الدكتورة إيمان الهنتاتي: من الزواج والطلاق إلى التعليم والتشغيل.. الاقتصاد يقتحم تفاصيل الحياة العائلية

لم يعد علم الاقتصاد مقتصرا على دراسة الأسواق والأسعار والاستثمار والبطالة… أو تحليل السياسات المالية والنقدية، بل أصبح يمتد تدريجيا إلى مجالات أكثر التصاقا بالإنسان وتفاصيل حياته اليومية. فحتى القرارات التي تبدو شخصية واجتماعية، مثل الزواج والطلاق والإنجاب واختيار المسار التعليمي والمهني، يمكن أن تتحول إلى موضوعات للبحث الاقتصادي متى توفرت الأدوات العلمية والبيانات اللازمة لفهمها وتحليلها. ومن هذا المنطلق، يبرز اختصاص اقتصاد الأسرة باعتباره أحد المجالات البحثية التي تسعى إلى قراءة السلوك الاجتماعي من زاوية اقتصادية، والكشف عن العوامل التي تتحكم في القرارات العائلية وتأثيراتها في المجتمع.
وفي هذا السياق، تقدم إيمان الهنتاتي، الأستاذة المساعدة في الأساليب الكمية بكلية العلوم الاقتصادية والتصرف بتونس، مقاربة مختلفة للعلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، من خلال التعريف بما يعرف بـ«اقتصاد الأسرة» (Économétrie du choix)، وهو مجال يفتح أمام الباحثين إمكانيات واسعة لفهم الظواهر الاجتماعية باستخدام النماذج الاقتصادية والقياسات الكمية، بعيدا عن الاكتفاء بالتفسيرات العامة والانطباعات غير المدعومة بالمعطيات.
من الأسواق إلى الحياة العائلية.. عندما يصبح الزواج موضوعا للتحليل الاقتصادي
توضح إيمان الهنتاتي أن الاقتصاد القياسي لا يقتصر على النماذج التقليدية المرتبطة بالاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي، بل يشمل مجالات بحثية أخرى تسمح بالتعامل مع ظواهر أكثر تعقيدا، ومن بينها اقتصاد الأسرة، الذي يمنح الباحث إمكانية دراسة القرارات العائلية والاجتماعية وتحليل العوامل المؤثرة فيها بطريقة علمية.
فموضوع الزواج، على سبيل المثال، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد قرار اجتماعي أو اختيار شخصي منفصل عن محيطه الاقتصادي، إذ تتداخل في تحديده جملة من العوامل، من بينها مستوى الدخل والقدرة الشرائية والاستقرار المهني والتعليم والظروف المعيشية. كما أن قرار الطلاق بدوره يمكن أن يكون موضوعا لدراسة اقتصادية معمقة، من خلال البحث في تأثير المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية في استقرار الأسرة، وفهم الظروف التي قد تدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات مصيرية من هذا النوع.
وتؤكد الهنتاتي أن أهمية هذا التخصص تكمن في قدرته على تحويل الظواهر التي نعيشها يوميا إلى موضوعات قابلة للقياس والتحليل، عبر بناء نماذج علمية تساعد على فهم الأسباب والعلاقات بين مختلف المتغيرات. فبدلا من الاكتفاء بالقول إن الظروف الاقتصادية تؤثر في الزواج أو الاستقرار العائلي، يمكن للباحث أن يختبر هذه الفرضيات، ويحدد طبيعة التأثير وحجمه، ويستخلص نتائج تستند إلى معطيات إحصائية دقيقة.
وهكذا يصبح الاقتصاد أداة لفهم المجتمع، وليس مجرد علم يدرس حركة الأموال والأسواق، وهو ما يمنح اقتصاد الأسرة أهمية خاصة في ظل التحولات التي تعرفها المجتمعات المعاصرة، وتزايد التحديات المرتبطة بالتوازن العائلي والاجتماعي.
تونس تمتلك البيانات.. لكن تحويلها إلى معرفة علمية يظل التحدي الأكبر
ومن بين المسائل التي تطرحها الباحثة، مسألة توفر المعطيات الإحصائية في تونس ومدى إمكانية توظيفها في تطوير البحوث الاقتصادية والاجتماعية. فتونس تضم مؤسسات وهياكل مختصة بجمع البيانات والإحصائيات، من بينها المعهد الوطني للإحصاء والمجلس الوطني للإحصاء والهياكل المعنية بإنتاج المؤشرات والدراسات الإحصائية، وهو ما يوفر قاعدة يمكن للباحثين الانطلاق منها في إنجاز أعمال علمية أكثر عمقا.
غير أن توفر البيانات لا يعني بالضرورة أن الاستفادة منها تتم بالصورة المطلوبة، إذ إن القيمة الحقيقية للإحصائيات لا تكمن في جمعها أو نشرها فحسب، وإنما في القدرة على استغلالها وتوظيفها ضمن نماذج بحثية قادرة على تفسير الظواهر واستخلاص نتائج ذات قيمة علمية وعملية.
وفي هذا الإطار، تشدد إيمان الهنتاتي على أهمية تطوير التعاون بين الجامعة والمؤسسات التي تمتلك المعطيات الإحصائية، بما يسمح للباحثين بالوصول إلى البيانات الضرورية لإنجاز دراسات دقيقة، خاصة في المجالات التي تتطلب معلومات مفصلة حول السكان والتعليم والتشغيل والظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر.
فالباحث في الاقتصاد القياسي يحتاج إلى معطيات قابلة للتحليل والمقارنة، تسمح له باختبار الفرضيات وبناء نماذج متماسكة، وهو ما يجعل العلاقة بين الجامعة والمؤسسات الإحصائية مسألة أساسية لتطوير البحث العلمي. كما أن استثمار هذه المعطيات يمكن أن يتجاوز الإطار الأكاديمي، ليقدم نتائج تساعد على فهم المشكلات القائمة وتوجيه السياسات والبرامج العمومية نحو حلول أكثر استجابة لحاجيات المجتمع.
البحث العلمي لا ينبغي أن يبقى حبيس الجامعة.. والنتائج يجب أن تصل إلى المجتمع
ولا تتوقف أهمية اقتصاد الأسرة عند حدود الدراسات النظرية أو البحوث الجامعية، بل تتجلى قيمته الحقيقية عندما تتحول نتائجه إلى معرفة قابلة للاستعمال والاستفادة منها في الواقع. فالدراسات المتعلقة بالأسرة والسكان والتعليم والتشغيل يمكن أن تقدم مؤشرات مهمة لصناع القرار والمؤسسات المعنية بالشأن الاجتماعي، وتساعد على فهم التحولات التي يعرفها المجتمع التونسي بصورة أكثر دقة.
وتبرز هنا أهمية العمل المشترك بين الباحثين ومختلف الهياكل المختصة، إذ إن تحليل الظواهر الاجتماعية يحتاج إلى تكامل بين الخبرة الأكاديمية والبيانات الميدانية، حتى لا تبقى النتائج مجرد استنتاجات نظرية بعيدة عن الواقع.
وتشير الهنتاتي إلى أن التعامل مع هذه الملفات يتطلب اعتماد مناهج علمية مناسبة لطبيعة كل موضوع، مع الحرص على تقديم نتائج واضحة ومثبتة يمكن الاستناد إليها. فالدراسة الجيدة ليست تلك التي تطرح إشكالية مثيرة للاهتمام فحسب، بل التي تستطيع أيضا تقديم إجابات مدعومة بالأدلة، وتفسير العلاقات بين العوامل المختلفة، بما يجعل البحث العلمي أداة فعلية لفهم المشكلات المجتمعية.
من قاعات التدريس إلى مرافقة الطلبة.. الجامعة فضاء لإنتاج الحلول لا لتلقين المعارف فقط
وإلى جانب نشاطها الأكاديمي والبحثي، تولي إيمان الهنتاتي أهمية لمرافقة الطلبة ومساعدتهم على تطوير مهاراتهم والاستعداد لمتطلبات الحياة المهنية. فالتكوين الجامعي، في نظرها، لا ينبغي أن يقتصر على تقديم المعارف النظرية والمضامين البيداغوجية، بل يتعين أن يفتح أمام الطلبة آفاقا أوسع للتعلم والتفاعل مع محيطهم الاقتصادي والاجتماعي.
وتزداد أهمية هذا التوجه في ظل التحولات التي يشهدها سوق الشغل، حيث أصبحت المهارات الرقمية والإعلامية والقدرة على التعامل مع المعطيات وتحليلها من بين الكفاءات التي يزداد الطلب عليها. وهو ما يفرض على الجامعة مواكبة هذه التحولات، وتطوير طرق التكوين بما يساعد الطلبة على اكتساب المهارات التي يحتاجون إليها في مساراتهم المهنية.
وفي هذا السياق، تبرز ضرورة الربط بين الاختصاصات الجامعية ومتطلبات المؤسسات الاقتصادية، دون أن يعني ذلك اختزال دور الجامعة في تلبية حاجيات سوق الشغل الآنية، بل جعلها فضاء قادرا على إعداد كفاءات تمتلك أدوات التفكير والتحليل والتكيف مع المهن الجديدة.
اقتصاد الأسرة وسوق الشغل.. تقاطع بين القرارات العائلية ومستقبل الأجيال
ومن النقاط اللافتة التي تناولها الحوار، العلاقة بين اقتصاد الأسرة والاختيارات التعليمية والمهنية للأفراد، خاصة أن القرارات المتعلقة بتوجيه الأبناء واختيار اختصاصاتهم لا تنفصل تماما عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للعائلة.
فحين تختار الأسرة توجيه أحد أبنائها نحو اختصاص جامعي معين، فإنها لا تتخذ قرارا تعليميا فحسب، بل تتعامل أيضا مع اعتبارات تتعلق بفرص التشغيل المستقبلية، وكلفة التعليم، والإمكانيات المادية المتاحة، والآفاق المهنية التي يمكن أن يوفرها ذلك الاختصاص.
وتوضح الهنتاتي أن سوق الشغل التونسية تشهد طلبا متزايدا على اختصاصات مرتبطة بالإعلامية والمجالات الرقمية والتقنية، وهو ما يجعل هذه المجالات حاضرة بقوة في حسابات التوجيه والتكوين. غير أن اقتصاد الأسرة لا يقتصر على دراسة هذه الاختيارات من زاوية المهن المطلوبة أو مستويات الأجور، بل يهتم أساسا بفهم القرارات التي تتخذها العائلة، والعوامل التي تؤثر فيها، والنتائج التي يمكن أن تترتب عنها على المدى البعيد.
كما أن القرارات المتعلقة بالتعليم والتكوين والصحة والإنفاق العائلي تشكل جميعها عناصر مترابطة داخل المنظومة الاقتصادية للأسرة، إذ يمكن أن يؤثر قرار واحد في بقية الاختيارات، وأن تنعكس الظروف الاقتصادية للعائلة على الفرص المتاحة أمام أفرادها.
ومن هنا، تتجاوز أهمية اقتصاد الأسرة حدود اختصاص أكاديمي متخصص، لتطرح تصورا أوسع لدور الاقتصاد في فهم الإنسان والمجتمع. فالزواج والطلاق والتعليم والتشغيل ليست مجرد ظواهر اجتماعية منفصلة عن الحسابات الاقتصادية، بل ملفات متشابكة يمكن للبحث العلمي أن يكشف خيوطها ويفسر تأثيراتها. وهي المقاربة التي تدافع عنها إيمان الهنتاتي، من خلال توظيف الأساليب الكمية والاقتصاد القياسي لجعل الأرقام وسيلة لفهم الحياة اليومية، وتحويل المعطيات إلى معرفة يمكن أن تسهم في معالجة التحديات الاجتماعية على أسس علمية.



