ميزانية تونس لسنة 2027 تحت مجهر الخبراء: عجز بـ14.6 مليار دينار ومخاوف من تراجع الاستثمار وتفاقم المديونية

بين ضغوط المالية العمومية ورهانات الدولة الاجتماعية، يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 نقاشاً اقتصادياً واسعاً حول قدرة تونس على تمويل نفقاتها واستعادة نسق الاستثمار والنمو. فبمداخيل مقدّرة بنحو 54.280 مليار دينار ونفقات تبلغ 68.895 مليار دينار، يبرز عجز في حدود 14.615 مليار دينار، بالتوازي مع حاجيات اقتراض تناهز 28.122 مليار دينار. وبينما يتضمن المشروع حوافز للمؤسسات والفلاحة والطاقات المتجددة وإجراءات لتوسيع القاعدة الجبائية، يحذّر مختصون من اتساع الفجوة المالية ومخاطر استمرار تأجيل الاستثمار المنتج.
لم يعد النقاش بشأن مشروع قانون المالية لسنة 2027 مقتصراً على حجم المداخيل والنفقات أو قدرة الدولة على تعبئة الموارد الضرورية لتغطية التزاماتها، بل أصبح يرتبط بسؤال اقتصادي أعمق: هل تستطيع تونس تحويل الأموال التي تعبئها، بما في ذلك الموارد المقترضة، إلى استثمارات تخلق الثروة ومواطن الشغل وتوسّع القاعدة الإنتاجية، أم ستظل المالية العمومية منشغلة أساساً بتمويل النفقات الجارية وتسديد الالتزامات المتراكمة؟
وتكشف الأرقام الأساسية للمشروع عن حجم التحدي. فمداخيل الدولة المقدّرة تبلغ 54.280 مليار دينار، مقابل نفقات تناهز 68.895 مليار دينار، بما يفضي إلى عجز قدره 14.615 مليار دينار. وفي المقابل، تصل موارد الاقتراض المدرجة بالمشروع إلى 28.122 مليار دينار، في انعكاس لحجم الحاجيات التمويلية التي تشمل تمويل العجز وتسديد أصل الدين وعمليات أخرى للخزينة.
وبينما تراهن الحكومة على إجراءات اجتماعية وجبائية واستثمارية لدعم النشاط الاقتصادي، تتباين قراءات الخبراء بشأن مدى كفاية هذه التدابير لمعالجة الاختلالات الهيكلية. فالأستاذ الجامعي معز سوسي يسلّط الضوء على الفجوة بين نمو المداخيل والنفقات، والمستشار الجبائي أنيس بن سعيد يناقش مدى نجاعة الإصلاحات الجبائية والتمويلية، فيما يحذّر الخبيران الاقتصاديان عبد الباسط السماري والعربي بن بوهالي من مخاطر تراجع الاستثمار وتفاقم المديونية. أما أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي، فيوسّع دائرة التساؤلات لتشمل التنمية الجهوية والتشغيل والدولة الاجتماعية والعدالة الجبائية والأمن الغذائي والطاقي والمائي.
وعلى اختلاف زوايا التحليل، تتقاطع هذه القراءات حول ضرورة الانتقال من إعلان الإجراءات إلى تقييم نتائجها الفعلية، ومن إدارة الضغوط المالية على المدى القصير إلى بناء قدرة اقتصادية أكبر على الإنتاج والتمويل الذاتي.
معز سوسي: المداخيل الإضافية لا تواكب نسق ارتفاع النفقات
يضع الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي معز سوسي الفارق بين تطور المداخيل والنفقات في مقدمة المؤشرات التي تستوجب الانتباه عند قراءة التوجهات المالية الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027.
ووفق تحليله، ترتفع المداخيل الجبائية المقدّرة بنحو 1.827 مليار دينار، غير أن تراجع المداخيل غير الجبائية بـ107 ملايين دينار، مع استقرار الهبات، يحصر الزيادة الإجمالية في موارد الدولة في حدود 1.720 مليار دينار. وفي المقابل، ترتفع النفقات بنحو 3.205 مليارات دينار، وهو ما يعني أن الزيادة في المداخيل لا تغطي سوى 32.3% من الزيادة في الإنفاق.
وتكشف هذه المعطيات عن اتساع الفجوة بين نسق تطور الموارد ونسق تطور النفقات، بما يرفع الضغط على التوازنات المالية للدولة. فالمسألة لا تتعلق فقط بقدرة الحكومة على تعبئة موارد إضافية، بل أيضاً بمدى قدرتها على التحكم في تطور الإنفاق وتوجيهه نحو المجالات التي تحقق مردودية اقتصادية واجتماعية مستدامة.
أما على مستوى الاقتراض، فيشير سوسي إلى أن تراجع المبالغ المخصصة لتسديد أصل الدين بـ2.742 مليار دينار يخفف من حاجيات إعادة تمويل الديون المستحقة، لكنه لا يمثل، في حد ذاته، مؤشراً على تحسن توازن الميزانية. إذ ترتفع موارد الاقتراض إلى 28.122 مليار دينار في ظل اتساع العجز.
ويبرز التحليل كذلك استمرار هيمنة التمويل الداخلي، الذي يمثل 75.5% من إجمالي الاقتراض المقدر لسنة 2027، مقابل 74.8% سنة 2026. كما يستأثر هذا التمويل بنحو 989 مليون دينار من الزيادة الإجمالية في الاقتراض، المقدرة بـ1.058 مليار دينار.
وتطرح هذه المعطيات سؤالاً إضافياً بشأن قدرة السوق المالية المحلية على توفير الموارد اللازمة للدولة دون التأثير في تمويل المؤسسات الخاصة. فكلما اتسعت حاجيات الخزينة إلى الاقتراض الداخلي، ازدادت أهمية تقييم انعكاساتها المحتملة على السيولة المتاحة للقطاع الخاص وعلى كلفة التمويل الموجه للاستثمار والإنتاج.
أنيس بن سعيد: الإصلاح الجبائي بين تحفيز المؤسسات وتحقيق العدالة
من زاوية جبائية واقتصادية واجتماعية، يعتبر المستشار الجبائي أنيس بن سعيد أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يقوم على معادلة دقيقة تتمثل في تمويل حاجيات الدولة والمحافظة على دورها الاجتماعي، مع محاولة تحفيز الاستثمار وتخفيف العبء الجبائي على المؤسسات وإدماج القطاع الموازي.
ويتضمن المشروع، وفق قراءته، محاور تشمل دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والأمن الغذائي، ودفع الاستثمار، والانتقال الطاقي، وتسوية بعض ديون المؤسسات العمومية، ومواصلة الإصلاح الجبائي.
غير أن بن سعيد يشدد على أن أهمية هذه التوجهات لا تُقاس بعدد الإجراءات المعلنة، وإنما بمدى قدرتها على تحريك الاستثمار الخاص، وخلق مواطن شغل مستدامة، وتحسين موارد الدولة دون تحميل المؤسسات المنظمة والمواطنين الملتزمين أعباء إضافية تفوق قدرتهم على التحمل.
وتبرز، في هذا السياق، مفارقة أساسية: فالمداخيل الجبائية المقدّرة بنحو 49.6 مليار دينار تمثل قرابة 91.4% من إجمالي المداخيل المدرجة في الميزانية، في حين يظل الاقتراض عنصراً محورياً في تمويل حاجيات الدولة. وهو ما يجعل الإصلاح الجبائي والتحكم في النفقات وتحسين مردودية الاقتصاد عناصر مترابطة لا يمكن التعامل معها بمعزل بعضها عن بعض.
ويقدّر بن سعيد الاقتراض الداخلي بنحو 19.845 مليار دينار، مقابل 6.877 مليارات دينار من الاقتراض الخارجي، مع تخصيص 6.823 مليارات دينار لتسديد أصل الدين الداخلي و6.484 مليارات دينار لتسديد أصل الدين الخارجي.
ويقتضي فهم هذه الأرقام التمييز بين عجز الميزانية وحاجيات التمويل الإجمالية؛ فموارد الاقتراض ليست مرادفاً للعجز وحده، بل تشمل أيضاً تسديد أصل الديون المستحقة وعناصر أخرى من عمليات الخزينة. ويكتسي هذا التمييز أهمية خاصة عند تقييم مدى استدامة المالية العمومية وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
إعفاءات وحوافز لتخفيف كلفة الاستثمار
يولي بن سعيد أهمية خاصة للإجراءات التي تستهدف تخفيف كلفة الاستثمار والإنتاج، ومن أبرزها تمديد نظام الإعفاء من الضريبة على الأرباح للمؤسسات الجديدة المحدثة بين غرة جانفي 2027 و31 ديسمبر 2030، وفق الشروط والاستثناءات التي ينص عليها المشروع.
كما يتضمن المشروع إعفاء المبالغ التي يستخلصها المبادر الذاتي في إطار النشاط المصرح به من الخصم من المورد، وتوسيع بعض الامتيازات المتعلقة بالأداء على القيمة المضافة لتشمل تجهيزات مماثلة مصنوعة محلياً، فضلاً عن إعفاءات ديوانية تخص مواد أولية ومواد نصف مصنعة غير متوفرة محلياً لفائدة قطاعات صناعية محددة.
ويمكن لهذه التدابير أن تخفض كلفة الانطلاق والإنتاج وتدعم الاستثمار الصناعي، لكن فعاليتها تبقى مرتبطة بوضوح شروط الانتفاع، وسرعة معالجة الملفات، واستقرار التشريع، إلى جانب معالجة الصعوبات المتعلقة بالتمويل وتأخر استخلاص المستحقات وتعقيد الإجراءات الإدارية.
وفي المقابل، يطرح المشروع تحدياً يتعلق بمدى تحقق العدالة الجبائية فعلياً. فالمطلوب، وفق بن سعيد، ليس مجرد زيادة الموارد، بل توسيع قاعدة المطالبين بالأداء بصورة عادلة، ومكافحة التهرب والتحيل، وتقليص كلفة الامتثال، وضمان تناسب الخطايا مع طبيعة المخالفات وخطورتها.
كما يدعو إلى تقييم الامتيازات الجبائية على أساس نتائجها الفعلية في الاستثمار والتشغيل والقيمة المضافة، حتى لا تتحول الإعفاءات إلى تدابير دائمة لا تحقق الأهداف الاقتصادية المنتظرة منها.
التجارة الإلكترونية تحت الرقابة الجبائية
في إطار توسيع قاعدة الامتثال وإدماج الأنشطة غير المنظمة، ينص الفصل 66، وفق قراءة بن سعيد للمشروع، على إلزام مسدي خدمات توصيل السلع المبيعة عبر الإنترنت ووسائل البث السمعي والبصري، وكذلك المنصات التي تربط المزودين بمسدي خدمات التوصيل، بتقديم قوائم اسمية دورية إلى مصالح الجباية تتضمن هوية المزودين ومعرّفاتهم ومبالغ معاملاتهم.
ويشمل الإجراء خطايا عن المعاملات غير المصرح بها وعن المعلومات الناقصة أو المغلوطة، بما يعكس توجهاً نحو استخدام الرقمنة لتتبع المبادلات وتوسيع القاعدة الجبائية.
لكن نجاح هذا التوجه يتطلب ضمانات تتعلق بحماية البيانات، وتحديد مسؤولية مختلف المتدخلين في سلسلة البيع والتوصيل، وإتاحة آجال معقولة للتصحيح والاعتراض، إلى جانب تطوير الخدمات الرقمية للإدارة. فإدماج القطاع الموازي لا ينبغي أن يقوم على العقوبات وحدها، بل يجب أن يرافقه تبسيط إجراءات الانخراط في الاقتصاد المنظم.
تمويل المؤسسات: هل تتحول الاعتمادات إلى مشاريع ومواطن شغل؟
يتضمن مشروع قانون المالية خطوط تمويل موجهة إلى المؤسسات الناشئة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة والطلبة والمتكونين المبادرين والفئات محدودة الدخل والشركات الأهلية.
وتشمل هذه التدابير 10 ملايين دينار لدعم المؤسسات الناشئة، و10 ملايين دينار لمرافقة المؤسسات التي لم تتجاوز ثلاث سنوات من النشاط، و5 ملايين دينار لتمويل مشاريع الطلبة ومتخرجي التكوين المهني، و20 مليون دينار في شكل قروض دون فائدة للفئات محدودة الدخل، فضلاً عن 35 مليون دينار إضافية لخط تمويل الشركات الأهلية.
ويرى بن سعيد أن هذه الإجراءات تستجيب لبعض الحاجيات الحقيقية، خاصة ما يتعلق بتوفير الأموال الذاتية ورأس المال المتداول للمؤسسات في مراحلها الأولى. غير أن التحدي يتمثل في مدى كفاية هذه المبالغ مقارنة بعدد المشاريع المؤهلة، وفي قدرة المستفيدين فعلياً على النفاذ إلى القروض في ظل شروط الملفات والضمانات وآجال البت.
كما يشدد على ضرورة نشر بيانات دورية توضح عدد القروض المسندة، وحجم الاستثمار المنجز، ومواطن الشغل المستحدثة، والتوزيع الجهوي للمشاريع، ونسب استمرارية المؤسسات بعد الانتفاع بالتمويل.
فنجاح السياسة التمويلية لا يُقاس بحجم الاعتمادات المعلنة فقط، بل بقدرتها على تحويل التمويل إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار والنمو والتصدير وخلق فرص عمل دائمة.
رضا الشكندالي: التنمية الجهوية والتشغيل يتطلبان إصلاحات هيكلية
يقدّم أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي قراءة نقدية لمشروع قانون المالية لسنة 2027، تنطلق من مساءلة مدى قدرة الإجراءات المقترحة على تحقيق الأهداف المعلنة، وفي مقدمتها التوازن الجهوي، وتوفير فرص العمل، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للتونسيين.
وفي تقديره، لا تكمن المسألة في عدد خطوط التمويل والإعفاءات التي يتضمنها المشروع، بل في مدى قدرة هذه التدابير على معالجة الاختلالات الهيكلية التي تعيق الاستثمار والإنتاج وتحدّ من قدرة الدولة على توفير موارد مستدامة.
ويرى الشكندالي أن تخصيص اعتمادات إضافية بقيمة 10 ملايين دينار لفائدة الجهات الأقل تنمية، إلى جانب إحداث خطوط تمويل لفائدة المؤسسات والمبادرات الخاصة، لا يكفي بمفرده لتحقيق التوازن الجهوي أو إحداث تحول فعلي في سوق الشغل. فالتنمية، وفق قراءته، لا يمكن أن تقوم على تدخلات ظرفية ومجزأة، وإنما تستوجب إصلاحاً أعمق للبنية التحتية، وتحسيناً لمناخ الأعمال، واستقطاباً للاستثمارات المنتجة القادرة على خلق الثروة ومواطن الشغل.
ويطرح الخبير كذلك مسألة حجم الكتلة البشرية العاملة في الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية الملحقة، والتي يقدّر عدد أعوانها بـ692.702 عوناً. ويعتبر أن استمرار الدولة في لعب دور المشغّل الأكبر، في ظل محدودية قدرة القطاع الخاص على استيعاب طالبي الشغل، يعكس صعوبة الانتقال إلى نموذج اقتصادي يقوم على المبادرة والإنتاج والاستثمار الخاص.
ولا يتعلق التحدي، في هذا السياق، بمجرد تقليص عدد العاملين في القطاع العام، بل بإيجاد معادلة تضمن استمرارية المرافق العمومية ونجاعتها، مع تهيئة الظروف التي تسمح للمؤسسات الخاصة بالتوسع والتشغيل، حتى لا تبقى الوظيفة العمومية والقروض الصغرى من أبرز المسارات المتاحة أمام الشباب وحاملي الشهادات.
خطوط التمويل والشركات الأهلية: أولوية للنجاعة واسترجاع الأموال
يتوقف الشكندالي عند تعدد خطوط التمويل التي يتضمنها المشروع لفائدة المؤسسات الناشئة والصغرى، والطلبة المبادرين، وذوي الإعاقة، والشركات الأهلية. ويرى أن توسيع هذه الآليات لا يمثل في حد ذاته ضماناً لنجاح سياسة دعم المبادرة الخاصة، ما لم يقترن بدراسات جدوى دقيقة، وآليات متابعة، وتقييم لمدى قدرة المشاريع على الاستمرار وسداد القروض.
ويثير الخبير، بصفة خاصة، تساؤلات بشأن القروض دون فائدة ودون ضمانات بنكية الموجهة لبعض الشركات الأهلية، في ظل ما أشار إليه من تراكم اعتمادات سابقة تجاوزت 95 مليون دينار خارج المخصصات الجديدة التي يتضمنها المشروع.
ويعتبر أن غياب التقييم الدقيق لمردودية المشاريع ومخاطر عدم الاستخلاص قد يضع ضغوطاً إضافية على المؤسسات المالية المتدخلة، ومن بينها البنك التونسي للتضامن وبنك تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
وتتمثل المسألة الجوهرية في كيفية التوفيق بين تسهيل النفاذ إلى التمويل للفئات والمبادرات التي تعاني صعوبات في الحصول على القروض التقليدية، والمحافظة في الوقت نفسه على سلامة الموارد العمومية والقدرة على استرجاع الأموال وإعادة توظيفها في مشاريع جديدة.
وفي المقابل، يثمّن الشكندالي جملة من الإجراءات التي تستهدف تخفيف الأعباء عن المؤسسات الجديدة، من بينها تكفل الدولة بالمساهمة الاجتماعية خلال السنوات الثلاث الأولى بنسب متناقصة، إلى جانب إعفاء المؤسسات الجديدة والمبادر الذاتي من الخصم من المورد وفق الشروط الواردة بالمشروع. ويعتبر أن هذه التدابير يمكن أن توفر متنفساً للمبادرين، شريطة أن ترافقها إجراءات إدارية مبسطة ووضوح في شروط الانتفاع.
الدولة الاجتماعية: تسوية الديون لا تكفي لضمان استدامة الخدمات
في تقييمه للبعد الاجتماعي، يثير الشكندالي مسألة تسوية ديون عدد من المؤسسات العمومية تجاه الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية، من خلال تحمل الدولة بعض الالتزامات وشطب أصل بعض الديون الجبائية، وفق الأحكام التي يتضمنها المشروع.
وتشمل المؤسسات المعنية، بحسب عرضه، ديوان الأراضي الدولية، والشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية، وشركة نقل تونس، وشركة عجين الحلفاء والورق، والشركة التونسية للسكر، وديوان الطيران المدني والمطارات.
ويرى الخبير أن هذه الإجراءات قد تساعد على تخفيف الضغوط المالية المباشرة عن المؤسسات المعنية ودعم وضعية الصندوق الاجتماعي، لكنها تنقل جانباً من العبء إلى الخزينة العامة، بما يستوجب تقييم أثرها على الدين العمومي وعلى استدامة المالية العمومية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أن الدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بقدرتها على تسوية الديون المتراكمة، بل أيضاً بمدى قدرتها على تحسين جودة الخدمات الأساسية في الصحة والنقل والتعليم، وضمان استمراريتها، وتوفير حماية اجتماعية قابلة للاستمرار دون الاعتماد المتكرر على الاقتراض.
ويضع هذا الطرح ملف المؤسسات العمومية في صلب النقاش حول مشروع الميزانية: فالتسوية المالية يمكن أن توفر فرصة لإعادة التوازن، لكن استمرار النتائج الإيجابية يتطلب إصلاح الحوكمة، وتحسين الإنتاجية، وضبط كلفة الخدمات، وربط الدعم العمومي بأهداف أداء واضحة وقابلة للقياس.
العدالة الجبائية: من يتحمل الكلفة الإضافية؟
يتناول الشكندالي كذلك مسألة توزيع العبء الجبائي، معتبراً أن المشروع يجمع بين امتيازات ضريبية وديوانية لفائدة بعض الأنشطة والمؤسسات، وبين الترفيع في بعض المعاليم ذات الصبغة الاستهلاكية.
ومن بين الإجراءات التي يثيرها في هذا السياق، زيادة معلوم السفرات إلى الخارج من 60 إلى 80 ديناراً، والترفيع في المعلوم الموظف على الألعاب والمسابقات من 40% إلى 60%، إلى جانب إعفاءات تتعلق بمواد أولية وتجهيزات لفائدة قطاعات صناعية محددة.
وتتمثل المسألة، وفق قراءته، في مدى التوازن بين الحوافز الموجهة إلى المؤسسات والموارد التي تسعى الدولة إلى تعبئتها لتمويل التزاماتها الاجتماعية. فالإعفاءات قد تدعم الإنتاج والاستثمار إذا أدت إلى توسع النشاط وخلق فرص العمل، بينما قد تؤثر المعاليم غير المباشرة في القدرة الشرائية أو في كلفة بعض الأنشطة بحسب طبيعتها ومدى انتقالها إلى الأسعار.
ومن ثمّ، فإن تقييم العدالة الجبائية لا يقتصر على تحديد الفئات المنتفعة بالإعفاءات أو الخاضعة للمعاليم الجديدة، بل يتطلب قياس الأثر النهائي لهذه الإجراءات على المؤسسات والأسر، ومدى مساهمتها في توسيع قاعدة الموارد بصورة عادلة ومستدامة.
الأمن الغذائي والطاقي والمائي: خطوات إيجابية وحاجيات لم تُحسم
في ما يتعلق بالأمن الغذائي، يعتبر الشكندالي أن تخصيص 40 مليون دينار لإعادة تكوين القطيع الوطني والمحافظة عليه، إلى جانب خط تمويل بقيمة 100 مليون دينار لفائدة صغار الفلاحين والشركات التعاونية الناشطة في منظومة الزيتون، يمثل توجهاً إيجابياً نحو دعم قطاعات إنتاجية حيوية.
غير أنه يشدد على أن فعالية هذه التدابير تظل مرتبطة بقدرتها على معالجة الصعوبات التي تواجه الفلاحين، خاصة شح الموارد المائية وتأثيرات التغير المناخي وكلفة الأعلاف ومدخلات الإنتاج. فدعم التمويل وحده لا يضمن استدامة الإنتاج إذا لم يترافق مع تحسين الإنتاجية والتصرف في الموارد وتطوير منظومات التخزين والتحويل والتوزيع.
أما في المجال الطاقي، فيثمّن الخبير التوجه نحو إعفاء البطاريات المخصصة لتخزين الكهرباء من بعض المعاليم والأداءات، إلى جانب تخفيض المعاليم على اللاقطات الشمسية إلى 10% وفق ما أورده في قراءته. ويمكن لهذه الإجراءات، إذا اقترنت بتسهيلات تمويلية وبنية تحتية ملائمة، أن تدعم الاستثمار في الطاقات المتجددة وتساعد على تخفيف كلفة الطاقة المستوردة.
لكن الشكندالي يلفت الانتباه إلى أن الأمن المائي لا يحظى، وفق قراءته للمعطيات المتاحة، باستثمارات هيكلية جديدة تتناسب مع حجم المخاطر التي تواجهها الموارد المائية. ويطرح ذلك سؤالاً بشأن مدى التوازن بين المحاور الثلاثة للأمن الاقتصادي: الغذاء والطاقة والمياه، ومدى قدرة الميزانية على الاستجابة لحاجياتها المتداخلة.
عبد الباسط السماري: الاقتراض لا يعوّض غياب الاستثمار المنتج
يتبنى الخبير الاقتصادي عبد الباسط السماري قراءة نقدية لمشروع ميزانية 2027، معتبراً أن استمرار الاعتماد على الاقتراض لتغطية الالتزامات المالية لا يمثل، في حد ذاته، سياسة اقتصادية قادرة على ضمان التنمية.
ويستند السماري إلى الفارق بين تطور المداخيل والنفقات، إذ ترتفع النفقات المقدرة بنحو 5.320 مليارات دينار، مقابل زيادة في المداخيل لا تتجاوز 1.720 مليار دينار. وبذلك، لا تغطي الزيادة في الموارد سوى جزء محدود من الزيادة في الإنفاق، فيما تتسع الفجوة الإضافية بينهما.
ويركز الخبير على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توفير السيولة اللازمة للخزينة، وإنما في معرفة ما إذا كانت الموارد المقترضة ستُستخدم في مشاريع ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد وتساعد على توليد موارد مستقبلية، أم ستُوجّه أساساً لتغطية النفقات الجارية وتسديد الالتزامات القائمة.
ومن هذا المنطلق، يثير السماري مسألة التمويل الاستثنائي المقترح من البنك المركزي التونسي بقيمة 9.8 مليارات دينار، معتبراً أن التسهيلات المالية، حتى عندما تكون دون فائدة وبشروط سداد ميسرة، لا تنتج بمفردها قيمة اقتصادية جديدة ما لم تقترن ببرامج تنفيذية واضحة.
ويشدد على أن قدرة الدولة على تعبئة الموارد يجب أن تترافق مع القدرة على تحويلها إلى مشاريع ملموسة، سواء تعلق الأمر بتطوير الطاقة الشمسية في المباني العمومية، أو تقليص ضياع المياه، أو تسوية مستحقات المؤسسات، أو إصلاح المنشآت العمومية على أساس الحوكمة وعقود الأداء والمحاسبة.
مخطط التنمية بين الأهداف المعلنة والاعتمادات الفعلية
يوسع السماري قراءته لتشمل مخطط التنمية للفترة 2026-2030، الذي تشير الوثيقة المنشورة على موقع مجلس نواب الشعب، وفق الأرقام التي أوردها، إلى بلوغ استثماراته المبرمجة نحو 101.835 مليار دينار، منها 61.847 مليار دينار على ميزانية الدولة، والبقية من التمويل الذاتي للمؤسسات والمنشآت العمومية والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
وباحتساب المتوسط الحسابي، تعادل مساهمة ميزانية الدولة نحو 12.37 مليار دينار سنوياً خلال فترة المخطط. وفي المقابل، لم تتجاوز اعتمادات الاستثمار المدرجة في ميزانية 2026 نحو 6.463 مليارات دينار، بحسب المعطيات التي استند إليها الخبير.
ولا تعني هذه المقارنة بالضرورة أن الاستثمارات يجب أن توزع بالتساوي على السنوات الخمس، كما أن اختلاف التصنيفات المحاسبية قد يؤثر في المقارنة المباشرة. لكنها تطرح ضرورة توضيح العلاقة بين أهداف المخطط والاعتمادات المرصودة فعلياً في الميزانيات السنوية، مع بيان مصادر التمويل والآجال المتوقعة للتنفيذ.
ويضيف السماري أن نتائج تنفيذ ميزانية 2026 خلال السداسي الأول، وفق الأرقام التي نقلها عن وزارة المالية، أظهرت نفقات استثمار في حدود 1.665 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 25.8% من الاعتمادات السنوية. وهي نسبة لا تحسم وحدها حصيلة السنة كاملة، لكنها تثير تساؤلات بشأن نسق الإنجاز وقدرة الإدارة على تحويل الاعتمادات إلى مشاريع فعلية.
ويحذر من أن الاستثمار قد يتحول إلى متغير التعديل الأسهل عندما تتزايد الضغوط المرتبطة بالأجور والدعم وفوائد الدين وكلفة الواردات، أو عندما تكون الموارد الجبائية دون التوقعات. ففي مثل هذه الظروف، قد تُؤجل المشاريع أو تتعطل الدفوعات أو تتراجع الاعتمادات، بما ينعكس على النشاط الاقتصادي وفرص التشغيل.
