وطنية

عيد الجلاء في تونس: 63 عاما على استرجاع السيادة.. من معركة بنزرت إلى الجلاء الزراعي

تحتفل تونس اليوم، 15 أكتوبر، بعيد الجلاء، تخليدا لذكرى استكمال خروج القوات العسكرية الفرنسية من البلاد سنة 1963، في محطة مفصلية تُوّجت بها سنوات من المقاومة المسلحة والنضال السياسي والتحرك الدبلوماسي. ولم يكن هذا التاريخ مجرد نهاية لوجود عسكري أجنبي، بل مثّل خطوة حاسمة في استكمال السيادة الوطنية، بعد أن حصلت تونس على استقلالها السياسي سنة 1956، فيما ظل الوجود العسكري الفرنسي قائما في عدد من المواقع، وفي مقدمتها القاعدة البحرية والعسكرية ببنزرت.

وتستعيد هذه الذكرى مسارا نضاليا امتد على سنوات، شاركت في صنعه المقاومة التونسية والتعبئة الشعبية، إلى جانب تحركات الدولة الناشئة على الساحة الدولية، وصولا إلى الجلاء العسكري ثم الجلاء الزراعي سنة 1964، الذي أعاد إلى الدولة التونسية مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تحت سيطرة المعمّرين الفرنسيين.

من الاستقلال السياسي إلى معركة استكمال السيادة

لم يؤدّ إعلان الاستقلال في 20 مارس 1956 إلى إنهاء جميع مظاهر الوجود الاستعماري في تونس، إذ بقيت قوات فرنسية متمركزة في قواعد وثكنات عسكرية، تضم آلاف الجنود، وهو ما اعتبرته الدولة التونسية مساسا باستقلالها الفعلي وسيادتها على أراضيها.

ويربط عدد من المؤرخين بداية المسار الذي أفضى إلى عيد الجلاء بتصاعد المقاومة الوطنية المسلحة منذ 18 جانفي 1952، حين اتجهت حركة التحرير الوطني إلى تكثيف المواجهة الميدانية ضد الاستعمار الفرنسي. وتواصلت محطات النضال بعد ذلك، من تضحيات المقاومين في الجبال والأرياف إلى التحركات الشعبية والسياسية المطالبة بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي.

وفي هذا السياق، لم تكن معركة بنزرت حدثا معزولا عن بقية مسار التحرر، بل جاءت امتدادا لصراع أوسع حول معنى الاستقلال وحدوده. فبالنسبة إلى التونسيين، لم يكن كافيا أن تحصل البلاد على اعتراف سياسي باستقلالها، ما دامت أجزاء من أراضيها لا تزال تحت الوجود العسكري الفرنسي.

معركة بنزرت سنة 1961.. مواجهة غير متكافئة وكلفة بشرية باهظة

شكّلت معركة بنزرت، في جويلية 1961، إحدى أكثر المحطات دموية في تاريخ النضال الوطني التونسي، إذ واجهت القوات التونسية الوليدة والمقاومون والمتطوعون قوة عسكرية فرنسية متفوقة في التجهيز والتسليح. وكانت فرنسا تسعى إلى المحافظة على قاعدة بنزرت باعتبارها موقعا استراتيجيا متقدما في جنوب البحر الأبيض المتوسط.

وفي تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، اعتبر المعز بالله العلايمي، الباحث والأكاديمي المتخصص في علم الاجتماع السياسي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس، أن معركة الجلاء تمثل دليلا تاريخيا على أن تونس لم تقبل بالاكتفاء بوثيقة الاستقلال، بل سعت إلى ترجمتها ميدانيا عبر إنهاء الوجود العسكري الفرنسي، رغم عدم تكافؤ موازين القوى بين الجيش التونسي الناشئ والقوة الاستعمارية.

وأشار العلايمي إلى أن بعض الورقات البحثية المعتمدة على الأرشيف الوطني تتحدث عن نحو 700 شهيد وأكثر من 1500 جريح خلال معركة الجلاء، في حين يرى أن الحصيلة الحقيقية للضحايا قد تكون أعلى بكثير، وربما تصل إلى حدود 5000 شهيد، وفق تقديره. وتعكس هذه الأرقام حجم الكلفة البشرية التي تكبدها التونسيون في سبيل استكمال استقلال بلادهم، مع بقاء الحصيلة النهائية موضوعا يستوجب مزيدا من التوثيق والتحقيق التاريخي.

الدبلوماسية التونسية تدوّل القضية وتضيّق الخناق على باريس

لم تقتصر معركة الجلاء على المواجهة العسكرية في بنزرت، بل امتدت إلى الساحة الدولية، حيث عملت تونس على تحويل القضية من نزاع ثنائي مع فرنسا إلى مسألة تتعلق بحق الشعوب في السيادة والاستقلال الكاملين.

وأوضح العلايمي أن تونس وظّفت التحرك الدبلوماسي لتدويل أحداث بنزرت، مستفيدة من التضامن الشعبي والمغاربي ومن مساندة عدد من الدول التي كانت تدعم حركات التحرر الوطني. كما رفعت القضية إلى منظمة الأمم المتحدة، في مسعى للضغط على فرنسا وإنهاء وجودها العسكري في القاعدة.

وفي هذا الإطار، أشار الباحث إلى صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 164 بتاريخ 22 جويلية 1961، الذي دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار وعودة القوات المسلحة إلى المواقع التي كانت تشغلها قبل اندلاع المعركة. وتبع ذلك تحرك دولي أوسع، شمل استقطاب دعم دول عدم الانحياز وعقد جلسة استثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة في أوت 1961، طالبت بفتح مفاوضات لإجلاء القوات الفرنسية عن بنزرت.

وساهم هذا المسار في زيادة الضغط الدولي على باريس، إلى جانب استمرار المطالبة التونسية بالجلاء الكامل، وصولا إلى خروج القوات الفرنسية من القاعدة يوم 15 أكتوبر 1963، وانتهاء الوجود العسكري الفرنسي في تونس.

شهادة أحد المشاركين: خنادق ومقاومة شعبية في مواجهة القصف

وتظل الشهادات الحية للمشاركين في معركة الجلاء جزءا أساسيا من الذاكرة الوطنية، لما تقدمه من تفاصيل عن ظروف المواجهة والتضحيات التي رافقت استكمال الاستقلال.

وفي شهادة نقلتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء، استعاد الحاج محمد الهادي المسعودي، المولود سنة 1936 بقرية برج المسعودي بمعتمدية الكريب من ولاية سليانة، ذكرياته بوصفه أحد الجنود المشاركين في معركة بنزرت.

وقال المسعودي إن المقاتلين كانوا يحتمون بالخنادق للصمود أمام الضربات الجوية للجيش الفرنسي، مشيرا إلى الدور الذي لعبه العاملون في القطاع الفلاحي بالمناطق المحيطة ببنزرت في الالتحاق بسرايا المتطوعين. كما تحدث عن الخسائر البشرية الكبيرة التي لحقت بالعناصر التونسية، خاصة خلال حرب العصابات التي شهدتها المدينة.

واعتبر المسعودي أن معركة بنزرت تمثل مصدر فخر للتونسيين، ولا سيما شباب تلك المرحلة من مواليد ثلاثينات القرن الماضي، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة قوة عسكرية استعمارية دفاعا عن حق بلادهم في السيادة الكاملة.

وتكشف هذه الشهادة جانبا من التعبئة الشعبية التي رافقت المعركة، إذ لم تكن المواجهة مقتصرة على الوحدات العسكرية، بل شارك فيها متطوعون ومواطنون من مناطق مختلفة، في تعبير عن اتساع الالتفاف الشعبي حول مطلب الجلاء.

الجلاء الزراعي سنة 1964.. استكمال الاستقلال الاقتصادي

لم يتوقف استكمال السيادة الوطنية عند خروج آخر القوات الفرنسية، بل امتد إلى المجال الاقتصادي، من خلال استعادة الأراضي الفلاحية التي كانت تحت سيطرة المعمّرين الفرنسيين. وفي هذا السياق، مثّل الجلاء الزراعي محطة مكملة للجلاء العسكري، إذ أعلنت تونس في 12 ماي 1964 استعادة نحو 320 ألف هكتار من الأراضي، مع إقرار تأميم الأراضي الفلاحية المعنية بموجب قانون أمضاه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.

واعتبرت الأستاذة والباحثة المختصة في التاريخ المعاصر سعاد بن سعد، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن ستينات القرن الماضي أسهمت في رسم الشكل النهائي لدولة الاستقلال، ووصفتها بـ«عشرية الملاحم»، رغم ما شهدته من تجارب اقتصادية وسياسية صعبة، من بينها تجربة التعاضد التي ارتبطت بالوزير أحمد بن صالح وانتهت سنة 1969.

وبحسب بن سعد، فإن النجاح الرمزي لمعركة الجلاء عزز حلم التحرر الكامل من الاستعمار، فيما مثّل الجلاء الزراعي خطوة إضافية نحو استعادة القرار الوطني في إدارة الموارد والأراضي. وبذلك لم تعد السيادة مقتصرة على إنهاء الوجود العسكري الأجنبي، بل شملت أيضا استعادة جزء مهم من الثروة العقارية الفلاحية التي كانت خاضعة لسيطرة المعمّرين.

ذاكرة التعبئة الشعبية.. حين أصبح الجلاء قضية مجتمع بأكمله

واستحضرت بن سعد، التي وثّقت جانبا من تاريخ معركة الجلاء من خلال تجربة والدها الهادي بن سعد، ابن قرية المصدور بمعتمدية بنبلة من ولاية المنستير، مظاهر التعبئة التي عرفتها مدن الساحل وقراها لحث المواطنين والشباب على المشاركة في معركة تقرير المصير.

ونقلت عن تلك المرحلة شعارا شعبيا كان يتردد بين الناس: «الي يعيش يعيش والي يموت يموت شهيد»، في عبارة عكست، وفق روايتها، مستوى الحماس والاستعداد للتضحية في مواجهة القوات الاستعمارية.

وتبرز هذه الشهادات أن معركة الجلاء لم تكن مجرد مواجهة عسكرية انتهت بانسحاب القوات الفرنسية، بل كانت أيضا تجربة جماعية تشكلت خلالها ذاكرة وطنية قوامها التضامن والتطوع والإيمان بضرورة استكمال الاستقلال.

عيد الجلاء.. أكثر من ذكرى تاريخية

يمثل الاحتفاء بعيد الجلاء في 15 أكتوبر من كل سنة استحضارا لمحطة حاسمة في بناء الدولة التونسية الحديثة، حين التقت إرادة الحكم مع المطالب الشعبية والتحركات الإقليمية والدولية لإنهاء الوجود العسكري الفرنسي.

وبين معركة بنزرت سنة 1961 والجلاء العسكري سنة 1963 ثم الجلاء الزراعي سنة 1964، تدرجت تونس في استكمال أركان سيادتها، من التحرر السياسي إلى استعادة السيطرة على الأرض والموارد. وهي محطات تؤكد أن الاستقلال لم يكن حدثا واحدا، بل مسارا متواصلا من النضال والتفاوض والتضحيات.

وبعد أكثر من ستة عقود، تظل ذكرى عيد الجلاء مناسبة لإعادة قراءة تاريخ التحرر الوطني، والإنصات إلى شهادات من عاشوا أحداثه، واستحضار ما حملته تلك المرحلة من رهانات تتجاوز الانسحاب العسكري إلى بناء دولة تمتلك قرارها وسيادتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى