد تقنيات إنتاج أكثر نجاعة.
فلاحة 2026-2030 تحتاج إلى أرقام دقيقة
وتأتي أهمية التعداد في ظرف تعمل فيه تونس على تنفيذ رؤية استراتيجية للفلاحة للفترة 2026-2030، ترتكز على تطوير الإنتاج والإنتاجية وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، إلى جانب الحد من تأثيرات التغيرات المناخية وتحسين القدرة التنافسية للمنتجات الفلاحية.
وفي مثل هذا السياق، تصبح البيانات الإحصائية الدقيقة شرطًا للتخطيط، إذ يصعب رسم سياسات فعالة في مجال المياه أو الحبوب أو الزياتين أو الثروة الحيوانية دون معرفة دقيقة بمواقع الإنتاج وحجم النشاط وتوزيع الموارد والاحتياجات حسب الجهات.
أكثر من مليون هكتار للزراعات الكبرى
وتكشف برمجة الموسم الفلاحي 2026-2027 عن حجم القطاع وتشعب حاجياته، حيث تمت برمجة نحو 1.095 مليون هكتار من الزراعات الكبرى، منها حوالي 855 ألف هكتار في الشمال و240 ألف هكتار في الوسط والجنوب.
وتعني هذه الأرقام أن إدارة القطاع الفلاحي تحتاج إلى منظومة معلومات قادرة على مواكبة هذا التنوع الجغرافي والإنتاجي، وربط المعطيات المتعلقة بالأراضي والمنتجين والموارد المائية والإنتاج بالسياسات العمومية الموجهة لكل منطقة، بدل اعتماد مقاربة موحدة لقطاع تختلف واقعه من ولاية إلى أخرى ومن نشاط إلى آخر.
17.4 مليار دينار.. وزن اقتصادي يجعل المعلومة ضرورة
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن الوزن الاقتصادي للفلاحة والصيد البحري في تونس. فقد بلغت القيمة المضافة للقطاع، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، نحو 17.4 مليار دينار سنة 2025 بالأسعار الجارية، مقابل 15.3 مليار دينار سنة 2024.
ويؤكد هذا التطور أن القطاع لا يمثل مجرد نشاط تقليدي مرتبط بالمناطق الريفية، بل أحد مكونات الاقتصاد الوطني، بما يجعل تحسين الإنتاجية وتوجيه الاستثمار والدعم فيه مسألة ذات انعكاس مباشر على النمو والتشغيل والأمن الغذائي والميزان التجاري.
التعداد أمام اختبار الثقة والنجاعة
وكان المجلس الوطني للإحصاء قد تابع خلال سبتمبر 2026 عرضًا قدمته وزارة الفلاحة حول مدى تقدم تنفيذ أشغال التعداد العام للفلاحة ومختلف مراحله، في إطار متابعة البرامج الإحصائية ذات الأولوية.
غير أن نجاح العملية لن يقاس فقط باستكمال عملية جمع البيانات، بل بمدى قدرتها على إنتاج معلومات موثوقة وقابلة للتحيين والاستعمال من قبل مختلف المؤسسات والهياكل المتدخلة في القطاع. فقاعدة البيانات التي لا يتم تحديثها بانتظام قد تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها، خاصة في قطاع يتغير بسرعة تحت تأثير المناخ والأسعار وتطور المساحات والأنشطة.
من تعداد الفلاحين إلى خدمة الفلاح
في النهاية، تكمن القيمة الحقيقية للتعداد العام للفلاحة في السؤال الذي سيأتي بعد جمع الأرقام: ماذا ستفعل الدولة بهذه المعطيات؟
إذا تحولت نتائج التعداد إلى أداة لتحديد الأولويات، وتوجيه الدعم، وتحسين الإرشاد، وتطوير التمويل، ومعرفة حاجيات كل منطقة، والتدخل بشكل أسرع أمام الأزمات المناخية والإنتاجية، فإن العملية ستكون أكثر من مجرد إحصاء وطني.
أما إذا بقيت الأرقام داخل التقارير دون أن تتحول إلى سياسات وخدمات ملموسة، فإن جزءًا مهمًا من الغاية التي من أجلها يتم إنجاز هذا العمل سيبقى معلقًا. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام التعداد العام للفلاحة ليس فقط أن يعرف القطاع كم فلاحًا وكم هكتارًا وكم رأس ماشية، وإنما أن يساعد الدولة على معرفة أين يحتاج الفلاح إلى الدعم، وما نوع هذا الدعم، ومتى يجب أن يصل إليه.


