وطنية

زيادة الأجور في تونس تثير الجدل: ماذا سيصل فعليا إلى جيب الموظف؟

في وقت ينتظر فيه آلاف الأجراء والمتقاعدين انعكاس الزيادات الجديدة على أجورهم وجراياتهم، تتواصل حالة الغموض والارتباك حول كيفية احتساب هذه الترفيعات، بين الأجر الخام والأجر الصافي، وبين من سيستفيد فعليا ومن ستظل زيادته محدودة.

وفي خضم هذا الجدل، قدّم المختص في أنظمة الضمان الاجتماعي الهادي دحمان قراءة اعتبر فيها أن الحيرة الحالية “طبيعية”، بالنظر إلى تشعب أنظمة التأجير في تونس وطبيعة النصوص القانونية التي وصفها بـ”حمّالة الأوجه”.

{الزيادة التي تُعلن على الورق لا تعني دائما أن نفس الرقم سيصل إلى جيب الأجير}

625 نظام تأجير… تونس داخل متاهة إدارية معقدة

أحد أكثر المعطيات إثارة للانتباه في تصريحات الهادي دحمان كان تأكيده وجود ما يقارب 625 نظام تأجير مختلفا في تونس، وهو رقم يعكس حجم التعقيد داخل المنظومة الإدارية والاجتماعية.

ويرى دحمان أن جذور هذا التشعب تعود إلى سنة 1965، تاريخ إلغاء الإدارة العامة لأنظمة التأجير برئاسة الحكومة، وهو ما فتح الباب تدريجيا أمام ظهور أنظمة خصوصية متعددة، تختلف من قطاع إلى آخر ومن سلك إلى آخر.

هذا الواقع يجعل أي قرار متعلق بالزيادات أو الجرايات عرضة لتفسيرات متباينة، ويخلق تفاوتا كبيرا في كيفية تطبيقه.

نسبة الـ5 بالمائة… لمن تُمنح فعليا؟

الهادي دحمان أوضح أن نسبة الـ5 بالمائة المتداولة ليست “زيادة عامة موحدة” كما يعتقد كثيرون، بل هي أساسا النسبة المعتمدة في الزيادة الخاصة بالأجر الأدنى الصناعي المضمون.

وقد تم تعميم هذه النسبة على أغلب القطاعات المرتبطة بهذا النظام، مع وجود استثناءات تخص بعض الأسلاك المهنية التي لا تخضع بطبيعتها لمنظومة “السميغ”.

كما شدد على أن القيمة النهائية للزيادة تختلف من أجير إلى آخر، بحسب طبيعة السلك المهني ومستوى الأجر القاعدي والاقتطاعات الاجتماعية والجبائية.

{الحديث عن نسبة موحدة يخفي وراءه فروقات كبيرة بين الأجور والقطاعات}

المنح خارج الزيادة… وهذه أبرز المفاجآت

من بين النقاط التي قد تُفاجئ الكثير من الأجراء، تأكيد دحمان أن الزيادات الجديدة لن تشمل المنح الاستثنائية أو ما يعرف بـ”les primes”.

وأوضح أن النص القانوني حدد الزيادة على امتداد 12 شهرا فقط، ما يعني أن المنح الإضافية ستبقى في مستوياتها السابقة دون تعديل.

وهذا التفصيل قد يجعل بعض الموظفين يكتشفون أن الزيادة الفعلية في الأجر الصافي أقل بكثير مما كان متوقعا.

الجرايات أيضا في قلب الجدل

الجدل لم يتوقف عند الأجور فقط، بل امتد أيضا إلى ملف الجرايات، حيث عبّر المختص عن استغرابه من طريقة صياغة النصوص المتعلقة بسحب الزيادات على المتقاعدين.

وأوضح أن القوانين الحالية، سواء في القطاع العمومي أو الخاص، تنص بوضوح على أن أي زيادة تُدمج ضمن عناصر الأجر يجب أن تنعكس آليا على الجرايات.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أن القانون عدد 12 لسنة 1985 القانون عدد 12 لسنة 1985 يحسم هذه المسألة بالنسبة للقطاع العمومي، بينما يفرض القانون في القطاع الخاص سحب أي ترفيع في الأجر الأدنى الصناعي المضمون على أصحاب الجرايات.

بأي منطق حُددت نسبة الزيادة؟

الهادي دحمان طرح أيضا سؤالا مباشرا حول المرجعية التي اعتمدتها الحكومة في تحديد نسبة الـ5 بالمائة، معتبرا أن الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس تفرض ربط الزيادات بمؤشرات اقتصادية دقيقة.

ومن بين هذه المؤشرات: نسب التضخم، تكلفة المعيشة، معدلات النمو، ومتوسط الزيادات السابقة.

ويأتي هذا النقاش في ظرف اقتصادي حساس، يتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل أي زيادة في الأجور محل متابعة دقيقة من قبل الشغالين والمتقاعدين.

{المواطن لا يقيس الزيادة بالنسبة المعلنة… بل بما تبقى له آخر الشهر}

بين النصوص والواقع… الشارع ينتظر الإجابة الحقيقية

ورغم كثرة التوضيحات القانونية والفنية، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للتونسيين بسيطا ومباشرا: كم ستبلغ الزيادة الحقيقية في الأجر الصافي؟

فبين الاقتطاعات والأنظمة المختلفة والاستثناءات، يبدو أن الطريق بين “الزيادة المعلنة” و”الزيادة الفعلية” ما يزال مليئا بالتفاصيل المعقدة.

وفي انتظار صدور تطبيقات أوضح على أرض الواقع، تتواصل حالة الترقب داخل آلاف العائلات التونسية التي تبحث، قبل كل شيء، عن أي متنفس أمام الغلاء المتصاعد وتآكل المقدرة الشرائية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى