وطنية

ثورة هادئة في قانون الصرف: هل تنجح تونس في كسر منطق العقاب؟

في لحظة اقتصادية دقيقة، يعود ملف مخالفات الصرف إلى الواجهة، لكن هذه المرة بنبرة مختلفة تمامًا: إصلاح بدل العقاب. رئيس لجنة المالية، ماهر الكتاري، يفتح الباب أمام مراجعة عميقة لمنظومة ظلّت لسنوات قائمة على الردع والسجن، دون أن تحقق النتائج المرجوة.

من السجن إلى الإصلاح: تغيير في الفلسفة قبل النصوص

التصريحات الأخيرة تكشف تحوّلًا واضحًا في مقاربة الدولة. لم يعد الحل في تشديد العقوبات، بل في إعادة صياغة القوانين بما يتماشى مع واقع اقتصادي معقّد ومتغيّر. الكتاري كان صريحًا: لا يمكن معالجة مخالفات الصرف بعقلية زجرية، بل عبر تسهيل الإجراءات ورفع القيود التي تدفع نحو الاقتصاد الموازي.

هذه المقاربة تعكس إدراكًا متأخرًا ربما، لكن ضروري، بأن القوانين القديمة لم تعد قادرة على مواكبة تحوّلات السوق ولا تطلعات الفاعلين الاقتصاديين، خاصة الشباب وأصحاب المبادرات.

مجلة صرف جديدة: رهان على الثقة بدل الخوف

المشروع الأبرز يتمثل في إعداد مجلة صرف جديدة، تُبنى على تشاور واسع وتفتح المجال أمام حلول مبتكرة. من بين أهم المقترحات: تمكين الأفراد من التصريح بمكاسبهم في الخارج، وفتح حسابات بالعملة الأجنبية داخل تونس دون إجبارهم على تحويلها إلى الدينار.

خطوة قد تبدو تقنية، لكنها في العمق محاولة لاستعادة الثقة المفقودة بين المواطن والمنظومة المالية، وإدماج جزء مهم من الاقتصاد الموازي داخل القنوات الرسمية.

تسوية أم عفو؟ جدل يتواصل تحت قبة البرلمان

رغم الطابع الإصلاحي للمقترح، إلا أن الجدل لم يغب. إعادة مشروع القانون إلى لجنة المالية تعكس حجم التعقيدات وكثرة التعديلات المقترحة. بين من يراه فرصة تاريخية لتصحيح المسار، ومن يخشى أن يتحول إلى “عفو مقنّع”، يبقى النقاش مفتوحًا.

لكن المؤكد أن أي تسوية لن تنجح دون إصلاح جذري وشامل، كما شدد الكتاري، لأن الحلول الترقيعية لم تعد مقبولة في ظرف اقتصادي هش.

هل تفتح الإصلاحات باب العملة الصعبة؟

الرهان الأكبر يبقى اقتصاديًا بامتياز: استقطاب العملة الأجنبية ورفع الاحتياطي. إدماج الأموال الموجودة خارج الدورة الرسمية قد يساهم في ضخ سيولة جديدة، وهو ما تحتاجه تونس بشدة.

غير أن النجاح لن يكون مضمونًا إلا إذا رافق هذه الإصلاحات مناخ ثقة حقيقي، وإدارة شفافة، وقوانين واضحة لا تتغير بتغير الظرف السياسي.

بين الطموح والواقع: اختبار جديد للدولة

في النهاية، تقف تونس أمام اختبار جديد: هل تنجح في الانتقال من دولة تعاقب إلى دولة تنظّم وتواكب؟ أم أن الإصلاح سيبقى حبرًا على ورق كما حصل في ملفات عديدة؟

الإجابة لن تأتي من النصوص فقط، بل من كيفية تنزيلها على أرض الواقع. وهنا، يبدأ التحدي الحقيقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى