نادية يعيش: فيتا 2026 فرصة حقيقية لتحويل تونس إلى بوابة استراتيجية نحو إفريقيا

في سياق دولي سريع التحول، حيث تعيد القوى الاقتصادية الكبرى رسم خارطة النفوذ والأسواق، يبرز مؤتمر “تمويل الاستثمار والتجارة في إفريقيا – فيتا 2026” كأحد أهم المواعيد الاقتصادية التي قد تعيد تعريف موقع تونس داخل القارة الإفريقية. هذا الحدث، الذي ينتظر أن يجمع مئات الفاعلين الاقتصاديين وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم، لا يطرح فقط سؤال الاستثمار، بل يضع تونس أمام اختبار حقيقي: هل يمكنها أخيرًا الانتقال من خطاب “بوابة إفريقيا” إلى واقع فعلي ومؤثر؟
إرادة سياسية تبحث عن ترجمة اقتصادية
ترى نادية يعيش، الكاتبة العامة لمجلس الأعمال التونسي الإفريقي، أن هذا المؤتمر لا يمثل مجرد تظاهرة اقتصادية عابرة، بل هو تعبير واضح عن إرادة سياسية لتكريس دور تونس كفاعل استراتيجي في إفريقيا. فتنظيم الدورة التاسعة تحت رعاية رئاسة الجمهورية، واستقطاب هذا العدد الكبير من المشاركين من أكثر من ستين دولة، يعكس — في تقديرها — رغبة حقيقية في تموقع جديد لتونس داخل محيطها الإفريقي، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي تدفع العديد من الدول إلى البحث عن شركاء وأسواق بديلة.
تراكم العوائق: لماذا تأخر التوجه نحو إفريقيا؟
غير أن هذا الطموح، رغم وجاهته، يصطدم بواقع أكثر تعقيدًا. فحسب تحليل نادية يعيش، لم يكن غياب التوجه نحو إفريقيا ناتجًا عن نقص في الإمكانيات، بل عن تراكم من العوائق البنيوية التي عطلت هذا المسار لسنوات. فالمؤسسات التونسية، رغم نجاح بعضها في اختراق الأسواق الإفريقية، ظلت تفتقر إلى منظومة متكاملة تدعم هذا التوجه، سواء من حيث التمويل أو توفر المعلومة الدقيقة أو حتى الإحاطة اللوجستية الضرورية للعمل في بيئات معقدة ومتنوعة مثل الأسواق الإفريقية.
سلاسل القيمة: مفتاح التحول داخل القارة
في هذا الإطار، يكتسب اختيار محور “سلاسل القيمة” كموضوع رئيسي لمؤتمر فيتا 2026 دلالة عميقة. فالقارة الإفريقية، كما توضح نادية يعيش، لم تعد تبحث فقط عن مستثمرين، بل عن شركاء قادرين على المساهمة في تحويل اقتصاداتها من نموذج قائم على تصدير المواد الخام إلى نموذج إنتاجي متكامل. وهنا بالذات تبرز الفرصة التونسية: فبفضل خبراتها في مجالات الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، يمكن لتونس أن تلعب دورًا محوريًا في هذا التحول، ليس فقط كمصدر للمنتجات، بل كفاعل في بناء منظومات اقتصادية جديدة داخل القارة.
تونس كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا
ولا يقتصر هذا الدور على التعاون جنوب-جنوب، بل يمتد ليشمل موقع تونس كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا. فبحكم علاقاتها التاريخية مع الأسواق الأوروبية، يمكن لتونس — وفق رؤية نادية يعيش — أن تتحول إلى منصة تعبر من خلالها الاستثمارات نحو القارة الإفريقية، وفي الاتجاه المعاكس، بما يخلق ديناميكية ثلاثية الأبعاد تجمع بين إفريقيا وأوروبا وبقية العالم.
كندا: شريك يبحث عن أسواق جديدة
في هذا السياق، يكتسب اختيار كندا كضيف شرف دولي أهمية خاصة. فهذه الدولة، التي ظلت لسنوات مرتبطة اقتصاديًا بالسوق الأمريكية، بدأت تبحث عن آفاق جديدة في ظل التحولات العالمية. وتعتقد نادية يعيش أن تونس قادرة على استقطاب جزء من هذه الديناميكية، عبر تقديم نفسها كبوابة آمنة ومنظمة نحو الأسواق الإفريقية، خاصة إذا ما تم تحسين مناخ الاستثمار وتطوير البنية التحتية الداعمة لهذا الدور.