ويعتبر أن تأجيل الاستثمار في الطاقة والمياه والنقل، إلى جانب استمرار تأخر خلاص مستحقات المؤسسات، قد يرفع كلفة الإنتاج ويضعف قدرة الاقتصاد على توليد موارد إضافية. وهكذا، يمكن أن تتحول محاولة تخفيف الضغط المالي على المدى القصير إلى عامل يزيد الصعوبات التمويلية في السنوات اللاحقة.
ومن بين المقترحات التي يطرحها الخبير حماية الاستثمار المنتج، وتحسين توجيه الدعم مع المحافظة على حقوق مستحقيه، وتسوية متخلدات الدولة تجاه المؤسسات، وربط المشاريع بمصادر تمويل وآجال ومسؤوليات واضحة، مع نشر نتائج الإنجاز بصورة دورية.
العربي بن بوهالي: المديونية تثير أسئلة حول قدرة الاقتصاد على النمو
من جهته، يثير المختص في الاقتصاد العربي بن بوهالي جملة من المخاوف بشأن قدرة ميزانية 2027 على توفير التوازن بين النفقات الاجتماعية ومتطلبات الاستثمار والإنتاج، معتبراً أن ارتفاع المديونية وضعف الاعتمادات الاستثمارية يمثلان من أبرز التحديات المطروحة.
ويشير بن بوهالي إلى أن إجمالي الدين العام بلغ، وفق تقديراته، نحو 86% من الناتج المحلي الإجمالي، معتبراً أن هذا المستوى، إلى جانب ارتفاع حاجيات الاقتراض، يفرض نقاشاً أعمق بشأن قدرة الدولة على تمويل التزاماتها دون زيادة الضغط على المؤسسات والأسر.
كما يقدّر نصيب الأسرة التونسية من الدين العام بنحو 12.700 دينار. ويظل هذا الرقم مؤشراً تقريبياً لتوضيح حجم الدين مقارنة بعدد الأسر، وليس فاتورة مباشرة مستحقة على كل أسرة، إذ تختلف الالتزامات العمومية عن الديون الفردية من حيث طبيعتها وطرق سدادها.
الأجور والدعم وخدمة الدين: هوامش أضيق للاستثمار
يرى بن بوهالي أن قسماً كبيراً من موارد الدولة يتجه إلى تغطية النفقات الجارية والالتزامات الاجتماعية وخدمة الدين، بما يحد من هامش المناورة المتاح للاستثمار الجديد.
وفي قراءته، يؤدي ضعف الاستثمار المنتج إلى حلقة اقتصادية صعبة: فكلما تراجعت قدرة الاقتصاد على توسيع الإنتاج وخلق القيمة المضافة، أصبحت زيادة الموارد الجبائية أكثر ارتباطاً بالضرائب القائمة وبالتطور الاسمي للأسعار، بدل أن تستند إلى توسع حقيقي في النشاط الاقتصادي.
ويثير الخبير كذلك مسألة التفاوت بين حجم الاستثمارات الواردة في مخطط التنمية للفترة 2026-2030 والاعتمادات الاستثمارية المدرجة في الميزانيات السنوية. فبينما تشير التقديرات التي أوردها إلى استثمارات مبرمجة في حدود 102 مليار دينار خلال فترة المخطط، يظل مستوى الاعتمادات الاستثمارية السنوية قريباً، بحسب قراءته، من المستويات المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
ويطرح هذا التفاوت سؤالاً بشأن الآليات التي ستعتمدها الدولة لتعبئة التمويلات الضرورية، ومدى قدرة المؤسسات العمومية والقطاع الخاص والشراكات الاستثمارية على استكمال التمويل الذي لا توفره الميزانية مباشرة.
غير أن تقييم هذه الفجوة يقتضي التمييز بين قيمة الاستثمارات المبرمجة، والاعتمادات المرصودة سنوياً، والإنجازات الفعلية، فضلاً عن اختلاف مصادر التمويل وطبيعة المشاريع وآجال تنفيذها.
التمويل المباشر من البنك المركزي ومخاطر التضخم
يضع بن بوهالي التمويل الاستثنائي المقترح من البنك المركزي، بقيمة 9.8 مليارات دينار، ضمن أبرز الملفات التي تستوجب النقاش، محذراً من احتمال انعكاس استمرار هذا النوع من التمويل على التوازنات النقدية والتضخم وسعر صرف الدينار.
ويعتبر أن تمويل حاجيات الدولة من خلال موارد نقدية استثنائية قد يخفف الضغط المباشر على الخزينة، لكنه لا يعوض الإصلاحات اللازمة لتحسين مردودية الإنفاق وتوسيع النشاط الإنتاجي. كما يثير مخاوف بشأن أثر ذلك على السيولة والادخار وكلفة التمويل.
لكن تقييم الأثر النقدي لا يمكن أن يستند إلى قيمة التمويل وحدها، إذ يتوقف على طريقة ضخه في الاقتصاد، وتطوره مقارنة بالموارد الأخرى، وظروف السيولة والطلب والأسعار، إلى جانب قرارات السياسة النقدية. لذلك، تبقى تقديرات التضخم وسعر الصرف والنتائج الاقتصادية المحتملة سيناريوهات تحتاج إلى تقييم في ضوء مجمل المؤشرات.
ويحذر بن بوهالي أيضاً من أن استمرار ارتفاع كلفة التمويل قد يؤثر في استهلاك الأسر واستثمار المؤسسات، خاصة إذا اضطرت السياسة النقدية إلى المحافظة على شروط نقدية مشددة لمواجهة الضغوط التضخمية.
الاقتصاد الموازي وإصلاح المؤسسات العمومية
في جانب آخر، يعتبر بن بوهالي أن توسيع القاعدة الجبائية يقتضي معالجة التهرب الجبائي وإدماج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة، إلى جانب مراجعة آليات الدعم وتحسين حوكمة المؤسسات العمومية.
ويورد الخبير تقديرات بشأن حجم الاقتصاد الموازي والمداخيل الجبائية التي يرى أنها لا تُحصّل، غير أن هذه الأرقام تحتاج إلى تدقيق مستقل بالنظر إلى صعوبة قياس الأنشطة غير المصرح بها وتحديد الخسائر الجبائية المرتبطة بها.
ومع ذلك، فإن جوهر المسألة يظل واضحاً: لا يمكن بناء إصلاح جبائي مستدام على تشديد الضغط على المؤسسات الملتزمة وحدها، بل يتطلب توسيع قاعدة الامتثال، وتبسيط الإجراءات، ومكافحة التهرب، وتوفير حوافز واقعية للانخراط في الاقتصاد المنظم.
كما يربط بن بوهالي بين الوضع المالي للمؤسسات العمومية، من جهة، وضعف الحوكمة والخسائر المتراكمة في عدد من المنشآت، من جهة أخرى، معتبراً أن معالجة الديون دون إصلاح أسباب الاختلال قد تؤدي إلى تجدد الصعوبات مستقبلاً.
وتبرز هذه المسألة في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والخدمات، حيث لا تقتصر أهمية الإصلاح على تخفيف التحويلات المالية من ميزانية الدولة، بل تشمل أيضاً ضمان استمرارية الخدمات وتحسين جودتها ورفع إنتاجية المؤسسات المعنية.
الدولة الاجتماعية والقدرة الشرائية: معادلة تتطلب توازناً أدق
يتضمن مشروع قانون المالية إجراءات لمساندة المؤسسات الجديدة من خلال تكفل الدولة بالمساهمة الاجتماعية في نظام الضمان الاجتماعي، في حدود الأجر الأدنى المضمون، خلال السنوات الثلاث الأولى وفق نسب متدرجة. كما يشمل تدابير تتعلق بالسكن والصحة ودعم بعض الخدمات الاجتماعية.
لكن المشروع يقترح، في المقابل، مراجعة معاليم استهلاك بعض المنتجات، ورفع المعلوم على الألعاب والمسابقات من 40% إلى 60%، وزيادة معلوم السفرات إلى الخارج من 60 إلى 80 ديناراً.
وتستوجب هذه الإجراءات تقييماً دقيقاً لأثرها الصافي على الأسر والقطاعات المعنية، مع التمييز بين المعاليم المفروضة على أنشطة استهلاكية اختيارية وتلك التي قد تؤثر بصورة أوسع في النشاط الاقتصادي.
وتلتقي في هذا الجانب ملاحظات أنيس بن سعيد ورضا الشكندالي حول أهمية التوازن بين توسيع موارد الدولة والمحافظة على العدالة الجبائية والقدرة الشرائية. فالإعفاءات الموجهة إلى المؤسسات قد تدعم الاستثمار إذا انعكست على الإنتاج والتشغيل، بينما تستوجب الزيادات في المعاليم تقييماً لمدى انتقالها إلى الأسعار وتأثيرها في الأسر والأنشطة المعنية.
كما تبرز تسوية ديون المؤسسات العمومية تجاه الصناديق الاجتماعية بوصفها إجراءً يمكن أن يخفف بعض الاختلالات المالية الآنية، لكنه لا يغني عن إصلاحات تضمن استدامة الخدمات الأساسية. فالدولة الاجتماعية لا تُقاس فقط بحجم الأموال التي تضخها لتسوية الديون، بل أيضاً بقدرتها على تحسين الخدمات الصحية والنقل والتعليم، وضمان استمراريتها ونجاعتها.
ما الذي يجمع بين قراءات الخبراء الخمسة؟
على الرغم من اختلاف زوايا التحليل، تلتقي ملاحظات معز سوسي وأنيس بن سعيد وعبد الباسط السماري والعربي بن بوهالي ورضا الشكندالي حول مجموعة من المسائل الأساسية.
أولها اتساع الفجوة بين المداخيل والنفقات، وما يرافقه من ارتفاع في حاجيات التمويل. وثانيها ضرورة تقييم الاقتراض على أساس استخداماته ومردوديته، لا على أساس القدرة على تعبئة الأموال فقط. أما ثالثها، فيتعلق بمدى قدرة الاستثمار العمومي والخاص على خلق قيمة مضافة وموارد جبائية جديدة، بما يساعد على تخفيف الضغط المالي تدريجياً.
ويبرز اختلاف المقاربات في طبيعة الأولويات التي يركز عليها كل خبير. فمعز سوسي يبرز الاختلال الحسابي بين نمو المداخيل والنفقات وهيمنة التمويل الداخلي. ويركز أنيس بن سعيد على ضرورة التوفيق بين الإصلاح الجبائي والعدالة في توزيع الأعباء وتحسين مناخ الاستثمار.
أما عبد الباسط السماري فيشدد على مخاطر تهميش الاستثمار المنتج وتأجيل المشاريع، بينما يوسع العربي بن بوهالي النقاش ليشمل المديونية والسياسة النقدية وحوكمة المؤسسات العمومية والاقتصاد الموازي. في المقابل، يضع رضا الشكندالي التنمية الجهوية والتشغيل والنجاعة الفعلية لخطوط التمويل واستدامة الدولة الاجتماعية في صلب تقييم المشروع.
وتكشف هذه المقاربات أن التحدي لا يقتصر على خفض العجز في حد ذاته، بل يشمل تحديد طبيعة الإنفاق الذي ينبغي حمايته، والنفقات التي يمكن تحسين مردوديتها، والموارد التي يمكن تعبئتها بصورة عادلة، والاستثمارات القادرة على توسيع القاعدة الإنتاجية.
ميزانية 2027 أمام اختبار النتائج لا عدد الإجراءات
يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 إجراءات تستهدف دعم المؤسسات الناشئة والصغرى والمتوسطة، وتمويل المبادرات الخاصة والجماعية، ومساندة بعض الأنشطة الفلاحية، وتشجيع تجهيزات تخزين الكهرباء، وتطوير آليات الرقابة الجبائية، إلى جانب تدابير اجتماعية وصحية وسكنية.
غير أن هذه الإجراءات تتحرك داخل سياق مالي يتسم بارتفاع النفقات وحاجيات الاقتراض، وهو ما يجعل نتائجها مرتبطة بقدرة الدولة على التنفيذ، ومدى توفر التمويل الفعلي، ونجاعة الإدارة، واستقرار الإطار التشريعي.
ومن هذا المنطلق، تبرز جملة من الأولويات التي يمكن أن تساعد على تحسين أثر الميزانية. أولها نشر جدول واضح يربط أهداف مخطط التنمية بالاعتمادات السنوية والإنجازات الفعلية. وثانيها إخضاع خطوط التمويل والامتيازات الجبائية لتقييم دوري يقيس الاستثمار ومواطن الشغل والقيمة المضافة. وثالثها وضع مسار تدريجي ومعلن للتحكم في العجز والمديونية، بالتوازي مع حماية الاستثمار الضروري للنمو.
كما تظل تسوية مستحقات المؤسسات وإصلاح حوكمة المنشآت العمومية وتطوير الخدمات الرقمية وتوسيع الامتثال الجبائي عناصر مهمة لتقليص الاختلالات وتحسين موارد الدولة دون الاعتماد المفرط على زيادة الأعباء.
وفي المقابل، فإن تقييم المشروع يقتضي فحص الأثر الاجتماعي والاقتصادي لكل إجراء، خاصة ما يتعلق بالمعاليم الجديدة، والقدرة الشرائية، وكلفة التمويل، وشروط النفاذ إلى الحوافز. فالاستدامة المالية لا تنفصل عن قدرة المؤسسات على الإنتاج والتشغيل، ولا عن قدرة الأسر على المحافظة على مستوى عيش مقبول.
هل تنجح تونس في تحويل الاقتراض إلى قدرة إنتاجية؟
تكشف القراءات التي قدمها الخبراء الخمسة أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يواجه تحدياً محاسبياً فحسب، بل يطرح أسئلة أوسع تتعلق بمستقبل النموذج الاقتصادي والاجتماعي في تونس. فالعجز المرتفع وحاجيات الاقتراض يفرضان تحسين مردودية الإنفاق، فيما تجعل محدودية الاستثمار المنتج من الضروري البحث عن موارد جديدة تنبع من توسع النشاط الاقتصادي لا من زيادة الأعباء وحدها.
وبينما يبرز معز سوسي اختلال نسق نمو المداخيل والنفقات، ويدعو أنيس بن سعيد إلى إصلاح جبائي أكثر عدالة ونجاعة، يحذر عبد الباسط السماري من كلفة تأجيل الاستثمار، ويسلط العربي بن بوهالي الضوء على مخاطر المديونية والتمويل النقدي، فيما يذكّر رضا الشكندالي بأن التنمية الجهوية والتشغيل والدولة الاجتماعية لا تتحقق بخطوط تمويل ظرفية وتسويات مالية منفصلة عن الإصلاح الهيكلي.
وتتقاطع هذه الملاحظات عند ضرورة الانتقال من إعلان الإجراءات إلى قياس نتائجها: كم مشروعاً دخل حيز الإنتاج؟ كم موطن شغل مستداماً أُحدث؟ ما حجم الاستثمار الخاص الذي حفزته الامتيازات الجبائية؟ هل تحسنت الخدمات العمومية؟ وهل أصبحت المؤسسات العمومية أكثر قدرة على تغطية كلفتها وتحسين أدائها؟ والأهم، ما مدى التقدم المحرز في تقليص العجز وتخفيف الضغط على الدين دون المساس بالاستثمار الضروري للنمو؟
إن نجاح ميزانية 2027 لن يُحسم بحجم الموارد التي ستعبئها الدولة وحده، ولا بعدد التدابير التي ستقرها، بل بقدرتها على تحقيق توازن بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية والنجاعة الاقتصادية. فكل دينار يُوجّه إلى الاستثمار المنتج، وكل إجراء يوسّع الامتثال الجبائي بعدالة، وكل إصلاح يحسّن أداء المرافق العمومية، يمكن أن يساهم في بناء قاعدة اقتصادية أقدر على تمويل حاجيات البلاد.
أما الرهان الأكبر، فيبقى تحويل الميزانية من أداة لإدارة الالتزامات السنوية إلى رافعة للإنتاج والتشغيل والتنمية الجهوية، بما يسمح لتونس بأن تواجه استحقاقاتها المالية بقدرات اقتصادية أقوى، لا بحاجيات اقتراض متجددة.




