وطنية

رياض الأطفال في تونس على حافة الانهيار: قطاع “يحتضر” وأرقام تثير القلق

في مشهد تربوي يزداد تعقيدا سنة بعد أخرى، يرفع مهنيّو الطفولة المبكرة في تونس صوت التحذير من أزمة عميقة تضرب قطاع رياض الأطفال، أزمة لم تعد تُقرأ كصعوبات ظرفية، بل كاختلال هيكلي يهدد مستقبل آلاف المؤسسات والأطفال على حد سواء.

500 روضة تُغلق أبوابها… والبقية في الانتظار

الأرقام التي كشفتها الغرفة النقابية الوطنية لرياض ومحاضن الأطفال تبدو صادمة: نحو 500 روضة أغلقت أبوابها خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع العدد من 6020 مؤسسة سنة 2024 إلى حوالي 5520 حاليا.

هذا الانكماش السريع لا يعكس مجرد صعوبات مالية، بل يشير إلى قطاع يفقد توازنه تدريجيا تحت ضغط الكلفة وتراجع الإقبال وتفاقم المنافسة غير المنظمة.

“القطاع يحتضر”… خطاب غير مسبوق في حدّته

العبارة التي تكررت خلال الندوة الصحفية للمهنيين كانت لافتة في حدّتها: “القطاع يحتضر”. توصيف يعكس حجم الإحباط داخل المهنة، خاصة مع تزايد الأعباء المالية من كراء وضرائب وتأمين، في مقابل ضعف العائدات.

هذا الوضع دفع الفاعلين إلى الخروج في احتجاجات سابقة أمام مجلس نواب الشعب، رافعين شعارات تلخص الأزمة: قطاع يرزح تحت الضغط دون سند فعلي.

أطفال خارج الرادار… وفضاءات غير مرخصة تنتشر

الأخطر في المعطيات المطروحة هو ما يتعلق بالأطفال أنفسهم، إذ تشير تصريحات الغرفة إلى أن أكثر من 50.5 بالمائة من الأطفال في تونس لا تُعرف أماكن تواجدهم بشكل دقيق، ما يفتح الباب أمام فضاءات عشوائية تستغل الفراغ الرقابي.

في المقابل، تحركت السلطات عبر إصدار 133 قرار غلق لفضاءات غير قانونية منذ بداية 2025، في محاولة للحد من انتشار مؤسسات لا تستجيب للمعايير التربوية والأمنية.

بين القانون والواقع: صراع غير متكافئ

رئيسة الغرفة نبيهة كمون التليلي شددت على أن أحد أبرز أسباب الأزمة هو المنافسة غير المتكافئة مع المدارس الخاصة التي تستقبل أطفالا في سن مبكرة دون احترام واضح للتراتيب، إلى جانب انتشار فضاءات تعمل خارج الإطار القانوني.

هذا الواقع خلق سوقا تربوية مضطربة، حيث يجد المربي القانوني نفسه في مواجهة منافسين لا يخضعون لنفس الأعباء ولا لنفس الرقابة.

دعوات للدعم… لا للاكتفاء بالرقابة

المهنيون لا يكتفون اليوم بالتحذير، بل يطالبون بإجراءات عملية، أبرزها تفعيل منحة “روضتنا في حومتنا” لدعم رياض الأطفال، وإحداث دعم خاص بأطفال طيف التوحد، خاصة مع تزايد عدد المنتفعين من برامج الإدماج التربوي.

كما يطالبون وزارة التربية بتشديد الرقابة على المؤسسات الخاصة وتوحيد شروط تسجيل الأطفال، في محاولة لإعادة التوازن إلى منظومة تبدو مشتتة.

أزمة أعمق من مجرد أرقام

وراء الأرقام والبلاغات، تكمن أزمة أعمق: غياب رؤية شاملة للطفولة المبكرة كقطاع استراتيجي، وليس مجرد نشاط خدماتي.

فرياض الأطفال ليست فقط فضاءات لرعاية الصغار، بل هي أولى لبنات المنظومة التربوية، وأي اهتزاز فيها ينعكس لاحقا على المدرسة والمجتمع ككل.

بين التحذير والإنقاذ: سباق مع الزمن

اليوم، يبدو قطاع رياض الأطفال في تونس أمام مفترق طرق حاسم: إما إصلاح جذري يعيد له توازنه، أو استمرار الانكماش الذي قد يحوّله من شبكة تربوية واسعة إلى قطاع يواجه خطر التآكل التدريجي.

وفي كلتا الحالتين، يبقى السؤال الأهم مطروحا: هل تتحرك الدولة قبل أن يفقد هذا القطاع آخر أنفاسه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى