بعد 7 سنوات من القانون.. لماذا ما تزال “شاحنات الموت” تحصد أرواح العاملات الفلاحيات؟
مأساة المزونة تعيد جرحًا لم يندمل

لم يكن حادث المزونة الذي أودى، صباح الجمعة، بحياة عاملتين فلاحيتين وأصاب 13 أخريات مجرد حادث مرور جديد على طرقات تونس، بل كان حلقة إضافية في سلسلة طويلة من المآسي التي تلاحق النساء العاملات في القطاع الفلاحي منذ سنوات.
ومع كل فاجعة جديدة، يعود السؤال ذاته بقوة: لماذا ما تزال العاملات الفلاحيات يُنقلن في ظروف خطرة رغم وجود قانون خاص ينظم هذا القطاع؟ ولماذا بقيت صور الشاحنات المكتظة بالنساء مشهدًا يوميًا رغم تعاقب الوعود والإجراءات؟
أرقام ثقيلة تكشف حجم الكارثة
الأرقام المتداولة خلال السنوات الأخيرة ترسم صورة مقلقة لواقع نقل العاملات الفلاحيات في تونس. فمنذ سنة 2015 تم تسجيل أكثر من 88 حادثًا، أسفرت عن وفاة 65 عاملة وعاملًا وإصابة 983 شخصًا بين جرحى ومصابين.
وتتصدر ولاية سيدي بوزيد قائمة الجهات الأكثر تضررًا، تليها القيروان، وهو ما يعكس حجم الاعتماد على هذا النمط من النقل في المناطق الفلاحية الداخلية، حيث تتحول رحلة البحث عن لقمة العيش في كثير من الأحيان إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
الأخطر من ذلك أن أكثر من 60 بالمائة من هذه الحوادث سُجلت بعد سنة 2019، أي بعد صدور القانون المنظم لنقل العملة الفلاحيين، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى تطبيقه على أرض الواقع.
قانون موجود… لكن التنفيذ غائب
جاء القانون عدد 51 لسنة 2019 عقب فاجعة السبالة الشهيرة التي هزّت الرأي العام وأودت بحياة 12 عاملة فلاحية. يومها تعالت الأصوات المطالبة بإنهاء ما سُمّي بـ”شاحنات الموت”، لتسارع السلطات إلى سن إطار قانوني جديد لتنظيم القطاع.
وينص القانون على إحداث صنف خاص بنقل العملة الفلاحيين، مع إخضاع وسائل النقل إلى تراخيص رسمية وشروط فنية صارمة تتعلق بالسلامة والتجهيزات المخصصة لنقل الأشخاص، فضلاً عن منح امتيازات لتشجيع الاستثمار في هذا المجال.
غير أن الواقع الميداني ظل بعيدًا عن روح النص القانوني، حيث ما تزال آلاف العاملات يتنقلن يوميًا على متن شاحنات غير مهيأة، وفي ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة.
بين الفقر وغياب البدائل
تكشف هذه الحوادث المتكررة أن الإشكال لا يتعلق فقط بغياب الرقابة، بل أيضًا بواقع اجتماعي واقتصادي معقد. فالكثير من العاملات يجدن أنفسهن أمام خيار وحيد: القبول بوسائل نقل خطرة أو فقدان مورد رزقهن اليومي.
وفي عدد من المناطق الريفية، ما تزال وسائل النقل المنظمة شبه غائبة، وهو ما يجعل الشاحنات الخفيفة والحافلات غير المطابقة للمواصفات الخيار الأكثر انتشارًا رغم المخاطر التي تنطوي عليها.
متى تتوقف رحلة الخطر؟
سبع سنوات تقريبًا مرت على صدور القانون، لكن الحصيلة تبدو مؤلمة؛ عشرات الوفيات ومئات الإصابات وحوادث تتكرر بالوتيرة نفسها. وبين النصوص القانونية والواقع الميداني، لا تزال العاملات الفلاحيات يدفعن الثمن الأغلى.
ومع كل حادث جديد، تتجدد الدعوات إلى الانتقال من مرحلة التشخيص والوعود إلى مرحلة التطبيق الفعلي للقانون، حتى لا تبقى طرقات تونس شاهدة على مآسٍ تتكرر، وتتحول رحلة العمل اليومية إلى حكم مفتوح بالمخاطرة بالحياة.




