السالمي: “الزيادات في الأجور لا تكفي… وتونس تحتاج إلى حوار قبل أي أرقام”

في سياق اجتماعي واقتصادي متوتر، عاد ملف الأجور والحوار الاجتماعي إلى الواجهة بقوة، هذه المرة من بوابة الخطاب النقابي، حيث وجّه الأمين العام المساعد للاتحاد التونسي للشغل صلاح الدين السالمي رسائل واضحة للحكومة، مؤكدا أن الزيادات الأخيرة في الأجور لم ترتقِ إلى مستوى انتظارات الشغالين، ولا تعكس حجم الضغوط المعيشية المتصاعدة.
وجاءت هذه التصريحات من قفصة، خلال افتتاح أشغال المؤتمر العادي السابع والعشرين للاتحاد الجهوي للشغل، في لحظة بدت فيها الرسائل النقابية مشحونة ليس فقط بالاحتجاج، بل أيضا بالدعوة إلى إعادة فتح قنوات الحوار التي يعتبرها النقابيون أساسية لتفكيك الأزمة الاجتماعية.
{المعركة الحقيقية اليوم لم تعد في الأرقام فقط، بل في غياب الحوار الذي يسبق هذه الأرقام}
زيادات الأجور تحت المجهر: بين التضخم والقدرة الشرائية
السالمي لم يكتفِ بوصف الزيادات الأخيرة بأنها غير كافية، بل ربطها مباشرة بتراجع المقدرة الشرائية وارتفاع نسب التضخم، في إشارة إلى الفجوة المتزايدة بين الدخل وتكاليف الحياة اليومية.
هذا التقييم يعكس موقفا نقابيا يعتبر أن أي تحسينات مالية معزولة عن السياق الاقتصادي العام تبقى محدودة الأثر، خاصة في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وضغط النفقات الأساسية على الأسر.
{حين ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع من الأجور، تصبح الزيادة مجرد رقم لا يغير كثيرا في الواقع}
أزمة حوار اجتماعي: اتهام مباشر بغلق الأبواب
في جانب آخر من تصريحاته، وجه السالمي انتقادات مباشرة إلى ما وصفه بغلق باب الحوار الاجتماعي من طرف الحكومة منذ ثلاث سنوات، معتبرا أن ذلك أدى إلى حالة من الانفراد في اتخاذ القرارات، بعيدا عن التوافقات التقليدية بين الأطراف الاجتماعية.
هذا الخطاب يعيد إلى الواجهة إشكالية قديمة متجددة في المشهد التونسي، تتعلق بمدى قدرة الدولة على إدارة التوازن بين القرارات الاقتصادية ومتطلبات التمثيلية النقابية.
وفي هذا الإطار، يبرز الاتحاد التونسي للشغل الاتحاد التونسي للشغل كفاعل اجتماعي مركزي يواصل الدفع نحو إعادة تفعيل آليات الحوار، باعتباره فضاء لتقريب وجهات النظر بدل تعميق التوتر.
ما بعد الأجور: دعوة لإعادة بناء المنظومة الاجتماعية
السالمي شدد على أن الحوار الاجتماعي لا يجب أن يختزل في مسألة الزيادات في الأجور فقط، بل هو أوسع من ذلك بكثير، إذ يشمل مستقبل المؤسسات العمومية، وإصلاح المنظومتين التربوية والصحية، اللتين وصفهما بأنهُما في حاجة إلى تصورات جديدة توقف ما اعتبره تدهورا متواصلا.
{هنا يتحول الحوار من مطلب نقابي إلى ضرورة وطنية تتجاوز الحسابات المالية الضيقة}
الاتحاد بين الأزمة الداخلية والتحديات الخارجية
في سياق حديثه، أشار المسؤول النقابي إلى أن المنظمة الشغيلة تمر بمرحلة تحتاج فيها إلى مزيد من الالتفاف الداخلي، داعيا القواعد النقابية إلى تعزيز الانخراطات وتقوية التمثيلية، في ظل ما وصفه بتراجع الإقبال على العملية النقابية.
كما قلل من تداعيات إيقاف الاقتطاع الآلي لفائدة الاتحاد، معتبرا أن المنظمة واجهت تحديات مشابهة في السابق وتجاوزتها، خصوصا خلال محطات تاريخية صعبة.
بين الحكومة والنقابات: حوار مؤجل أم أزمة ثقة؟
تصريحات السالمي تعكس مناخا عاما من التوتر بين الطرف الاجتماعي والحكومة، حيث لم يعد الخلاف محصورا في تفاصيل الأجور، بل امتد إلى طبيعة العلاقة نفسها بين الأطراف، وإلى سؤال أعمق حول مستقبل الحوار الاجتماعي في تونس.
وفي ظل هذا الوضع، يبدو أن النقاش لم يعد يتعلق فقط بنسبة زيادة أو تاريخ صرف، بل بمسار كامل من التفاهمات التي كانت في السابق جزءا أساسيا من الاستقرار الاجتماعي.
{حين يغيب الحوار، تصبح كل الملفات الاقتصادية أكثر تعقيدا مما هي عليه في الواقع}
في النهاية، يضع هذا الخطاب الملف الاجتماعي في قلب المرحلة القادمة، بين مطلب تحسين الدخل من جهة، وضرورة إعادة بناء الثقة في آليات الحوار من جهة أخرى، في مشهد لا يبدو قابلا للحسم السريع.




