من فرشاة الدهان إلى سحر الألحان.. جودت غزال، صوتٌ وُلد ليُسمَع

في عالمٍ أصبحت فيه الشهرة أحيانًا أقرب إلى ضغطة زر، قد يختبئ صوت استثنائي في مكان لا يخطر على البال: خلف جدار يُطلى، وبين رائحة الدهان وفرشاة تتنقل من زاوية إلى أخرى.
هناك، في لبنان، يعيش جودت غزال، السوري المقيم هناك، رجل في الثامنة والثلاثين من عمره، متزوج وأب لطفلين، يعمل في مهنة الدهان، ويحمل في داخله شغفًا آخر ظل يرافقه منذ سنوات طويلة: الغناء والإنشاد، ولا سيما الإنشاد الروحاني.
جودت لم يدخل عالم الموسيقى من بوابة المعاهد أو المسارح. قصته بدأت في سن الرابعة عشرة، حين اكتشف أن في صوته شيئًا مختلفًا. لكنه، رغم مرور السنوات، لم يتعامل مع موهبته باعتبارها مشروعًا يمكن أن يغيّر حياته.
ربما لأن الحياة نفسها كانت أقوى من الحلم.
ظروف مادية صعبة، وقرار مغادرة سوريا إلى لبنان بحثًا عن حياة أفضل، ومسؤوليات عائلية فرضت عليه أن يعمل ويؤمّن احتياجات أسرته. وبينما كان يطلي الجدران للناس، ظل صوته يحتفظ بمكانه في داخله.
المفارقة أن جودت نفسه لم يكن، في البداية، مستوعبًا تمامًا لقيمة ما يمتلكه.
كان يسمع الناس يمدحون صوته، لكنه كان يعتقد أن بعضهم ربما يبالغ. كيف يمكن لصوتٍ يخرج من شخص يمارس مهنة عادية، ويغني أحيانًا من تلقاء نفسه، أن يكون بهذه القيمة؟
ثم جاء TikTok.
على المنصة التي أصبحت اليوم قادرة على تحويل موهبة مجهولة إلى ظاهرة في وقت قصير، بدأ صوت جودت يصل إلى أشخاص لم يعرفهم يومًا، ومن بلدان لم يزرها.
وهنا بدأت المفارقة الجميلة: الرجل الذي كان يشك في مبالغة الناس عندما يمدحون صوته، أصبح يسمع المديح من جمهور لا يعرفه ولا تربطه به أي علاقة.
جودت لا يخفي تأثره بالفنان آدم، الذي يعتبره من الأصوات التي تركت أثرًا في ذائقته الفنية. لكن صوته يحمل، في الوقت نفسه، مساحة خاصة به، خصوصًا عندما ينتقل إلى الغناء الروحاني والإنشاد، حيث يبدو وكأنه يجد المساحة التي تشبهه أكثر.
وفي حديث سريع معه، سألتُه سؤالًا افتراضيًا بسيطًا، لكنه يكشف الكثير عن نظرته إلى الشهرة:
لو خيّروك بين أن تغني أمام مئة شخص في حفل، أو تحصل على مليون متابع، ماذا تختار؟
اختار المليون.
ليس لأن الرقم وحده يغريه، بل لأنه يرى في المليون فرصة للوصول إلى جمهور من مختلف أنحاء العالم.
وهنا تحديدًا تكمن روح قصته.
فجودت لا يبدو كمن يبحث فقط عن التصفيق؛ هو يريد أن يعرف الناس أن هناك صوتًا خرج من مكان لم يكن أحد يتوقع أن يخرج منه.
صوت رجل جاء من سوريا إلى لبنان، حمل معه ظروفًا صعبة ومسؤوليات الحياة، واشتغل في الدهان ليؤمّن عائلته، لكنه لم يستطع أن يطفئ الصوت الذي يسكن داخله.
قد تكون هذه هي أجمل مفارقات الحكاية:
يدٌ تمسك فرشاة الدهان لتلوّن الجدران، وصوتٌ يملك القدرة على تلوين المكان بطريقة أخرى.
اليوم، قد يعرفه البعض من مقاطع TikTok، وقد يسمع آخرون صوته للمرة الأولى ويتساءلون: أين كان هذا الصوت طوال كل هذه السنوات؟
لكن ربما السؤال الأهم ليس أين كان جودت، بل:
كم من جودت آخر يعيش بيننا، يحمل موهبة حقيقية، بينما تفرض عليه ظروف الحياة أن يعمل في شيء آخر؟
فالموهبة لا تختار دائمًا المكان الذي تولد فيه، ولا الظروف التي تحيط بها. أحيانًا تولد في بيت بسيط، أو في بلدٍ اضطر صاحبه إلى مغادرته، أو خلف مهنة لا علاقة لها بالفن.
وأحيانًا تحتاج فقط إلى شخص يسمعها… أو إلى هاتف صغير، ومقطع قصير على TikTok، حتى تخرج أخيرًا من الظل.
وربما يكون جودت غزال واحدًا من أولئك الذين لم يصلوا بعد إلى المكان الذي يستحقه صوتهم.
لكن رحلته بدأت بالفعل.
من فرشاة الدهان… إلى ملايين الآذان المحتملة.
شيماء العباسي