غينيا: نموذج إفريقي صاعد
أما اختيار غينيا كضيف شرف إفريقي، فيرتبط — بحسب نفس الرؤية — بنموذج اقتصادي صاعد داخل القارة، تجسده مشاريع كبرى مثل “سيماندو 2040”، الذي يهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الغيني من خلال تطوير البنية التحتية وربط مناطق الإنتاج، بما يسمح بتحويل الموارد الطبيعية محليًا قبل تصديرها. هذا النموذج يعكس، في جوهره، التحول الذي تعيشه إفريقيا اليوم، والذي يفتح المجال أمام شركاء جدد يمتلكون القدرة على المساهمة في هذه الديناميكية، وهو ما يمكن أن تستفيد منه تونس بشكل مباشر.
التمويل والمعرفة: عقدتان أساسيتان
ورغم هذا الزخم، لا تخفي نادية يعيش حجم التحديات التي لا تزال تعيق الشركات التونسية. فالتمويل يظل العقبة الأبرز، حيث تجد العديد من المؤسسات صعوبة في تأمين الموارد اللازمة للتوسع في أسواق تتطلب استثمارات أولية كبيرة. كما أن غياب المعرفة الدقيقة بالأسواق الإفريقية يمثل عائقًا حقيقيًا، إذ لا يمكن — حسب تعبيرها — اتخاذ قرارات استثمارية اعتمادًا على معطيات عامة أو معلومات غير ميدانية، في قارة تتسم بتنوع كبير في الأنظمة الاقتصادية والبيئات القانونية.
من النقاش إلى التنفيذ: “قاعة الصفقات”
ومن هذا المنطلق، يأتي إدراج مفهوم “قاعة الصفقات” ضمن فعاليات المؤتمر كآلية عملية لتجاوز هذه الإشكاليات، حيث سيتم ربط المشاريع مباشرة بالممولين، في محاولة لنقل النقاش من مستوى الأفكار إلى مستوى التنفيذ. وهي خطوة تعكس، في تقدير نادية يعيش، تحولًا مهمًا في طبيعة هذا الحدث، من فضاء للنقاش إلى منصة لإنتاج فرص استثمار حقيقية.
اللوجستيك والضرائب: عوائق صامتة لكنها حاسمة
لكن التحديات لا تقف عند حدود التمويل والمعرفة، بل تمتد إلى الجانب اللوجستي، الذي تصفه نادية يعيش بالعائق الصامت. فضعف الربط الجوي والبري مع العديد من الدول الإفريقية، إلى جانب التعقيدات المرتبطة بالنقل والتأمين، تجعل من التوسع في هذه الأسواق مهمة أكثر صعوبة، حتى بالنسبة للمؤسسات التي تمتلك الرغبة والإمكانيات. كما أن محدودية الاتفاقيات الجبائية مع الدول الإفريقية تفرض أعباء إضافية على الشركات التونسية، التي تجد نفسها في بعض الأحيان أمام ازدواج ضريبي يقلص من قدرتها التنافسية.
نجاحات تونسية قائمة… لكنها غير كافية
ورغم كل ذلك، تكشف نادية يعيش عن جانب مضيء غالبًا ما يتم تجاهله، يتمثل في النجاحات التي حققتها الشركات التونسية في إفريقيا، خاصة في قطاع الخدمات. فعدد من هذه الشركات تمكن من تنفيذ مشاريع استراتيجية في مجالات نظم المعلومات والبنية التحتية، ما يؤكد أن الكفاءة التونسية قادرة على المنافسة، حتى في بيئات صعبة ومعقدة.
الشباب وإفريقيا: فرصة لم تُستغل بعد
في خضم هذا المشهد، توجه نادية يعيش دعوة واضحة إلى الشباب التونسي، معتبرة أن إفريقيا تمثل اليوم فضاءً حقيقيًا للفرص، وليس مجرد امتداد جغرافي. فالمعلومة حول هذه الأسواق، رغم كلفتها العالية، أصبحت أكثر توفرًا من خلال مثل هذه التظاهرات، التي تتيح الاحتكاك المباشر بالفاعلين الاقتصاديين وفهم الواقع بشكل أدق.
بين الطموح والاختبار الحقيقي
في النهاية، لا يبدو أن الرهان المطروح على تونس بسيط أو مضمون النتائج. فكما تؤكد نادية يعيش، الفرص موجودة، لكن تحويلها إلى نجاحات ملموسة يتطلب ما هو أكثر من النوايا: يتطلب إصلاحات عميقة، تطويرًا للبنية التحتية، تسهيلًا للإجراءات، ورؤية واضحة تنقل البلاد من موقع المراقب إلى موقع الفاعل. وبين الطموح والواقع، قد يشكل مؤتمر فيتا 2026 نقطة التحول التي طال انتظارها.




